المثقف - قضايا

صائب خليل: فيسبوك وأخواتها والحرب على الحقيقة

saieb khalilكان قراراً غريباً من شركة فيسبوك لمنع صور سيد المقاومة واعتبار ذلك مخالفا لمعايير فيسبوك، رغم ان حزبه جزء من الطيف الديمقراطي اللبناني ومشارك في الحكومات اللبنانية المتعاقبة. وقد تسببت هذه الصورة في ثلاثة عقوبات بحظر مؤقت على مواقع لي، مع تهديد بالحظر النهائي.

 وعدا هذا النوع من الحظر، فمن المعروف ان فيسبوك وكوكل وتويتر وغيرها، تغير التوازن بشكل يساعد على دعم المواقع التي تتلاءم مع سياسة المؤثرين عليها ونشر أفكارهم. فمن الصعوبة بمكان ان يرتفع عدد متابعي صفحة وطنية او يسارية على الفيسبوك، بينما تتمتع الصفحات المؤيدة لإسرائيل وأميركا بنشاط كبير جدا. وحين حاولت الترويج لبعض صفحاتي ومقالاتي بشكل إعلاني، اكتشفت ان "فيسبوك" لا يعترف بوجود "سوريا" أو "إيران" أو "كوبا" (وربما دول أخرى) ولا يمكنك الترويج لصفحتك في هذه الدول حتى لو دفعت ثمن الإعلان المطلوب!

  والحقيقة ان الحرب على الحقيقة لا تقتصر على هذه القرارات، ولا على الحيل الإعلامية المعروفة لتزييف الحقائق، بل شملت قوانين وضعت خصيصا لذلك بعد تهيئة الجو المناسب لقبولها. فلو راجعنا قوانين الإرهاب في العالم، لما وجدنا لها أي مبرر أمني حقيقي. فجميع الجرائم التي يمكن وصفها بأنها "إرهابية" هي من النوع التي يعاقب عليها القانون السابق. ونلاحظ ان قوانين الإرهاب لا تركز على التشديد على العقوبات لتلك الجرائم، بل على حرمان المتهمين بها من حق الدفاع عن أنفسهم، كما تقره لهم القوانين في كل العالم، والتي لم توضع بلا سبب. والذي يراجع الحقائق التي جاءت في التحقيقات في هذه القوانين مثل كتاب "التهرب من مسؤولية التعذيب" (د. كرستوفر پايل، أستاذ العلوم السياسية في كلية ماونت هوليوك، وترجمة الدكتور محمد جياد الأزرقي) والذي نشرت مراجعة له في مقالة من جزئين، فسيلاحظ هذه الحقيقة بشكل جلي. (1)، (2)

 ولمثل هذا الهدف أيضاً وضعت القوانين التي تجرم انكار الهولوكوست. ومن الطبيعي ان أية حقيقة لا تحتاج إلى الدفاع عنها بتجريم من لا يعترف بها، إنما الأكاذيب هي التي تحتاج ذلك عادة. وبالنسبة للهولوكوست يجرم حتى إبداء الرأي بأنه "مبالغ في اعداده"! وقد انتشرت في الفترة الأخيرة قوانين جديدة في البلدان الغربية بضغط من إسرائيل تحرم انتقاد إسرائيل او الدعوة لمقاطعتها. وقد وضع مؤخرا قانون امريكي لإعادة النظر بتعريف "معاداة السامية" ليحمي إسرائيل من مجال أوسع من الانتقادات. فتم توسيع المفهوم ليشمل «معاداة السامية ذات الصلة بإسرائيل»، (وليس اليهود).(3)

 وينص القانون على منع "شيطنة إسرائيل" عن طريق "لومها على التوترات السياسية او ما بين الأديان"، او "الحكم على إسرائيل بمقاييس مزدوجة لا تطبق عادة على أية أمة ديمقراطية". وقد دعمت هذا القانون المؤسسات اليهودية الكبرى مثل "الآيباك".(4)

 وتتعرض كل دول العالم تقريبا إلى الضغوط من قبل إسرائيل، لإصدار قوانين مماثلة، وقد استجابت لها العديد من الدول ومن بينها "كندا" على سبيل المثال. ولنلاحظ ان هذه الدول إنما تمنع مواطنيها من قول رأيهم في أمر ما، مخالفة أهم نصوص دساتيرها والتي توضع عادة في المادة الأولى كحريات أساسية، رغم أن أهم ما تتبجح به امام العالم هو ضمان حرية إبداء الرأي لهم. إنها في هذا الأمر، لا تختلف كثيرا عن حكوماتنا، فهي تخون مصالح شعبها وحريته، وحتى حقه في معرفة الحقيقة، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل! فمثلما يعرقل الغاء خاصية البحث عن الصور، الوصول إلى الحقيقة، فأن هذه القوانين التي تجبر الناس على "تصديق" واعتناق "حقائق" معينة، تعرقل وصول الإنسان إلى الحقيقة.

 ومن الوسائل الأخرى التي يتم بها منع أنواع معينة من الحقائق من الوصول إلى الناس، عمليات "الاندماج" الرأسمالي بين الشركات الإعلامية الكبرى. وبهذه الطريقة فأن الحقائق المنشورة ستبقى محددة من خلال سلطة عدد محدود من كبار رجال الأعمال والقوى الكبرى. ففي اميركا مثلا اندمجت الكثير من المؤسسات الإعلامية من صحف ومجلات وقنوات تلفزيون وراديو وغيرها، خلال الثلاثين عاما الماضية، فلم يبق من الخمسين مؤسسة إعلامية في بداية الثمانينات من القرن الماضي، سوى خمس مؤسسات عملاقة، تحتكر “الحقائق”، كما يبين الخط البياني. .

 وأخيراً، هناك وسائل أكثر مباشرة للسيطرة على ما يصل الناس من "حقائق" في الدول الرأسمالية، حيث تعقد تلك المؤسسات صفقات مع المؤسسات الحكومية والأمنية تجعلها تابعة لها، مثل تعاقد "جيف بيزوس" مؤسس شركة "أمازون" (وهو المالك الوحيد لصحيفة الواشنطن بوست)، مع المخابرات المركزية الأمريكية (السي آي أي)، بعقد قيمته 600 مليون دولار، مما يجعل تغطية الواشنطن بوست لحقائق السي آي أي، مشبوهة، وبدون إعلام قراء الصحيفة بتلك العقود التي بقيت تفاصيلها سرية.

ويقول صاحب المقال ادناه أنه لو ان صحيفة مهمة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس تعاقدت بـ 6000 مليون دولار مع حكومة بلدها (حكومة مادورو اليسارية المعادية لأمريكا) لملأت “الواشنطن بوست” ذاتها الدنيا بالصراخ والعويل ولاتهمت الحكومة الفنزويلية بتحويل حرية الرأي إلى مسخرة. (5)

 إنه أمر مزعج بلا شك، لكنه مؤشر على نقاط إيجابية لا شك فيها. فكل هذه الإجراءات التي نتصور انها ستزداد مع الوقت، علامات أكيدة بأن هذه المؤسسات العملاقة والدول التي تضغط عليها، بدأت تقلق من الحقائق إلى درجة لم تعد تتحملها، وأن قدرة الإعلام الغربي على تزوير الحقائق وتقديمها للشعوب كما يرغب "الكبار"، أصبحت تعاني من تحدي خطير. فليس من السهل على المؤسسات الإعلامية الغربية أن تتخلى عن "مصداقيتها" بهذا الشكل الصريح أمام الناس، وأن تقف بهذه الصراحة في خندق مزوري الحقائق، وان تعلن رعبها من صور بعض الرموز، وهذا يحدث لأول مرة في التاريخ. لكن عندما يظهر أن "ثلاثة ارباع صور “حلب تباد” و “أنقذوا حلب”، هي صور جرائم اسرائيل وقصفها للمدن" كما سخرت زينب الموسوي، عندها تصبح "للضرورة أحكام"!

لقد دعوت القارئ في مقالة سابقة(6) إلى رفض التزييف في الصور والوقوف موقف مبدئي منه، حتى إن كان تزييفاً لصالح الموقف الذي يتبناه. ويمكننا هنا أيضا ان نبدأ، ولمعظم أغراض البحث، باستبدال محرك البحث كوكل، بهذه الشركة (دكدككو) (duckduckgo) والتي يدعي أصحابها أنها لا تتابع مستعمليها ولا تتجسس على خياراتهم وما يضعونه من كلمات للبحث، ويبدو أن هناك طرقا للتأكد من صحة هذا الادعاء. أنا جربت هذا الموقع وهو لا يقل جودة عن كوكل في البحث، واقترح على قرائي تجربته واستعماله كبديل. لكننا نبقى نعي حقيقة أننا نعيش في عالم تسيطر فيه على نقل الحقائق، جهات معادية للبشر وحرياتهم ومصالحهم، وحتى يتغير ذلك فسيبقون قادرين بدرجة أو بأخرى على اختيار "الحقائق" وتوجيه تفكيرنا.(7)

 

..........................

(1) صائب خليل: كتاب التَّهرب من مسؤولية التعذيب (1) توثيق لجرائم الاحتلال الأمريكي

http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/30p0.htm

(2) صائب خليل: كتاب التَّهرب من مسؤولية التعذيب (2) التعذيب يحطم الجلاد

http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/1p2.htm

(3) قانون أميركي لخدمة إسرائيل

http://assafir.com/Article/519930

(4) Casey and Scott Introduce Bipartisan Anti-Semitism Awareness Act

https://www.casey.senate.gov/…/with-attacks-on-the-rise-sen… ة

(5) Under Amazon’s CIA Cloud: The Washington Post

http://www.informationclearinghouse.info/46068.htm

(6) لماذا يستسهلون الكذب علينا؟ صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1284495478274185

(7) محرك بحث لا يتابع معلوماتك الشخصية

https://duckduckgo.com/

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3764 المصادف: 2016-12-25 05:07:51