المثقف - قضايا

صائب خليل: إذا عبست الحياة كن صديقك!

saieb khalilربما يستغرب المرء إن دعوته أن "يكون صديقَ نفسه"، فهل يحتاج الإنسان – المتهم أصلاً بالأنانية، من يدعوه لذلك؟

من خلال أحاديث عديدة مع بعض أصدقائي وصديقاتي اكتشفت ان هناك ظاهرة قد تبدو غريبة بعض الشيء، ودعوني اسميها "التآمر على الذات". ولكي أكون صادقاً معكم، اعترف انني اكتشفت هذه الظاهرة عندي وعانيت منها، قبل ان اكتشفها لدى الأصدقاء. فما هي بالضبط وكيف تؤذينا؟

كثيرا ما نلاحظ أننا حين تعبس الدنيا لنا، وتصيبنا بالضرر والاكتئاب فإننا نهمل أنفسنا وصحتنا، ونتساهل في قبول او ممارسة ما يسبب الأذى لها ونتهاون في مصالحنا وحقوقنا، وتنخفض رغبتنا في الدفاع عنها. يزداد استعدادنا لتقديم التنازلات ونتعامل مع حقوقنا كما لو انها كانت اقل أهمية من حقوق غيرنا. ونتجه إلى حل أية مشكلة، على حساب مصالحنا وحساب راحتنا.

أي اننا عندما تخذلنا الظروف فإننا، ورغم غرابة الأمر، نقف مع تلك الظروف ونتآمر معها على أنفسنا ونساعدها في تحطيمنا، من دون ان نشعر بذلك! قبل بضعة سنوات وحين كنت ألقي بنفسي في معمعة المتابعة والكتابة عن أحوال العراق والعالم، ليل نهار، وبدا المستقبل ضبابيا ومقلقا في كل مكان، اكتشفت أني لم أكن اخرج من شقتي الصغيرة إلا مرة كل أسبوع تقريبا، وللتسوق فقط! وكنت إضافة إلى ذلك اسهر كل يوم إلى ما بعد الثالثة صباحاً وبشكل يومي. وبالطبع أثَر هذا سلبا على صحتي ونفسي. ولأني كنت اتابع في قراءاتي ما فعلته الرأسمالية بالإنسان وكيف انها اتلفت صحته وروحه، خاصة في بداياتها، واشعر بالغضب والقلق على المستقبل، فقد خطر ببالي في أحد الأيام أن اسأل نفسي: "لو ان أحداً اجبرني على ان اعمل عملا يحرمني نور الشمس لمدة أسبوع، ألم أكن سأقلب الدنيا على وحشية الرأسمالي القاسي الجشع الذي لا يحس بما يفعله بي؟ فكيف لا استنكر نفس الفعل عندما افعله أنا بنفسي؟"

كان سؤالا صادماً يضع المرء أمام الحقيقة! فلم يكن هناك شيء خارجي يجبرني على هذه القسوة على نفسي، ولم تكن "تضحية" مني لخدمة قضية أؤمن بها. فالمشي في الشمس ساعة لن يقلل خدمتي لما أؤمن به، بل ربما سيزيدها كفاءة. فما السبب إذن؟ هل اعاقب نفسي على شيء ما؟ لا.. لماذا هذا التصرف الغريب إذن ولماذا تزداد قسوتي على نفسي عندما تقسو الظروف عليّ؟ لم أجد سبباً مقنعاً فتساءلت: لو فرضنا ان صديقا لي قد فعل بنفسه مثل ما افعل، ألم أكن سأغضب منه واغرقه بالنصائح؟ فلماذا لا اعامل نفسي كما اعامل الصديق؟

في النهاية وجدت تفسير هذا الأمر في علاقتنا كأفراد بالمجتمع وتقييمه لنا واختلاط الأمر عليه وعلينا، لكننا لن ندخل الآن في هذا الموضوع وتفسيراته. ما يهمني هنا، هو إثارة الوعي بهذه العلاقة السلبية الغريبة بين الإنسان وبين ذاته في حالة الأزمات الطويلة والإحباط، وتعديلها. فتصرفاتنا تبدو وكأننا نساعد الظروف على تحطيمنا بأسرع مما تحطمنا الظروف لوحدها.

وجدت أن فكرة النظر إلى الذات كـ "صديق" فكرة رائعة تعطينا توازناً عظيماً للتعامل مع النفس، لأسباب عديدة.

فقبل كل شيء، الصديق “شخص آخر”، ليس لدينا الحق ان نبخسه حقه بالحدة التي نشعر بحقنا في استعمالها مع أنفسنا. وهذا سوف يحمينا من قسوة أنفسنا علينا عندما تقسو علينا الظروف.

من ناحية أخرى فإننا لا نحب الصديق إلى درجة تحرف تقييمنا الموضوعي للأشياء انحرافا شديداً يمكن أن يتسبب بـ "دلال" زائد للنفس يفسدها، كما قد يدلل المرء نفسه أو طفله في حالات معينة.

أي ان معاملة النفس كصديق تحمينا من الشطط بالاتجاهين، وتقدم لنا راعياً موضوعيا محباً ومستقراً إلى حد بعيد. فالسؤال: "لو كان صديقي، هل كنت سأعامل مصالحه بهذه الطريقة"؟ أو "لو أن صديقي تصرف بهذا الشكل هل سأجد ذلك مقبولاً؟ هكذا يمكننا فحص موقفنا بأمانة أكبر، وباطمئنان أكبر. ويصبح أكثر سهولة مثلا، ان يحدد المرء لنفسه مثلا متى يجب ان يضحي وأين يجب ان يقف ويهتم بمصلحته.

وفكرة "الصديق" تسهل عليك ايضاً التعامل مع الفشل، وبطريقة أكثر عملية من الحيرة والغضب من النفس التي اعتدنا عليها في كل مرة نفشل فيها بتنفيذ ما كنا قد قررنا ان نفعله. فلو أنك كنت قد قررت مثلاً ان تمتنع عن الأكل بين الوجبات أو أن تسير كل يوم للرياضة، أو تترك التدخين، وفشلت في الالتزام مرات متكررة، فسيصيبك الإحباط والحيرة والغضب الشديد من نفسك، لكنك لن تعرف ما يجب أن تفعل. لكن لو كان المقابل صديقاً، فستسأله ببساطة عن السبب، وتحاول ان تكتشف ما يعيقه وتساعده إن استطعت، او ان تسامحه وربما تقترح عليه تخفيض خطته الطموحة. تلك "المسافة بينك وبين صديقك" ستجبرك أن تتصرف بشكل منطقي أكثر، وتتيح لك فرصة أكبر لمحاولات جديدة لتحقيق تقدم في تعهداتك على نفسك.

لقد استعملت هذا المبدأ منذ مدة طويلة، وساعدني كثيراً وحماني من بعض قسوة الإحباطات على نفسي. ثم اكتشفت ان الكثير من أصدقائي (وصديقاتي) يعانون من ذات المشكلة: القسوة على النفس في الظروف الصعبة والتآمر مع الظروف عليها.

وفي هذه اللحظة التي يمر بها العالم والإنسانية، والتي لا تبشر بظروف سهلة أو عادلة، خاصة لأي إنسان يريد ان يعيش بشرف، ولا يستسهل التخلي عن مبادئه ولا عن حبه للبشرية والحياة، دعونا لا ننسى أنفسنا، وأن نتعهد على الأقل ألا نتآمر مع الظروف عليها، وان نكون أصدقاء لها.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

المقالة جميلة، و تبدو لي بشكل اعترافات ذاتية و ليس نصائح، و اصدقك القول انها بعيدة عن فوبيا لسرائيل و امريكا و الأكراد، لا اعلم لماذا تجد بصماتهم في كل شرور الدويا، لا بد من وجود قطاع او شريحة من الاعداء حتى داخل الأسرة، اصلا فرويد يرى ان الانسان مريض بطبعه و يحب الموت و يعبر عن هذه العاطفة بتوجيه سلاحه الى الاخرين كوسيلة للفاع عن الذات، و لو وجه سلاحه الى نفسه سيكون مصابا بالمازوشية، و حب تعذيب الذات، برايي يوجد ابيض و اسود في كل شيء، و لكن اتفهم انك تتكلم عن الاتجاه العام لكتل ذات اثر في الواقع المحلي و الدولي، شكرا،

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

انت لا تعلم يا صديقي لماذا اجد بصماتهم في كل شرور الدنيا، وأنا لا افهم كيف يمكن لأي عين ان تغفل الأدلة التي تعرض نفسها بكل عناد وبلا جدوى، بالنسبة للبعض..

صائب خليل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3725 المصادف: 2016-11-15 23:05:16