المثقف - قضايا

مهدي الزيني: المنبر الحسيني (4): بناء الانسان

مما لاشك فيه ان بناء الانسان كان هدف الأنبياء والمصلحين على مر التاريخ، فبدون الانسان الواعي لايمكن بناء حضارة اصيلة وذات قيمة،ولهذا الهدف جُعل الانسان خليفة في الارض ليعمرها بما يرضي الله وينال الجزاء الأوفى عنده، فأرسل الله الأنبياء والرسل ليرشدوه الى هذا السبيل ويصححوا خطواته ويقوّموا تجاربه نحو الاحسن .

وثورة الامام الحسين ع على هذا الشكل أعلنت هدفها منذ البداية ان غرضها الإصلاح لمسيرة بدأت بالانحراف ولابد من إرجاعها الى مسارها الأصيل الذي يريده الله لها، فانبرى عليه السلام لهذه المهمة، وكان أساس عمله بالاضافة الى التخطيط الناجح والخطة المدروسة هو الصحبة الواعية المؤمنة القادرة على حمل اعباء المسيرة والتضحية من اجلها وكذلك للاستمرار بها من بعده، فهؤلاء الاصحاب المنتجبون كانوا يتمتعون بمزايا وقيم ذات مضامين عالية من الإيمان بالله وبالنفس وبالمباديء الحقة وعدم الميل عنها والإصرار والتحدي والتغيير والتضحية والإيثار ونبذ التخلف والجهل ومايجره من ظلم وتعسف وحب العلم والدعوة اليه والعمل به والصبر ومراجعة الذات والاخذ بالذي هو أحسن وإشاعة قيم الحب والتسامح والإنسانية بين الناس.

ان الزخم القيمي والتراثي الأصيل والعميق الذي اتسمت به الثورة الحسينية على مر التاريخ يجعل منها واحدة من ابرز التجارب الحضارية في تاريخ الانسانية لما تحويه من أدبيات ودراسات واخلاقيات ومعارف متنوعة تبرزها كنموذج فريد من نوعه قائم بذاته غني عن باقي الثقافات والمناهج الفكرية البشرية الاخرى لانه يستمد منظومته الفكرية والعقدية والاخلاقية من معين لاينضب ومستمر ومتجدد على مدى الازمان الا وهو الفكرالقرآني الشامل ومنهج أهل البيت النبوي الشريف، فالمدرسة الحسينية المعطاءة التي خرجت اجيالا من العلماء والباحثين والمفكرين والشهداء قادرة على بناء شخصية إنسانية مسلمة مؤمنة واعية متنورة متزودة بكل مقومات النجاح والابداع في الحياة، لكن مايعوزنا اليوم هو البحث في اعماق هذا البحر الزاخر واكتشاف لآلئه والعمل بوصاياه وطريقته لإزالة كل ما طفى على سطحه من طحالب ونباتات ضارة جعلته يكاد ان يكون راكدا ثقيلا غير قادر على مواجهة الامواج العاتية التي تحيط به من كل مكان .

في اغلب المجتمعات التي تدعي ارتباطها بالإمام الحسين في عصرنا الحاضر نلاحظ غياب الروح الحسينية في الواقع الموضوعي للمجتمع، حيث يتم التركيز على الجانب التاريخي والعاطفي للمأساة واظهار الجانب الطقوسي والانفعالي للتعبير عن الارتباط بالإمام الحسين اما الجانب المنهجي من القضية فهو بخلاف ذلك في اغلب الاحيان، ان هذه الازدواجية بين السلوك والمنهج يفرغ القضية من محتواها ويجعل منها حادثة تاريخية مأساوية اكثر منها ثورة للإصلاح والتغيير نحو الأفضل مما يلقي بآثاره على الأجيال الناشئة والشابة التي ربما يصيبها الوهن وعدم الاكتراث وحتى الضياع نتيجة غياب المثال الصالح الذي تتجسد فيه مزايا الثورة الحسينية .

ان حسن استغلال وتوظيف الطاقات الشابة وإمدادها بالافكار الحيوية الخلاقة المتنورة بدل استهلاكها في الممارسات الروتينية الكلاسيكية التي تقتل روح الإبداع فيها وجعلها تجتر الأفكار والاساليب القديمة في التعامل مع متطلبات التطور في الحياة المعاصرة وإمدادها بمزايا النهضة الحسينية التي لو أدركها الشباب المسلم في الوقت الراهن ونشأ عليها لجعلت منه طاقة حضارية فاعلة وخلاقة لديه القدرة على اكتشاف ذاته والعمل الدؤوب لأجل الارتقاء في سلّم العلم والابداع، لكنها تبقى في الدرجة الاولى مسؤولية الدول والمرجعيات الدينية والمؤسسات التربوية والعلمية والثقافية بخلق المشاريع الهادفة البناءة ذات المنهج القويم للأخذ بيد الشباب الى سبل النجاح في الحياة وانقاذ المجتمع من هوة الجهل والتخلف الحضاري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3686 المصادف: 2016-10-08 07:54:20