المثقف - قضايا

بسّام البزّاز: كلام في البحث الأكاديمي والمنظومات عموما

سنحت لي هذه الأيام مناسبتان للحديث عن أمورٍ تتصل بالبحث الأكاديمي في معناه الضيق و العريض.

سألتُ محاورتي عمّا تفهمه هي وعمّا نفهمه نحن من البحث الأكاديمي سواء أكان في صورة بحث موجز أم رسالة علمية أم أطروحة.

لم أكنْ أنتظر جوابا منها ولا من أحد، فالجواب معروف نجده في هذه الأكداس من البحوث التي تصدر يوميا بالمئات والآلاف طلبا لترقية علمية أو لارتقاء في منصب أو لوضع نقطة النهاية على مرحلة من مراحل الدراسة.

لن يجانبني الصوابُ ولن أجانبه إذ أزعم أنّ نسبة عالية جدا جدا جدا من هذه البحوث إجرائية تقليدية لا تروي ظمأ ولا تسدّ رمقا إلا بقدر ما تبلغ بنا ما نبتغيه منها لا ما تبتغيه هي منّا.

أكداس من الأوراق المسوّدة المزخرفة المنمّقة المرقّمة بدقّة المخططة بإتقان، بين دفتي غلاف فاخر المادة فاخر الخط فاخر الألوان.

البحث، قلتُ لمحاورتي، هو مقدارُ ما فيه من تطبيق، وكميّةُ ما فيه من ريع عملي، وقدرُ ما فيه من مردودية وفائدة تشمل اللاحقين ومسيرة البحث ومنهجه وتقدمنا في هذا المضمار أو ذاك.

ليس البحث إسقاطا للفرض ولا إجراءً إداريا ولا معاملة.

المسألة، كما هو شأن كل المسائل المترسخة في منظوماتنا كلّها، في حاجة إلى وقفة وإعادة تصوّر وهيكلة ومنظور وإعادة رسم لخارطة الطريق الذي تحكم تلك المنظومات جميعا.

نحن بحاجة إلى تحطيم الهياكل والعقلية التي تحكمها.

نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة وإعادة تأطير وإعادة النظر في الفلسفة التي تحكم المنظومات، لأنّ أفعالنا كلّها، ومنها البحث العلمي، عادت نسخا لقوالب قديمة وقرعا على طبول جوفاء وعزفا لأسطوانة عفا عليها الدهر واختفى صوت مؤديها من كثرة ما دارت ولفّت.

أمّا محاوري فقد شكا لي قلّة ذات الأفكار الصالحة للبحث، فقد نفدت العناوين واستُهلكت الموضوعات، وبات وضعنا كما وصف المعري قبورنا " ربّ لحد بات لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد ".

باحث فوق باحث. وجثّة على جثّة. وعنوان على عنوان. ما من تنسيق ولا سياسة بحثيّة ولا رقابة، بل ارتجال وعجلة وصفقات.

طلبة ضائعون يستنجدون بأساتذة مستهلكين أو متقوقعين أو متشرنقين داخل منظومتهم التي ورثوها صاغرا عن كابر.

لا أنفي أنّ الموضوعات والحالُ هذه تصبح قليلة ومحدودة، ومجال المناورة ضيقا خانقا. فما كان قبل خمسين سنة أو ثلاثين مبذولا معروضا يدعو الدارسين والباحثين إلى إفناء وقتهم وقتل نفوسهم بحثا وتنقيبا ونشرا وتحقيقا وتطبيقا ودراسة، عاد الآن كالبئر الذي جفّ ماؤه أو كالأرض التي تعبت من كثرة ما استثمرت وزرعت.

فهل معنى هذا التوقف؟

كلا بالطبع.

لم يتوقّف رياضيو العالم وفنانوه وعلماؤه وإداريوه من قبل ولن يتوقفوا عن ابتكار الجديد من التقنيات التي تطوّر الهيكلية والأساليب وصولا إلى أفضل النتائج.

ولم يتوقف باحثوه عن البحث في ذات مصادرهم وحقول معرفتهم.

كلّ ما فعلوه هو أنّهم طوّروا مناهج البحث وأوجدوا مسارات جديدة فيه وتطبيقات مبتكرة لخوضه. فما عادوا يشكون الضيق الذي نشكوه والفعل الذي نأتيه والأساليب العقيمة التي لا ننشد منها غير تقديم بحث، أيّ بحث، والانتهاء من هذه " الورطة " بأعلى مردود مادي ومعنوي وإن كان على حساب الروح العلمية ومواصفات البحث الرصين.

قلتُ لمحاوري: مواضيع البحث وأدواته هي ذاتها. هي كقطع الشطرنج أو ألعاب التركيب أو حروف اللغة. القطع في حد ذاتها محدودة، وكذلك الحروف و المواضيع. ما هو مطلق غير محدود هو قدرة كلّ منّا على تشكيل تلك المفردات وتوليف أجزائها ومعالجة موضوعاتها ورؤيتها من منظور مختلف وطرحها.

ما الذي يجعل من هذا المهندس أو تلك الرسامة أو ذاك المؤدي أو هذا الفريق متميزا بارزا؟

إنّه حظّهم من جرعة الخيال والذوق والإحساس بالجمال و الإبداع.

أمّا الآخرون فهم مهندسون وحسب أو رسامون أو معلمون أو سياسيون أو ما شئت.

هنا يكمن الحل. وهنا نجد العلاج لكلّ منظوماتنا ومن بينها التربوية والبحثية.

لا بدّ من وقفة لوضع نقطة البداية والمسار كاملا بمحطاته وتحديد نقطة الوصول والسؤال عن المرفأ إن كان عامرا مزدهرا أم أجرد مقفرا. 

 

د. بسّام البزّاز

   

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3717 المصادف: 2016-11-08 00:29:44