المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (63): ربيع الانتهازية في العراق

salim alhasaniانتهى لقاء تلفزيوني كان فيه الضيف يدافع عن عمار الحكيم، ويخلع عليه من صفات القيادة ما يستنزلها من رغبته في الحصول على مكرمة منه. عندما انتهى اللقاء وابتعد عن الكاميرا، قال لضيف آخر كان يشاركه اللقاء، كلاماً بذيئاً بحق عمار الحكيم، وبطريقة يدلل فيها على استخفافه به وأنه يريد أن يرضيه أمام الكاميرا ليحصل منه على مبلغ من المال.

هذا الإعلامي كان في مقابلات تلفزيونية سابقة خلال ولاية المالكي، يبذل نفس الجهد (البطولي) في الدفاع عنه، وقد ظهر في جلسة تلفزيونية عقدها المالكي، ليقول للأخير ان الدفاع او العلاقة مع المالكي أصبحت (كالقابض على جمرة)، وقد ذهبت استعارته للحديث النبوي بتشبيه المالكي بـ (الدين) مثلاً على الانتهازية والاعتياش التي يعتمدها قسم من الإعلاميين. وعندما باتت الأمور واضحة بأن المالكي لن يكون له نصيب في ولاية ثالثة، كثّف هذا الشخص ظهوره الاعلامي منقلباً على المالكي، ومرتداً عن إيمانه السابق به، فكان يصفه بالدكتاتور المجنون.

 ليس هذا النموذج استثناءً أو حالة نادرة، إنه يمثل مواقف شريحة كبيرة من المثقفين والاعلاميين العراقيين. وما أكثر الجلسات التي تجمع قسماً منهم، وهم يتوزعون في الولاء على عدة قادة سياسيين، فيتبادلون السخرية من قادتهم، ويصفونهم بأبشع الصفات، مشفوعة باللعنات والشتائم، فلا يستنكر أحدهم من الآخر هذه الإزدواجية المريضة، فلقد وحّدهم الإعتياش فصاروا رفاق درب واحد. وقد اطمأنوا بأن المواطن العراقي اُشْرِب في قلبه القائد، فمضى كل واحد من هؤلاء يصنع المدائح للذي يدفع أكثر.

ذات مرة التقى أحد الإعلاميين بالجعفري، وكنتُ حاضراً، فراح هذا يبتكر الإعجاب بشخصه وفكره وثقافته، وكنت أرى الكذب على ملامحه وعلى مبالغاته في الأوصاف، وعندما خرج، أمر الجعفري أحد مساعديه إعطاءه مبلغاً مالياً، فقلتُ له: (ولكن هذا كاذب) فاعترض بغضب: (أعرف ذلك لكنه ينفعني).

وليس الجعفري وحده الذي يفعل ذلك، بل بقية السياسيين أيضاً، يفعل ذلك المالكي ومقتدى وعمار واياد علاوي وأسامة النجيفي وسليم الجبوري ومسعود البارزاني وغيرهم. فهم يصلون الإعلاميين المعتاشين بهباتهم السخية، مع علمهم المسبق بنفاقهم وارتزاقهم وانتهازيتهم، لكنهم يريدون هذا النوع من الإعلاميين، يبحثون عنهم بحرص، يطلبونهم حثيثاً أينما كانوا، فهم الصوت الذي يصنع الضجيج لتضيع الحقيقة في صخبه، وهم الاقلام التي تملأ مواقع الانترنت مدحاً لهم وقدحاً بمنافسيهم كل يوم.

قريباً سيأتينا عاشوراء، وسنجد القادة الشيعة يشاركون في مجالس العزاء، وفي زيارة الامام الحسين، ويلبسون السواد، ويوزعون على الزوار الشاي والطعام، في عملية استعراضية مقززة لخداع المواطن البسيط بأنهم على طريق الحسين وأهل البيت. لكن تصرفاتهم الحقيقية على الضد من ذلك تماماً، إنهم يحيون سُنة معاوية بن أبي سفيان، وسيرة ابنه يزيد قاتل الحسين وسلوك بني أمية وبني العباس قتلة الأئمة والعلويين، عندما كانوا يغدوقون العطاء للمعتاشين والمرتزقة ويقربونهم من مجالسهم.

لم يصنع القادة السياسيون منجزاً للمواطن يتناسب مع ثروات العراق الهائلة، بينما ضاعت أمواله بالفساد لحسابات خاصة، ولم يتم استرجاعها او كشفها حتى الآن، ولن يحدث ذلك في المستقبل، طالما أن المثقفين المعتاشين يسيطرون على الساحة الإعلامية، بفضل الامكانات الموضوعة تحت تصرفهم. فهم يوفرون الغطاء للقضاء وللمسؤولين وللنواب لإبقاء الحال على ما هو عليه.

إن حضور المواطن والمثقف والمتعلم ضعيف في الساحة الإعلامية، مع أن فضاء التواصل الاجتماعي وخصوصاً الفيسبوك مجاني واسع مؤثر، وبمقدور المواطن أن يفعل الكثير في هذا الخصوص، فيما لو تصدى لظاهرة الإعتياش الإعلامي التي تشكل حماية للفاسدين، وتمارس عملية تضليل ممنهجة للرأي العام وخداع المواطن البسيط.

عندما لا يجد الكتّاب الذين يحاربون الفساد، ويدعون الى التخلص من ظاهرة العبودية للقادة، تجاوباً من قبل القراء بالشكل المطلوب، فان ذلك يعني إعطاء المعتاشين مرونة للتحرك والنشاط أكثر، ويعني إبقاء الوضع على خرابه وتدهوره، وهذا ما يريده القادة والمسؤولون أن يبقى حاكماً مهيمناً على الواقع العراقي.

إنني أدع الاخوة القرّاء الكرام، أن ينشروا مقاطع الفيديو والمواقف التي تكشف هؤلاء الإعلاميين المعتاشين، لما يتسببونه من تضليل للرأي العراقي.

ويجب ان يعرف مستخدمو الفيسبوك أن مشاركة المنشورات التي يجدونها تفضح القادة الفاسدين، وتكشف الاعلاميين المعتاشين، أهم بكثير من تسجيل الإعجابات. لأن المشاركة تصنع رأيا عاماً واسع الانتشار.

لها تتمة

 

....................................

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم.....وانت ألست واحدا منهم؟بل انت كذلك،لكن لم تجد مكانا يوسعك في طاولة النفاق السياسي فأثرت الابتعاد وبدأت بفضح ما تعرفه عنهم ،ذلك هو اليقين وليس سواه

المهندس اياد
This comment was minimized by the moderator on the site

موفق الربيعي، وصل بالاحتلال الأميركي لِيَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ، عَلَى الاحتلال !، برفعهِ دعوى قضائية لدى المحاكم الأميركية لإزالة آثار الاحتلال الأميركي عن وطنهِ العراق من دمار وحل للجيش والأجهزة الأمنية، بصفتهِ مواطن وليس كعضو في البرلمان العراقي ولا بصفتهِ الرسمية السابقة كمسؤول عن جهاز الأمن الوطني العراقي، حسب قولهِ. facebook
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=532244

عبدالله نجم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3671 المصادف: 2016-09-23 03:38:05