المثقف - قضايا

راغب الركابي: تصحيح الإعتقاد في معنى ثورة الإمام الحسين (3)

rakeb rekabiأكدنا فيما مضى من تصحيح على الطبيعة الموضوعية للثورة، ونعني بذلك إنها تتحرك وفق معطيات طبيعية وليست غيبية والهدف الذي تلاحقه الثورة هو في إقامة الحكم العادل الذي يحقق التوازن والمساواة، وهذا الهدف لازمه تولي السلطة من خلال الإنتخاب والشورى وهذا ما كان يسعى له ويريده الإمام الحسين، ولم يكن شيء من هدف غير هذا وما يُقال عن الشهادة فليست هدفاً البتة، وما جاء من أخبار في هذا المجال فمجرد وهم نشأ بفعل ما آلت إليه نتيجة الثورة، وقد فصل الركابي الشيخ في ذلك كثيراً في كتابه – إشكالية الخطاب في القراءة التاريخية لوقعة كربلاء - .

إن الشهادة أو في أن يقع الحسين شهيداً فهذا ليس من أهدافه الموضوعية ولا التخُيلية، إنما الهدف الذي ركز العمل عليه هو في تسلم السلطة بالوسائل الدستورية والشرعية، فمن خلال السلطة العادلة يمكن للشعب أن يقيم العدل وينشر السلام والأمن، وقضية العدل هي الموضوعة الأهم التي يسعى لها جميع المصلحين والثوريين في العالم، وفيها ومن خلالها يتم تنمية المجتمع وتطويره، وهي الموضوعة الأقرب في ظل واقع إجتماعي وسياسي وإقتصادي ظالم، إنها دعوة للعدل الإجتماعي، ولهذا حين نقرء تراتبية الثورة سنجد إنها كانت تلاحق ذلك، وكانت تحرص على حماية كل واحد يعيش داخل محوطة الدولة الإسلامية .

في التصحيح الأول كنا قد قلنا: إن الحسين هو الأجدر والأصلح والأقدر لتولي منصب الخليفة هذا بالنظر لما كان موجود بالفعل، فليس ثمة أحد أقدر وأجدر منه لهذه المهمة، وجدارة الحسين وقدرته ترتبط بالشرط الموضوعي في شخصيته بالإضافة إلى العامل البيئي الذي نشأ وترعرع فيه من جهة جده الرسول محمد ومن جهة أبيه الإمام علي وأخيه الحسن، وهذه الحيثية تقدمه على سوآه من أبناء المهاجرين والأنصار موضوعياً ونفسياً، ونجد هذه الحيثية ظاهرة في كلام الناس والمؤرخين والتراجمة الذين أعتنوا بكتابة ثورته من الطبري والمفيد والشيخ الطوسي وعلم الهدى وأخرين غيرهم كأبن عساكر والذهبي وأبي فرج الأصفهاني، وكلهم أدلوا بدلوهم في هذا المجال منوهين بشخصية الحسين النفسية والإجتماعية وقدرته الذاتية على كسب حب الناس والإيمان به وبما يفكر ويريد، وقد عمل الحسين وفق رغبة وإرادة الناس عبر ما هو معروف من صيغ العمل السياسي والإجتماعي في هذا المجال .

إن مقولة الإصلاح التي تبناها في هذا الباب هي موضوعياً وعملياً تعني تصحيح مؤوسسة الخلافة ومسارها وإخراجهما من هيمنة البيت الأموي الذي كان يتحكم في مصير العباد، فالحسين رجل سياسة بأمتياز ولأنه كذلك، فقد ركز جُل عمله لتولي الخلافة كشرط مسبق لعملية التغيير والإصلاح، وهنا إنما نتحدث عن رجل موضوعي واقعي يتصرف بحكم ماهو ممكن ومستطاع، ولهذا جعل إرادة الناس مُقدمة في تحقيق هذا المطلب، وفي حركته هذه يكون قد رفض كل تلك المقولات التحميلية الزائدة التي لم تعتمد ولم تأخذ بالحسبان الرأي والحق الشعبي، ذلك لأن الحاكم أو الخليفة ليس منصباً وهبياً ولا هو منصباً شخصياً، إنما هو علاقة تبادلية بين الناس وبين هذا الحاكم الذي ينتخبونه، وبناءاً على ذلك تخرج كل الأخبار التي وردت في إعتبار الخلافة أو الإمامة منصباً وهبياً أو وراثياً، كما يجب رد الأخبار التي كُتبت في لحظة الإنقباظ أعني بعد النصف الثاني من القرن السابع الهجري - أي بعد حوالي خمسمائة سنة - من إستشهاد الحسين، والتي زيفت الكثير من المعتقدات والرؤى وغذت روح الطوباوية واللاواقعية، من خلال إعتماد سلة من الأخبار الكاذبة وإلصاقها بالحسين عنوةً، كما في خبر خط الموت على ولد آدم وخبر شاء الله أن يرآني قتيلا، وأخبار كثيرة في الجملة وردت بصيغة تزعم فيها إن الحسين ذهب لكي يستشهد في كربلاء، وهذا الزعم عار عن الصحة كما وإنه يرتب لواحق فاسدة كثيرة في الإعتقاد وفي السلوك .

إن تصحيح الإعتقاد في أهداف الثورة يعني لنا، ترتيب أولويات أهمها طرح المفهوم الغيبي الذي يتلحف به نفر من الخطباء وأنصاف المثقفين، كذلك يدعونا هذا التصحيح لقراءة الثورة من وحي الواقع الموضوعي الذي تحركت فيه، وليس من وحي التطبيل والمُغالات وتزييف الحقايق والدخول في وهم الغيب، كذلك هو تصحيح للهدف من خلال رفض مفهوم الشهادة كعنصر مُحرك للحسين في ثورته، وهذا يعني رفض تقديم النتيجة على الهدف، وذلك من خلال دعم تجهيل المجتمع ومسح ذاكرته العلمية تحت بند المنصوص عليه أو هكذا ورد في الأخبار، واليقين الصحيح يقول إن ثورة الحسين وأخبارها كُتبت في القرن الثاني الهجري، أي بعد إستشهاده بقرن من الزمان ولكم أن تتخيلوا الفترة، وطبيعة التباعد الجغرافي والمكاني، وطبيعة الحكم الذي كان سائداً وغياب النزاهة، ولهذا كنا حريصين على تبني ما في كتاب - الشيخ الركابي - لأنه إنما أعتمد على كتابات أساطين المذهب الشيعي في هذا المجال، كما أعتمد على ما كتبه المؤرخين ذوي الخبرة وممن يُعتد بكلامهم

إن تصحيحنا ليس خوضاً مع الخائضين، إنما نريد منه الإصلاح ما أستطعنا إلى ذلك سبيل، تحريراً للحسين من هيمنة الجهل، والآبابية والضعف والشعاراتية، ونقص المعلومة في ظل هيمنة التدافع الظائفي البغيض، هو إذن تصحيح للعقل وللضمير وللتاريخ وللعقيدة وللسلوك، من العيش في ظل من التخدير، وعدم التدبر والوعي، ونقص ملحوظ في القراءة المتأنية الهادئة، إنه تصحيح للثورة من الزيف، ومن وهم الشهادة، ومقولات عفا عليها الدهر ...

 

راغب الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3685 المصادف: 2016-10-07 14:21:33