المثقف - قضايا

مهدي الزيني: المنبر الحسيني (٥): كلمة التقوى

ان عملية تغيير الواقع السيء الى واقع افضل تحتاج الى جهد جبار وعمل دؤوب من مختلف الطبقات الواعية في المجتمع،.

ومسؤولية الكلمة وطريقة القاءها وجعلها تؤثر في الناس وتشحذ هممهم وتجعلهم يدركون ما يحيط بهم من قضايا واحداث وانعكاساتها على حياتهم وكذلك ادراك الواقع الموضوعي بكل سلبياته وإيجابياته بوضعه على طاولة التشريح ومعرفة سلبياته ومكامن الخلل فيه وايجابياته ونقاط القوة لديه تقع على عاتق الصفوة المتنورة من أبناء ذلك المجتمع،

ومن هنا فأن مسؤولية المنبر الحسيني تكون مضاعفة وحساسة وذلك لارتباط الناس به ووتقديسهم له فهو مصدر ثقافتهم الدينية الاول الذي يستمدون منه افكارهم الدينية ورؤاهم في الغالب،

فأن صلح هذا المنبر وكان رائدا وناصحا ومبدئياً ولايخاف في الله لومة لائم وابتعد عن النفعية الذاتية للخطيب ووعى وأدرك متطلبات عصره وواقعه وتفاعل مع هموم مجتمعه وشخص مواطن الخلل واسباب المشاكل والفتن وكيفية علاجها كان اداة الإصلاح الذي كان ينشده الامام الحسين ع من ثورته وسار على نهجه وساهم في تغيير الواقع ونشر الوعي حينئذ يكون قد أدى دوره الذي اراده له أئمة أهل البيت ع،

اما اذا استهلك نفسه في الخطاب الديني الروتيني ولم ينفتح على الواقع وتماهى مع اصحاب الغايات والسياسات النفعية فهو حينئذ يكون قد انحرف عن الجادة التي أوجد من اجلها ! وأدى الى ما لا تحمد عقباه .

ففي قراءة موضوعية لمختلف قصص الأنبياء ع في القرآن الكريم نرى مدى تأثير الخطاب النبوي في تشخيص علل المجتمعات ومن ثم محاولة تغيير الواقع الى ماهو افضل منه ولما ينسجم مع رسالة السماء التي بعث لتبليغها،

وعند ملاحظة تاريخ الامم والحضارات في العصر الحديث نرى مدى تأثير الخطاب الواعي في الثورة الفرنسية او الانقلاب الفكري الأوربي على الكنيسة وبزوغ شمس الحضارة الأوربية وما لحقها من تطورات الثورة الصناعية ثم التكنولوجية ثم المعلوماتية،

او بالتمعن في تاريخ امّم أمريكا اللاتينية ككوبا وفنزويلا وكيفية مقارعتها للدول العظمى المستكبرة وصمودها أمامها او بالنظر الى ارهاصات الثورة الإيرانية واثر الخطباء والمنبر في توجيه المجتمع نحو الثورة والتحذير من دسائس الأعداء ومؤامراتهم نلاحظ أثر الخطاب الاصلاحي الواقعي في حياة الامم والشعوب والحضارات .

فالثورة على الواقع الفاسد والتغيير الى ماهو افضل لايأتي من فراغ بل يحتاج الى كلمة تقوى واعية حرة مؤثرة لاتخاف في الله لومة لائم ومستعدة للتضحية لأجل انارة الطريق للاجيال القادمة .

ان مسؤولية الخطاب الديني بشكل عام والمنبر الحسيني بشكل خاص لابد أن ترتقي الى مستوى الصراعات والتحديات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية والعربية في مختلف القضايا السياسية والفكرية والطائفية والمذهبيه والعنصرية في الوقت الحاضر حيث يقوم الاعلام المعادي ووسائله المختلفة بتغذية هذه الصراعات بشتى الوسائل وابتكار طرق جديده في تزييف الحقائق ونبش الماضي وفتنه وشبهاته وابرازها الى السطح وتسويقها وجعلها ادوات طيّعة وسهلة في التحريض ضد الاخر واضعافه ثم القضاء عليه .

فلابد لمن يرتقي المنبر أن يتحلى بمستوى عال من الوعي والادراك لمختلف القضايا التي تهم المجتمع وتشكل تحدياً له ولوجوده ومحاولة طرح هذه الامور وشرحها للناس والكشف عن الاساليب والاتجاهات المخالفة وتمييز العقائد الضالة وفضح مواطن الفساد وتبعاته والعمل على توعية الناس بالحسنى والابتعاد عن الاستغراق في الحوادث التاريخية الدينية او التركيز على الجانب الرثائي والعاطفي او تضييع الوقت بذكر الكرامات والاحلام والحوادث الثانويه،

فمما لاشك فيه اننا نعيش في عالم اخذ الصراع فيه يشتد اواره واغلب هذه الصراعات تدور رحاها في بلداننا فالمسلمون هم وقودها والاخر هو المحرك لها ويتحكم بها ويديرها حيث يشاء وذلك لاسباب يطول شرحها ولكن يبقى اساسها الاول الجهل والتخلف والامية المتفشية بقوة في جميع البلدان الاسلامية، والامية المتفشية ليست في القراءة والكتابة فحسب وانما في التفكير والتحليل المنطقي والبحث عن الحقيقة والعمل بها فهي امية وعي بالدرجة الاولى وهذه الامية تستشري بين مختلف الطبقات المتعلمة، فدعوة هؤلاء الى القراءة والتفكر ربما تكون اصعب من تعليم الامي القراءة والكتابة!

فلابد للمنبر من تحفيز همم هذه الطبقة ودعمها للنهوض بنفسها اولا ثم بمجتمعاتها .فأن الطبقة المتعلمة هي القلب النابض في الأمة،فإذا ماتمّ حرف هذا القلب عن هدفه ودوره واشغاله بإمور ثانوية فسيبقى المجتمع يجترّ الافكار البالية والقيم المتحجرة التي عفى عليها الزمن وانطفأت جذوة التغيير والتطوير واصاب هذه الأمة الشيخوخة والهرم ثم التآكل.

فسنة التغيير الالهية تحتاج الى وقود ومحرك، ووقودها ومحركها هو الشباب الاخذ بناصية العلم المشحون بالقيم النبيلة وفيه القابليات الكامنة للتغيير والتمرد على كل قديم بال.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3688 المصادف: 2016-10-10 05:25:29