المثقف - قضايا

عز الدين مزوز: عوالم الإنسان المختلفة

ezaldeen mzawzلقد خلق الله عدة عوالم نذكر منها: عالمي الدنيا والآخرة وما بينهما البرزخ،  وكذلك سدرة المنتهى إضافة إلى عوالم أخرى لا نعلمها، ولكل عالم من العوالم مخلوقاته وخاصياته وأبعاده يتميز بها دون غيره.

فعالم الدنيا مثلا أبعاده واضحة لأننا نعيش فيها وهي تتكون من ثلاثة أبعاد بينة ومرئية وهي الطول والعرض والارتفاع إضافة إلى بعد رابع وهمي (غير مرئي) ولكنه موجود لأنه غير مادي وهو الزمن (الوقت)، وفي عالم الدنيا نفسه توجد أبعاد موازية، كالأبعاد التي يتواجد بها الملائكة والأبعاد التي يتواجد بها الجن إلى غير ذلك،وعليه  نحن لا نستطيع التواصل مع هذه الكائنات، بينما هي تستطيع ذلك، فالملائكة مثلا خُلقت لتراقبنا وتحفظنا وتُسير بعض أمورنا، والجن ليمسنا. كما يمكننا أن نُضيف عالما آخر موازيا لعالم الدنيا وهو عالم الأحلام والرؤى الزمان والوقت يهما منعدم تماما، كما بينت دراسات سابقة أن الأحلام حتى وإن كانت تقع أحداثها في فترة زمنية طويلة قياسا بزمان اليقظة، إلا أنه في الواقع فالأحلام تحدث في فترة زمنية صغيرة جدا.

ومن بين أهم المخلوقات التي كرًمها الله  فأحسن تكريمها وخلق من أجلها هذه العوالم الإنسان، هذا الكائن الذي خُلق من طين على شكله الحالي ثم نفخ الله فيه من روحه، إذا الإنسان مخلوق من عنصرين أثنين وهما الجسد والروح وهما لا يستغنيان عن بعضهما، في هذا العالم فالجسد بلا روح هو جثة هامدة والروح بلا جسد فهي تُمثل إنسانا ميتا، فالجسد عبارة عن مادة ملموسة (الطين تتكون من ماء كعنصر أساسي وبعض المواد المعدنية ...الخ)، أما الروح فلا نعلم عنها أي شيء أن الله أخفاها لحكمة لا يعلمها إلا هو، كما قال تعالى "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً، ‏" ‏(‏سورة الإسراء‏ الآية 85‏)، فالروح أخفاها الله ولم يُظهرها للإنسان لأنه لا يستطيع وعيها وفهم ماهيتها لأنها تفوق قدرته العقلية ولأنها من الله، كما قال المولى عز وجل  حكاية عن آدم "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر 29)، فالله من الغيبيات وكذلك روحه.

و أتم الله خلق الإنسان وأكمل بناءه ليجعله وريثا في عالم الدنيا، وقبل ذلك أجرى له اختبارا بسيطا لكي يُقيم عليه الحجة ويُنزله إلى عالم هين هذا العالم لا يُساوي عند الله جناح بعوضة، رغم أن الدنيا وما تحتويه من كواكب ونجوم وأجرام ومجرات  وثقوب سوداء ومخلوقات أخرى، ورغم الأبعاد الكبيرة جدا التي تكاد تكون لا متناهية في الضخامة والكبر إلا أن الله جعل هذه الدنيا هينة، وخلق له كل أسباب العيش لأنه مُتكون من جسد وروح، فالروح لا تستطيع أن (تعيش) في هذا العالم دون جسد، فالجسد هو مجرد رداء للروح من أجل حمايتها لأن الروح وحدها لا تستطيع أن (تحي) في أبعاد هذا العالم الذي هو الدنيا وغذاء الروح هو الدين والأخلاق، بينما غذاء الجسد هو الطعام والشراب والجنس للتكاثر، وحين يموت الإنسان تنفصل روحه عن جسده، فالجسد يبقى في عالم الدنيا ويُدفن تحت التراب لان صلاحيته ومهمته المؤقتة قد انتهت، أما الروح فتذهب إلى عالم آخر يُسمى عالم البرزخ، الذي له أبعاده وخصائصه ومميزاته، الشيء الذي يمكننا أن نُميزه عن العوالم الأخرى أن هذا العالم ليس به أكل وشرب، كما أن هذا العالم الذي ستستقر به الروح لا يُوجد به زمن أي أن محور الزمن غير موجود، في انتظار قيام الساعة والانتقال إلى عالم آخر وهو عالم الآخرة.

أعود لأقول أن الزمن ينعدم في البرزخ ، وذلك حتى يكون الناس كلهم سواسية في انتظار يوم القيامة من آدم عليه السلام حتى آخر إنسان تنتهي به الدنيا، لأن الأرواح لا تحتاج إلى الزمن فهي لا تنمو ولا تتزاوج ولا تموت.

وعند انتقال الأرواح من عالم البرزخ إلى عالم الآخرة، تعود الأرواح لتتقمص أجسادها من جديد كما قال جل جلاله "يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" (المعارج 43) ولتتمكن من (العيش) في الآخرة، أي أن الأجساد تنهض من قبورها مرة أخرى وبها أرواحها استعدادا ليوم الحساب والجزاء.

أما الآخرة عالم آخر له كذلك خصوصياته وأبعاده وهو يتكون من الجنة والناروبينهما سور يُسمى بالأعراف، كما جاء في سورة الحديد حيث قال الله نعالى "يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)"،   فمكونات الجنة لا تُشبه عالمنا الحالي بتاتا، رغم أن فيها شهوة الأكل وشهوة الشرب وشهوة الجماع، لكن بطريقة تختلف عن ما كان عليه في عالم الدنيا، فالأكل والشرب في هذا العالم لا ينتج عنه قضاء الحاجة، كما أنه لا يوجد نوم ولا مرض لأن الإنسان لا يشقى ولا يتعب كما أخبرنا المولى عز وجل " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " (طـه 124) ، المهم عالم  كما وصفه الرسول الكريم صل الله عليه وسلم "مالا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، والجنة عبارة عن درجات ومستويات أعلاها الفردوس.

 وفي النار كذلك أكل وشرب، كما قال الله تعالى" مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ" (ابراهيم 16)، وقال أيضا " لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيع" (الغاشية 6)، وجهنم تنقسم كذلك إلى أقسام تُسمى بالدركات، كما جاء في الآية الكريمة قال الله تعالى في كتابه العزيز "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" (النساء 145).

 وهذا العالم أيضا المتكون من الجنة والنار ينعدم فيه  الزمن كذلك،  كما أخبرنا المولى جل جلاله بقوله "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَد" (الجن 23) وكذلك قال " وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً" (النساء 57)، فالجملة (خالدين فيها)  تدل أن الإنسان لا يموت ولا يفنى ولا ينتهي، أضف إلى ذلك  أن عُمر الإنسان في الآخرة يبقى ثابتا بين الثلاثين والخمسة وثلاثين كما  جاء في الأثر وأخبرتنا به السنة النبوية.

كانت هذه مُجرد رؤية خاصة لمختلف العوالم التي سيمر بها الإنسان خلال مراحل حياته وبعد مماته وحسابه، وهي نظرة متواضعة، وقد تكون نظرة فيها جزء بسيط جدا من النظرة الواقعية والنظرة المنطقية، ومع ذلك لا بد من إيجاد  جو جديد من الزخم  الديني لعلنا نساهم في تحريك الجو الراكد الذي تعيشه أوساطنا المُختصة بمثل هذه المجالات. 

 

الدكتور مزوز عز الدين - قسم الفيزياء

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

من الثقوب السوداء نمر من خلالها إلى عوالم أخرى.

د.عزالدين مزوز
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3687 المصادف: 2016-10-09 04:07:06