المثقف - قضايا

حسن زايد: أزمة الشباب والسلطة في مصر

hasan zayedإن للشباب سطوته، وقوته، ورونقه. وهو العمود الذي يشد عصب الدولة، ويجعل منها دولة شابة فتية. وهو الخلطة السحرية لتحقيق مجتمع الكفاية والرفاه، وهو الوقود الذي يقوم عليه الإقتصاد والتقدم، وهو العنصر البشري الحي الفاعل في المجتمع، والقاطرة التي تشده إلي الأمام . وسقوط الشباب من المعادلة المجتمعية هو سقوط  للمجتمع ؛ لأنه الكائن الحي المفكر المدبر الفاعل، في كافة عناصر الإنتاج المتاحة، لأي مجتمع حي، مخزون هائل من الطاقة المتفجرة . وإذا أردت أن تضرب مجتمعاً، في مقتله، فعليك بشبابه . والأمر في مصر ليس في حاجة إلي تأمل، أو طول نظر، لاكتشاف الأزمة الناشبة بين الشباب والسلطة . ويبقي السؤال حول ما إذا كانت هذه الأزمة مرتبطة بطبيعة المرحلة الشبابية بما يكتنفها من تمرد علي السلطة  سواء الأبوية، مروراً بأي سلطة أخري، وصولاً إلي هرم السلطة في الدولة  أو ما إذا كانت مرتبطة بروافد تغذية أخري، تدعم هذا التمرد وتقويه، وتعمل علي تنميته  واستمراره، وربطه باتجاهات عكسية، تشيع قدر هائل من الطاقة السلبية المعطلة والمعوقة في المجتمع . والراصد لأحوال الشباب المصري يجد أن هناك ثلاث حالات، الحالة الأولي : وهي حالة التمرد علي السلطة في سن المراهقة من مرحلة الشباب . وهذه الحالة عادة ما تكون محدودة المساحة، من حيث المكان والزمن، محدودة الأثر، سهلة المعالجة، ممكنة الإحتواء . الحالة الثانية : وهي حالة التمرد الناجمة عن الأوضاع العامة في البلاد، من حيث التعليم، والصحة، وتوافر الوظائف، وكفاية الدخل، وفرص الترقي، ووجود المسكن، وفرص الزواج، وانفتاح الأفق السياسي. وهناك علاقة عكسية بين حالة الأوضاع العامة، ودرجة التمرد لدي الشباب . فكلما تحسنت الأوضاع العامة، كلما قلت درجة التمرد، وكلما تدهورت الأوضاع العامة، كلما زادت درجة التمرد . وتحسن الأوضاع العامة أو ترديها، لا يرتبط علي نحو مباشر، بالسلطة القائمة وحدها، حتي ينصب عليها السخط والغضب وحدها، وإنما يرتبط بشكل أو بآخر بحالة المجتمع ككل، وما السلطة القائمة إلا أحد إفرازات هذا المجتمع، وهي نتيجة لما عليه حال المجتمع . ودور السلطة  التي هي نتاج المجتمع  هو إدارة هذا المجتمع بأفضل طرق الإدارة المتاحة، والممكنة، للإرتقاء به في سلم الأفضليات، درجة درجة، حتي يصل إلي درجة الرضا العام المتعارف عليه . وهي حالة تمرد مرتهنة بتحسن الأوضاع العامة في البلاد فعلاً وقولاً . إذ يتعين  فعلاً  علي السلطة العامة في البلاد أن تحسن من أداءها وكفاءتها علي نحو ملموس يشعر به المواطنون  بما في ذلك الشباب  في تحسن مستوي الدخل الفردي الذي يتقاضاه المواطن، وتحسن في آداء الخدمة التي يتلقاها . وقولاً بأن يجري الإعلام بكل ما تقوم به السلطة العامة في سبيل هذا التحسين من أعمال وإنجازات عن طريق وسائل الإعلام . حينئذ تتولد الثقة بين المواطن والسلطة، بتطابق الأفعال والأقوال، الذي يصنع بالضرورة المصداقية المطلوبة . والواقع أننا لدينا في مصر قصور شديد في هذه النواحي، بما يشكل أبلغ الأثر في حالة عدم الرضا العام، وحالة السخط  وأحياناً التمرد  لدي قطاعات عريضة من الشباب . ولعل فيما تسلكه الدولة، من عدم الإعلان عن المنجزات المتحققة، إلا عندما يكون لها ظل علي الأرض، هو أمر محمود، في سبيل تحقيق المصداقية، التي تخلق درجة من درجات الثقة المطلوبة . الحالة الثالثة : وهي حالة أدلجة التمرد، وعدم الثقة، والتشكيك، وإشاعة السخط العام . وهذه الحالة هي أخطر الحالات الثلاث، وأشدها فتكاً بتآلف المجتمع، وتجانسه، وتماسكه . حيث تقوم هذه الحالة علي بناء أيديولوجي حال في الشخصية الإنسانية، وجدانياً، وإدراكياً، وسلوكياً . وتتبني ذلك جماعات متطرفة هدامة، تستهدف تقويض المجتمع، وإشاعة الفوضي في ربوعه، حتي تتمكن من استلاب السلطة بعد الإنقضاض عليها، وتوظيف المجتمع لخدمة أغراضها . وغالباً ما تكون هذه الجماعات جماعات منغلقة، ذات نظام حاد وصارم، بحيث لا ينسرب إليها، ولا يتجند في صفوفها، سوي من يؤمن بأفكارها، دون غيرها من الفِكَرِ، الموجودة في المجتمع . وتعتمد هذه الجماعات مع عناصر المجتمع الأخري  ممن لا يرجي تجنيدهم  المنهج السوفسطائي في المناقشة، وتدوال الأفكار . والسوفسطائية مدرسة فلسفية يونانية قديمة، كانت تعتمد الجدل غير المنهجي في المناقشة، بحيث تقنعك بالشيء ونقيضه في آن معاً، فلا تبقي قيمة ثابتة، أو مبدأ دائم، يصح الإحتكام له أو القياس عليه، في تحديد الصواب والخطأ، أوالصحيح والعليل، من الأفكار والمواقف . وقد صح ذلك لدينا في جماعة الإخوان المسلمون . فهي جماعة تزعم أنها جماعة دعوية في مجتمع مسلم . وأنا لا أستطيع فهم قيام جماعة تدعو إلي الإسلام في مجتمع مسلم، إلا إذا كانت قد أخفت من باب التقية، رأيها الباطن في المجتمع، والذي أعلن عنه علي استحياء في كتاب الدعوة والداعية لحسن البنا، ويُفهم بمفهوم المخالفة . ثم صرح به سيد قطب في كتاباته، وجعله محمد قطب  شقيق سيد قطب  عنواناً لأحد مؤلفاته وهو " جاهلية القرن العشرين " . هذه الجماعة تبنت منهج الطعن والتشكيك في كل أحد، وفي كل فكرة، وفي كل قيمة، بخلاف ما تنطق به الجماعة وتتبناه . فطعنت في السلطة القائمة في كل وقت، وطعنت في علماء الأزهر، غير المنتمين للجماعة، باعتبارهم علماء للسلطة، يحرفون الكلم عن مواضعه، خدمة لها، فالكل لدي أعضائها باطل وقبض الريح، إلا من ينتمي إليها . مع أن هذه الجماعة لم تقدم فكراً معتبراً من الناحية الشرعية، ولم تضم من بين أعضائها عالم في الدين من خريجي المعاهد والكليات الأزهرية، إلا من استطاعوا تجنيده صغيراً، وشب أزهرياً، ولكن في إطار قالبهم الفكري المنغلق، باستثناء الشيخ الغزالي الذي فصلوه، ويوسف القرضاوي، الذي انحرف بفتاويه في نهاية عمره . وللاسف أنهم قد استغلوا حالة الإضطراب والفوضي في التعليم العام، وكذا التعليم الأزهري، للصيد في الماء العكر . تلك الجماعة قد اعتمدت المنهج السوفسطائي منهجاً للتعامل مع الأغيار. وقد أثرت   نتيجة غياب الأزهر عن النهوض بدوره في تخريج العلماء  في قطاعات عريضة من الشباب، الذين يسعون إلي اختلاق أزمات مع السلطة . هذا الشباب المؤدلج في الغالب يصعب معالجته، لأنه لا يؤمن بشيء أو بأمر أو بقيمة إلا إذا كانت آتية من الجماعة . والعلاج الناجع لمحاصرتهم، وانحسارهم، يتمثل في تصحيح الأوضاع العامة في مجملها، وتصحيح التعليم العام والأزهري بحيث يكفل محو الأمية الدينية المتفشية لدي آحاد الناس، وأفراد المجتمع، ويقلص المساحة التي تلعب فيها الأفكار المتطرفة ذاتياً، بعيداً عن انغماس مؤسسات الدولة في محاربتها، بما في ذلك مؤسسة الأزهر، التي يجب النأي بها عن سفاسف الأمور، والتفرغ للقضايا الكبري للمسلمين .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3738 المصادف: 2016-11-29 00:35:34