المثقف - قضايا

يسري عبد الغني: آثارنا ضحية إهمالنا

yousri abdulganiمن العلوم التي يجب أن يعرفها الباحث التاريخي علم الآثار، وهو العلم الذي يدرس الآثار القائمة التي نعرفها، والآثار التي تستحدث عن طريق الكشوف الأثرية، دراسة وصفية تحليلية محاولاً تحليل مكوناتها وعناصرها ونسبتها إلى عصورها التاريخية المختلفة، وإلى الذين أسهموا في تشييدها، والاستفادة من ذلك في الوقوف على تاريخ الشعوب التي خلفتها ومظاهر حضاراتها و لغاتها وآدابها وعاداتها وفنونها والمستويات الثقافية والحضارية والاجتماعية التي عاصرتها، مع الاهتمام بالدراسة التحليلية المقارنة بين مجاميع الآثار التي ترجع إلى عصر واحد في شعب معين أو في مجموعة من الشعوب، وتستخدم هذه الدراسة كذلك في تصحيح الكثير من الحقائق التاريخية .

ويستخدم علماء الآثار في دراستهم مناهج بحث متعددة مستعينين بنتائج الدراسة في طائفة من العلوم التي ترتبط إن قليلا أو كثيرًا وبوشائج القربى بعلم الآثار، مثل : علم التاريخ، وعلم الأنثروبولوجيا، وعلم  الإثنولوجيا، وعلم الجغرافيا، وعلم اللغات المقارن (الفيلولوجيا) وما إليها، ويستعينون أيضًا حديثًا بالدراسات الإشعاعية والالكترونية في قياس علم الآثار وكشف طبيعة عناصرها ومكوناتها .

ويزيد الاهتمام بعلم الآثار في البلاد ذات المدنيات العريقة والتاريخ الذي يصعد إلى فجر الحياة الاجتماعية حيث تعتبر الآثار والكشوف الأثرية جزء مكملاً لتاريخها ومقياسًا لمستوياتها الثقافية والحضارية والاجتماعية كما هو الشأن مثلاً في مصر والعراق وبلاد الشام واليمن والصين .

ونحن نعلم مبلغ اهتمامنا في مصر والوطن العربي بدراسة آثارنا في مختلف العصور : الآثار الفرعونية، والآثار اليونانية، والآثار الرومانية، والآثار القبطية، والآثار الإسلامية، ومبلغ ما ينفق في القيام بالحفريات والكشوف الأثرية للحصول على المزيد منها .

ويبدو هذا الاهتمام في إنشاء كليات ومعاهد وأقسام في الجامعات العربية  متخصصة في دراسة الآثار في مختلف العصور التاريخية، ونحب أن نؤكد كما يعرف القاصي والداني أن لدينا رصيد علمي ضخم من المؤلفات العلمية القيمة التي تتناول مادة علم الآثار، بالإضافة إلى المتاحف الأثرية الغنية بمادتها .

وعلم الآثار يقل الاهتمام به في البلدان ذات المدنيات والحضارات الحديثة أو المستحدثة والتي لا يرجع تاريخها إلى أجيال بعيدة، وعلماء الآثار في مثل هذه البلاد يتخذون آثار البلاد القديمة مادة لدراساتهم وبحوثهم، ويسهمون بفكرهم وعلمهم في الكشوف الأثرية بها، ولذلك لا تعتبر دراسة الآثار في مثل هذه البلاد علمًا مستقلاً قائمًا بذاته، رغم حرص هذه البلاد على إنشاء المعاهد والمراكز التي تعنى بعلم الآثار في البلاد ذات الحضارات القديمة .

فعلم الآثار في البلاد الحديثة أو المستحدثة فرع من الدراسات الإنسانية العامة، وعلى سبيل المثال ففي الولايات المتحدة الأمريكية تلحق دراسة الآثار بعلم الأنثروبولوجيا العام وبعض المباحث الأثرية يلحق بعلم الأنثروبولوجيا الفيزيقية أو الطبيعية، وبعضها يلحق بعلم الأنثروبولوجيا الاجتماعية أو الثقافية، وبعضها يدخل في نطاق الدراسات الإثنوجرافية والفيلولوجية والتاريخية .

وبعض الباحثين لا يقررون حدًا فاصلاً بين التاريخ والآثار لأن الخطوط النظرية التي تفصلهما غير واضحة المعالم وغير دقيقة، ولكن يمكن القول بأن الحوليات التاريخية المدونة كتابيًا في حوليات ووثائق هي مادة التاريخ، ولكن المدونة على بقايا مادية ومجسمة كبقايا الأطلال ودور العبادة وما إليها هي مادة علم الآثار الذي يجب أن يتعرف عليه جيدًا كل مثقف بوجه عام، وأهل الدراسات التاريخية بوجه خاص .

وخلال هذه السطور ندعو إلى ضرورة المحافظة على آثارنا، ونقف بالمرصاد ضد عرضها في الخارج خوفًا عليها من التلف أو الضياع أو التبديد أو التقليد أو التزوير، فالآثار هي تاريخ الأمة وهويتها وذاتيتها، ومهما كان المقابل المادي الذي نجنيه من هذا العرض فهو لا يساوي ضياع قطعة أثرية واحدة أو تلفها أو تزويرها، فعلى كل المسئولين عن آثارنا أن يتقوا الله في هذه الثروة الثمينة التي هي ملكنا وملك الأجيال المقبلة .

كما نطالب أهل الحل والعقد بالسعي لدى جميع دول العالم التي وصل إليها وإلى متاحفها قطع آثارنا القيمة بطرق شرعية وغير شرعية (وهي الطرق الغالبة)، السعي لديها من أجل إعادتها على الفور فتعود إلى مكانها الطبيعي في أرض الأجداد الذين أبدعوها.

كما ندعو إلى ضرورة تحكيم المنهج العلمي السليم قبل الإعلان عن كشوف أثرية، فعلم الآثار كأي علم من العلوم له أسسه وأصوله وقواعده، وغني عن البيان أن البريق الإعلامي الزائف لا يصنع المنهج العلمي السليم، ولسان الحال يقول على مدمني الشهرة والظهور على شاشات الفضائيات أن يكفوا عن هوسهم هذا، فينصرفوا إلى العمل الجاد الممنهج، حتى لا تحاسبنا الأجيال القادمة التي سوف تكشف أكاذيبنا ومزاعمنا، وحتى نتمكن من الحفاظ على ثرواتنا الأثرية بجميع أنواعها.

ولعلنا نذكر أن نظام جماعة طالبان الإسلامية المتشددة المخلوع في أفغانستان، قام في شهر مارس 2001 م باستخدام أصابع الديناميت لتدمير تمثالين لبوذا في منطقة باميان الجبلية، ويعود تاريخهما إلى القرن الخامس عشر الميلادي، بحجة أنهما صنمان ووجودهما ينافي الإسلام !! (المعروف أن هناك حوالي 325 مليون شخص حول العالم يؤمنون بالبوذية) .

وقد صعق العالم كله على خسارة هذا الصرح الإنساني المميز، والمعروف أن هذين التمثالين الضخمين كانا يقعان على طريق الحرير الذي ربط في فترة تاريخية بين أوربا ووسط أسيا .

وتقديرًا لهذا التراث الإنساني المفقود بفعل التعصب والانغلاق               والتشدد، قام الفنان العالمي / هيرو ياما جاتا بإحياء ذكرى التمثالين عبر تقنية لليزر سوف تضيء الوادي الأفغاني الذي يبعد عن العاصمة الأفغانية كابل بحوالي 80 ميلاً، بعد أن حصل على دعم مادي من شركة مرسيدس بينز العالمية .

ونذكر أيضًا مدينة آشور الأثرية العراقية التي كانت مهددة بالهدم بسبب مشروع بناء سد في عهد الرئيس العراقي الراحل / صدام حسين، وهذه المدينة تقع على ضفاف نهر دجلة شمالي العراق، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كانت عاصمة الدولة الآشورية .

وقد بدأت اليونسكو في العمل على إعادة تأهيل هذه المدينة والحفاظ على آثارها النادرة بعد أن وضعتها ضمن قائمة المحميات الأثرية الأولى بالرعاية، كما أضافت اليونسكو وادي باميان في أفغانستان ضمن هذه المحميات .

ويجدر بالذكر أيضًا أن عدد القطع الأثرية التي سرقت من المتحف الوطني العراقي إبان الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق بلغ أكثر من 170 ألف قطعة وفقًا لتقارير أصدرها خبراء في الآثار موثوق بهم، رغم ادعاء القوات الأمريكية أن الذي سرق لم يتجاوز 3 آلاف قطعة جاري البحث عنها !!، وبالطبع لم ولن تعود هذه القطع .

ونعرف جميعًا آثار مدينة نمرود العراقية التي قيل إنها وجدت في قبو أسفل البنك المركزي بالعراق، حيث اكتشفتها القوات الأمريكية الغازية للعراق أثناء تنشيطها لهذا البنك، وهذه الآثار تعود إلى 900 سنة قبل

الميلاد، وقد تم اكتشافها من قبل علماء الآثار العراقيين في بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين في مدينة نمرود الآشورية التي دمرت تمامًا في عام 612 قبل الميلاد .

وهذه الآثار المهمة أعلن عن فقدها بعد شهرين فقط من بداية الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2003 م في العراق .

وتتكون هذه الثروة الأثرية الطائلة من العديد من الأقراط والخواتم والسلاسل والأطباق والقوارير .

وقد صرح بعض المسئولين في الجيش الأمريكي أن هذه الآثار سليمة وبحالة جيدة، رغم وجودها فترة غير قصيرة في مياه الصرف الصحي !!

وختامًا فقد ذكرنا لك ما سبق حتى نتأمله جيدًا، ولعل التأمل يعطينا العظة والعبرة كي نعمل جادين من أجل الحفاظ على آثارنا المتبقية بين أيدينا . 

 

بقلم: د . يسري عبد الغني عبد الله

باحث وخبير في التراث الثقافي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3716 المصادف: 2016-11-07 03:13:33