المثقف - قضايا

نبيل جعفر عبد الرضا: الرابحون والخاسرون من انخفاض أسعار النفط العالمية

تتميز أسعار النفط بخاصية عدم الاستقرار، فهي في تقلب مستمر تارة باتجاه الارتفاع وتارة اخرى باتجاه الانخفاض، فأسعار النفط هي الاكثر تغيرا وتحركا بين عوامل ومتغيرات اساسية كثيرة لها تأثير سلبي على مسار الاقتصاد العالمي. ان التقلبات الشديدة في أسعار النفط لها آثار شديدة على كامل مستوى النشاط الاقتصادي في اقتصادات الدول النفطية باعتبار ان الايرادات المالية التي بواسطتها يتحرك الاقتصاد الكلي للدولة يعتبر مصدرها المطلق ان لم يكن الوحيد هو النفط، وهو ما يجعل قضية الاستقرار الاقتصادي في هذه الدول غاية في التعقيد لا سيما وأن المتغيرات الاقتصادية الكلية تتأثر على نحو كبير بتقلبات أسعار النفط. إذ ان الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط تشكل أهمية كبيرة في اقتصادات الدول المصدرة للنفط، فهي تعتمد على العائدات النفطية في تمويل برامجها التنموية وكذلك لتعظيم الانفاق العام.

 

التأثيرات الايجابية لانخفاض أسعار النفط في الاقتصاد العالمي

1- الرابح الاول هو شركات الطيران والسيارات التي تستفيد من انخفاض أسعار النفط، لان سعر البنزين المنخفض يشجع على شراء السيارات وبذلك على الانتعاش الاقتصادي في الدول المستوردة، وبالأحرى تستفيد كل صناعات النقل وصناعات السيارات من انخفاض أسعار النفط.

2- تعزيز النمو الاقتصادي في البلدان المستوردة للنفط الخام نظرا لانخفاض فاتورة استيراداتها من النفط الخام ومن ثم تقليل الاعباء على موازينها الخارجية. وارتفاع الفوائض في موازينها التجارية إذ ارتفعت الفوائض في اقتصادات آسيا النامية بحوالي 80 مليار دولار خلال عام 2014 ليصل إلى نحو 234 مليار دولار وبنسبة ارتفاع بلغت 52% نتيجة لانخفاض الواردات السلعية لدول هذه المجموعة بالتزامن مع تراجع أسعار النفط الخام. فيما ارتفعت فوائض الموازين التجارية في الاقتصادات المتقدمة إلى 200 مليار دولار عام 2014 للسبب ذاته.

3- ارتفاع الدخل الحقيقي للأفراد في الدول المستوردة للنفط من خلال انخفاض فاتورة الوقود في المواصلات وغيرها من استهلاك القطاع العائلي.

4- انخفاض تكاليف مدخلات الانتاج من الطاقة في العديد من الصناعات، وكذلك السلع النهائية التي يدخل النفط في انتاجها كصناعة البتروكيمياويات والالمنيوم والورق، ومن ثم زيادة الارباح والاستثمارات. وتعتمد آثار الدخل الحقيقي والأرباح على كثافة الطاقة في البلدان. فمثلاً ما زال كل من الصين والهند أكثر كثافة للطاقة من الاقتصادات المتقدمة، وبالتالي يستفيدان أكثر من انخفاض أسعار النفط. وفي الولايات المتحدة الأميركية تبلغ نسبة استهلاك النفط إلى الناتج المحلي الإجمالي 3.8 % بينما تبلغ 5.4% في الصين و7.5% في الهند واندونيسيا.

5- الانخفاض في معدل التضخم العام، وهو يختلف بين البلدان المستوردة للنفط. وحسب صندوق النقد الدولي، فإن أثر الدخل الحقيقي في الولايات المتحدة اقل من الأثر في منطقة اليورو أو اليابان، فالولايات المتحدة تنتج حالياً أكثر من نصف النفط الذي تستهلكه.

6- هناك فائدة أخرى من انخفاض أسعار النفط، فالعديد من دول العالم تدعم أسعار الوقود. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الدعم الحكومي لأسعار الوقود الاحفوري حول العالم خلال عام 2014 بحوالي 500 مليار دولار. ومن بين هذه الأموال ذهب نحو 267 مليار دولار لدعم أنواع الوقود المشتقة من النفط.

 

رابعا: التأثيرات السلبية لانخفاض أسعار النفط في الاقتصاد العالمي

1- الخاسر الاكبر هي الدول المصدرة للنفط الخام التي تخسر جزءا كبيرا من عائدات صادراتها النفطية التي تشكل الجانب الاعظم الذي يمول موازناتها العامة، إذ ادى انخفاض أسعار النفط الخام في النصف الثاني من عام 2014 إلى خسارة البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا نحو 360 مليار دولار في عام 2015 وهو ما يعادل سدس ناتجها الاجمالي. فضلا عن ذلك ينخفض الدخل الحقيقي وكذلك أرباح إنتاج النفط إذ يقل الفرق بين السعر وتكلفة إنتاج برميل النفط. وهذا عكس ما يحصل في البلدان المستوردة للنفط. وكما هو الحال في البلدان المستوردة، يختلف تأثير انخفاض أسعار النفط بين البلدان المصدرة حسب اعتمادها على إنتاج النفط وتصديره. في روسيا، مثلاً، تقدر حصة النفط من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 25% و70 % من الصادرات، و50 % من إيرادات الحكومة، وفي دول مجلس التعاون تسجل حصة النفط في إيرادات الحكومات نحو22.5 % من الناتج المحلي الإجمالي و63.6% من الصادرات.  وتتجسد الآثار المباشرة لانخفاض أسعار النفط في البلدان المصدرة في شكل ميكانيكي في عجز الموازنة الحكومية. فالمملكة العربية السعودية أعلنت موازنة بنفقات قدرها 229 مليار دولار تقريباً وبعجز تمويلي قدره 38.6 مليار دولار لعام 2015.

2- يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى اضعاف الميزانيات العمومية لشركات النفط والحكومات، ويزيد من مخاطر الائتمان ومخاطر السيولة للبنوك من خلال تأثيره السلبي على الاقتصاد ككل. وفي البلدان التي تملك فيها الحكومة او شركات النفط حصص الاغلبية من البنوك المصنفة مثل بلدان مجلس التعاون الخليجي يمكن ايضا ان يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى اضعاف القوة الجوهرية للبنوك ورفع تكاليف التمويل للبنوك التي تلجأ إلى الاسواق الدولية لتمويل انشطتها المختلفة. إذ ان الانفاق الحكومي هو القوة الدافعة لنمو الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي والقروض المصرفية المقدمة للقطاع العام الذين يؤثر ادائهم بدوره على مخاطر الائتمان لدى البنوك نتيجة لارتفاع تركز القروض المقدمة للأفراد المقترضين او لقطاعات معينة في الاقتصاد ولا سيما القطاعات الحساسة لحركة الدورة الاقتصادية مثل القطاع العقاري وقطاع التشييد. وتكون مخاطر الاستقرار المالي أكبر في البلدان المصدرة للنفط غير الاعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ففي الجزائر والعراق مثلا تتزايد مخاطر الائتمان والسيولة على حد سواء نتيجة لاعتماد البنوك على الودائع المرتبطة بإيرادات النفط وضآلة احتياطياتها الوقائية من النقد الاجنبي. وفي إيران يؤدي نفوذ الدولة في النظام المصرفي إلى اضعاف معايير تقييم التمويل.

3- الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها الشركات العاملة في مجال الطاقة وبالذات في قطاع النفط وخاصة تلك التي تنتج النفط بكلف مرتفعة ومنها شركات النفط الصخري والشركات العاملة في الحقول البحرية او المغمورة.

3-الآثار السلبية لانخفاض أسعار النفط على البيئة لأنها تشجع استخدام السيارات التي تستهلك كميات كبيرة من البنزين مثل سيارات الدفع الرباعي التي ارتفع الطلب عليها بنسبة 16% بسبب انخفاض أسعار النفط في عام 2015

4-انخفاض الأسعار للوقود الاحفوري يقلص القدرة التنافسية وبذلك الجدوى الاقتصادية لإنتاج مصادر الطاقة البديلة وبالذات الطاقة المتجددة التي ترتفع فيها مستوى التكاليف على نحو كبير.

1- عدم القدرة على توفير الاستثمارات المطلوبة لتطوير الطاقة الانتاجية للنفط لتلبية احتياجات الطلب العالمي المتنامي عليه، ففي منطقة الشرق الاوسط وحدها تقدر الاستثمارات المطلوبة للعشرين سنة القادمة بأكثر من 500 مليار دولار لكي تواكب الطلب العالمي المتزايد والذي سيبلغ نحو 120 مليار دولار عام 2025.

2- تفاقم التحديات السياسية الداخلة في الدول المصدرة للنفط التي اقامت انظمة رعوية تحتاج إلى إيرادات متزايدة لتلبية احتياجات السكان المتزايدة. وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في هذه الدول، كما حصل في الاضطرابات الامنية التي عانت منها الجزائر في نهاية الثمانينات والتسعينات، كما ادت اصلاحات غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي والناجمة جزئيا عن تراجع أسعار النفط إلى انهيار النظام.

3- من الممكن ان تتأثر بعض الدول المستوردة للنفط سلبيا نتيجة لانخفاض أسعار النفط من خلال قنوات التبادل المالي والتجاري فضلا عن الاعانات المالية وتحويلات العاملين. ففي البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تواجه النظم المصرفية انكشافات لصدمات انخفاض أسعار النفط من خلال روابطها بالبلدان المصدرة للنفط لا سيما بلدان مجلس التعاون الخليجي إذ تدعم التحويلات الواردة من دول المجلس السيولة في النظم المصرفية واسواق النقد الاجنبي وخصوصا في الاردن ولبنان وبدرجة اقل في مصر التي تحصل على منح رسمية كبيرة من دول المجلس. ويمكن ان تؤدي مستويات الدولرة الكبيرة، وارتفاع نسبة القروض المتعثرة، وشدة انكشاف البنوك للديون السيادية، إلى زيادة مخاطر الاستقرار المالي في حالة حدوث تراجع حاد في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي. وتتأثر النظم المصرفية في القوقاز وآسيا الوسطى للمخاطر، إذ ان التأثير الناجم عن انخفاض سعر النفط وتراجع الاداء الاقتصادي في روسيا وانخفاض أسعار صرف العملات المختلفة وزيادة أسعار الفائدة نتيجة لارتفاع معدلات التضخم في بعض البلدان ادت إلى زيادة مخاطر الائتمان والسيولة وزيادة مخاطر أسعار الصرف والملاءة للبنوك في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. 

 

د. نبيل جعفر عبد الرضا - أستاذ في جامعة البصرة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3736 المصادف: 2016-11-27 04:28:59