المثقف - قضايا

سليم الحسني: هنا لا تقليد للمراجع

salim alhasaniلم يوضح الكثير من علماء الدين، المفاهيم الأساسية في الفكر الشيعي، فظلت قطاعات واسعة، لا تعرف بطلان تقليد المراجع (وغير المراجع) في العقائد وفي ضروريات الاحكام (مثل وجوب الصلاة والصوم والحج وما شابه)، وانحصار التقليد او وجوبه في فروع الاحكام فقط (مثل أحكام الصلاة والغسل والصوم والحج والزكاة وشروط الجهاد وغيرها)، وليس وراء ذلك تقليد. فالاحكام الضرورية والعقيدة والمفاهيم والمعارف الاسلامية أمور خارج نطاق التقليد، وتعتمد على المسلم في تتبعها والتحقق منها والإيمان بها.

ولم يوضح الكثير من العلماء أن ما جرى البحث في صحته من الروايات والأحاديث هو المتعلق بأبواب الفقه فقط، أما غير ذلك فقد اخرجوه من نطاق الدراسة والتمحيص، فظل الكثير منه وهو الضعيف والمكذوب متداولاً في الكتب وعلى ألسنة المتحدثين. وبذلك راحت عقائد الكثير من الناس تتشكل على هذا الأساس، وصارت نظرتهم للتشيع قائمة على كل ما يجدونه في كتاب شهير لمؤلف كبير.

وظل جمهور واسع من بسطاء الشيعة، يعتقد أن كل دعاء وزيارة وحديث ورواية وحادثة تاريخية، هي أمر مسلّم به، لأنه مدون في الكتب، ولأن معظم الخطباء يتحدثون به من على المنابر.

ومن حق هذا الجمهور أن يُصدق بما يسمع من كلام ومحاضرات وفضائيات، فالمتحدث رجل معمم، وعليه فهو عالم دين قد درس وتعلم حتى وصل الى هذه المنزلة التي مكنته من الخطابة والحديث، ثم أن هذا المعمم يذكر اسماء كتب مشهورة مثل بحار الأنوار ومرآة العقول والمحجة البيضاء وغيرها، وهي كتب لها هيبتها ومكانتها في نفوس عامة الناس.

كان من نتيجة عدم توضيح العلماء هذه الحقيقة للجمهور بشكل واضح وبيّن ومؤكد، أن تراجع فكر التشيع في الساحة وخصوصاً في العراق الذي يعاني من مشاكل الأمية والتجهيل وفساد السياسيين. فمعظم الناس يعلمون أنهم شيعة، ويتمسكون بهذا الانتماء، لكنهم يتصورونه ينحصر بأيام عاشوراء وحب أهل البيت والولاء لهم والايمان بعصمتهم، ضمن عناوين عامة جاءتهم من الموروث الاجتماعي، وليس من تعليم وتربية دينية تُشرف عليها المؤسسة الدينية.

لم يكشف العلماء لعموم الشيعة وبلسان واضح ولغة مباشرة علنية، أن الفقهاء تسامحوا في أدلة السنن، والمقصود بذلك الأعمال المستحبة مثل بعض الصلوات والأدعية والزيارات والأذكار، وأنهم لم يقفوا عند رواياتها بالدراسة والتحقيق بمثل ما يفعلونه من إلتزام صارم في روايات الأبواب الفقهية بالرجوع الى علم الرجال ودراية الحديث، ومناقشة السند والمتن.

وكان من نتيجة هذا التسامح أن دخلت بعض الأدعية من المذاهب الأخرى الى كتب الشيعة، ومثال ذلك أن ابن طاووس (ت: 664 هـ) اعتمد في كتاب دعائه (المجتنى) على رواية نقلها من تاريخ ابن الاثير والتي كان قد نقلها عن تاريخ الطبري، والرواية هي لسيف بن عمر المشهور بالزندقة ووضع الحديث.

يقول العلامة مرتضى العسكري في هذا المجال: (انّ العلماء لم يجروا أي دراسة حوزوية على أحاديث السيرة، سواء سيرة الانبياء السابقين، أو خاتم الانبياء وصحابته، أو الائمة وأصحابهم، وروايات التاريخ الاسلامي العام، ولا على أحاديث تفسير القرآن الكريم والادعية والاخلاق، وكذلك أغلب أحاديث الاعمال المستحبّة، وتجدهم يعوّلون في هذه المباحث على روايات ورواة لا يعوّلون عليها ولا عليهم في المباحث الفقهية، بل يطرحونها ويسقطونها من الاعتبار. ولو سألت أحدهم: هل صحّ عندك جميع ما ذكرت في هذا البحث غير الفقهي من حديث؟ لاجابك بالنفي وقال: انه ليس من مباحث الاحكام الشرعيّة وانّما هو من أبواب المعارف الاسلاميّة، والامر فيه هيّن.

ومن ثمّ يخرجون في مباحث التفسير والسيرة والادعية والاخلاق والاعمال المستحبة روايات عن رواة لا يروون عنهم في أبواب الفقه، وقد أكثروا في هذه المباحث من ذكر روايات مدرسة الخلفاء ممّا تخالف الواقع). انتهى.

ويضرب العسكري امثلة على دخول روايات مكذوبة من كتب المذاهب الأخرى الى كتب شهيرة مثل بحار الأنوار وجامع السعادات ومعراج السعادة وغيرها.

 ...

إن مهمة علماء الدين أن يوضحوا هذه الحقيقة للجمهور، لكي يضعوه على الطريق الصحيح في فهم التشيع، فلا يكون أذناً سماعة تلتقط ما يصلها فيستقر في عقله، ومن ثم يتحول هذا الخزين الى عقيدة يصعب بعد ذلك معالجة انحرافاتها عن أصل التشيع وحقيقته.

والأمل ينعقد على الواعين والمخلصين من العلماء والخطباء، فهذه مهمتهم، في مواجهة اتجاه آخر يعتاش على الخرافة، ويتكتم على الحقائق، لكيلا يفتح الشيعي عينيه، ويُعمل عقله في التقصي والاستقصاء والتفكير والمقارنة بين المعقول واللا معقول، وبذلك يخسرون امتيازاتهم القائمة على بساطة البسطاء.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

يلا
إتشجّع انتة و وضّح هذه الامور للشيعة حتى على الاقل تكسب بيهم ثواب
مو بس تنقد..... وسال سيفك وخنجرك وتتفرّس وتضرب وكأنّك جهبذ القوم وفطحلهم
وهذا الميدان ياحميدان !!!!!

برعي
This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم .....حاليا أعد دراسة بسيطه عن مفهوم التقتيه الصناعيه الحديثه والتي اختصرت كلف المواد الاوليه وسرعت في نقل المعلومات في المكائن الانتاجيه الحديثه والتي تعتمد على مفهوم الدوائر المغلقه،هذا وانا اعيش في العراق البلد المتخلف والذي نخرته الطائفيه وبددت امواله الرشوة والفساد وتكالب عليه ادعياء التصوف والتدين المزيف وتعادى ابناءه بسب العشائريه والتي تفرض احكامها البدائيه حتى على سلطة القانون ،نعم اعد هذه الدراسه البسبطه ورغم قلة المصادر وما دفعتي لذلك رغبة مني في نشر الوعي العلمي بين من اعمل معهم وحثهم على التعلم المستمر خدمة للعراق والذي ربما يتعافي لو انصرف الشباب المتعلم الى الاستزادة من العلم والتبحر فيه.ما يثير استغرابي هو انك دكتور في الهندسه وتعيش في دولة متقدمة في جميع النواحي وﻻ تكلف نفسك في ارشاد الشباب وحثهم الى التعلم والاستزادة منه عبر تحربتك الطويله والعلميه في هذا المجال .تنشر خطابات ﻻتخدم واقع العراق المرير بل لربما تزيده بلوى على بلواه .اتمنى ان تعرف واقع العراق وحال الشباب فيه وكيف سيكون مستقبله.فأذا كنت تريد مصلحة العراق وتحجز لك مكانا في الجنه عليك ان تساهم مساهمة فعليه وليست خطابيه في توفير السبل العمليه ﻷنقاذ شباب العراق مما سيلحقونه بوطنهم واقع العراق اليوم مزري وشبابه منحل ومتخلف يعرف اصول الفصل العشائري لكنه يجهل موقع وطنه من الخارطه النزاعات العشائريه جعلت من شبابه يسارعون الى عقد رايه العباس وهز اعلام العشيره قبل ان يسارعوا الى المواظبة على الانتظام في مدارسهم ...

المهندس اياد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3712 المصادف: 2016-11-03 02:12:06