المثقف - قراءات نقدية

فوضى السرد الخلاق ..... / سلام كاظم فرج

salam kadomfarajفي حضرة رواية بلقيس الملحم:

حريق الممالك المشتهاة

في حضرة النص المكتوب بأنامل سيدة عربية أجدني مدفوعا وبرتابة إلى البحث عن (الأنثى). وهمومها الروحية والجسدية المتعارف عليها، السائدة، المفهومة نهاياتها، ابحث عن حضور (الأنثى اكثر مما أبحث عن حضور الواقع على نحو من شأنه الاسهام في فهم هذا الواقع بمعناه الشامل من خلال صياغة أنساق سردية قادرة على تفكيك مسارات الأحداث الواقعية في الحراك السياسي والاجتماعي،،) فقد عودتنا الكاتبات العربيات (غادة السمان وزميلاتها على سبيل المثال)..على تناول اسرار الأنثى، روحها .. تطلعاتها، حاجاتها الروحية  والجسدية.مغامراتها، مجازفاتها في تحدي السائد الموروث، نجاحاتها في هذاالسبيل وإخفاقاتها من خلال انساق كتابية تقليدية هادئة رتيبة رصينة تعتمد مقدمات منطقية وحبكة وخاتمة. وغالبا ما تكون السرديات النسوية مكتوبة بصيغتي الغائب او المتكلم. وتكون الراوية فيها عليمة بما كان وما هو كائن وبما ستؤول اليه الأحداث.

تلك الأطر الانثوية الخالصة حتى وإن تضمنت بعض الملامح السياسية والاجتماعية تظل تدور في حلقة الأنثى وهمومها..

ولكي لا أبدو وكأنني ضد هذا النمط من الكتابات النسوية لابد من  استدراك،فأقول إن رواية الكاتبة السعودية بلقيس الملحم (حريق الممالك المشتهاة) قد فاجأتني بسرد ملحمي فوضوي مختلف تماما عن كل ما قرأت لنساء كاتبات على مستوى الوطن العربي، بل العالم.

فوضى السرد كانت تناظر فوضى ما جرى للمجتمع العراقي من حراك جنوني بعد الاحتلال الاميركي، ورغم ان بطلة الرواية (عفراء) كانت حاضرة بصيغة المتكلم وهي تسرد ما جرى لها ولعائلتها الصغيرة إلا ان فحيح الأفاعي السامة كان أكثر حضورا ففي الرواية ثمة قتلة وخاطفون ومرتشون وقوادون وزارعو عبوات ناسفة وعملاء لقوى خارجية، ثمة موت وجوع وانتهاك اعراض وسقوط اخلاقي وبيع اجساد ’ ثمة علاقات انسانية منتهكة، وعلاقات حب مخذولة،، هناك زيارات لأضرحة الائمة وبكاء،، وطلب شفاعة من الاسماء المقدسة،، ثمة قتل على الهوية،، ونفس طائفي غريب  تتصاعد وتيرته ويعلو على روح المواطنة العراقية،، ثمة خطف لاسباب طائفية ومطالبات بفدية،، في هذا الجو الخانق كتبت عفراء يومياتها،، ورغم إن احداث الرواية تدور خلال السنين التي اعقبت الاحتلال، الا ان ذهن الراوية يستعيد ازمنة سبقت احداث الرواية، وفي مقاربة كانت أقرب الى الشعر، استعادت (عفورة) زمان الزعيم عبد الكريم قاسم في انحياز واضح لشخصية الزعيم ونزاهته وعفته ووضوحه.. وهي إذ تستعيد ذلك الزمان انما تؤرخ  ايضا لأمكنة اليفة (مدينة الثورة) التي اسسها كريم قاسم ووزع عرصاتها على فقراء العراق في زمنه،، وقد ادهشتني بلقيس الملحم وهي الكاتبة السعودية في معرفة تواريخ واسماء كل المدن والقصبات والازقة في عموم العراق، فهي تعرف ما لايعرفه كثيرون من ابناء العراق،، على سبيل المثال كتبت وهي تناغي مدينة الثورة وتحاورها مذكرة اياها بكل الاسماء التي اطلقت عليها، الثورة، الرافدين، صدام،، الصدر، في مقاربات موحية لكل اسم ومدى دقته واستحقاقه في تمثيل هذه المدينة العجيبة.. مدينة الكادحين المليونية..

لقد كسرت بلقيس الملحم الخدر الذي ادمناه عند قراءة اية رواية مكتوبة بأنامل سيدة،كما كسرت خدر المقدمة والحبكة والنهاية، فالزمن بقي مفتوحا على احتمالات شتى. ومثلما ابتدأ،، في عام 2004 فقد عرجت على ازمنة ما قبل القص لتعود الى مرحلة الجمهورية الاولى، وقد أجادت ايضا في سرد وقائع اللهاث وراء الاشياء والبحث عن لحظة حبور متاحة بنفس القدر في سرد وقائع  مآتم العزاء على الشهداء او في عاشوراء،  وهي حين تنقل مهمة السرد الى زينب زميلة عفراء في الدراسة الجامعية إنما  لتؤسس لرواية متعددة الاصوات. من خلال صخب الاحداث والتغييرات الدرامية على نفوس تقطعت بها السبل وتقاطعت مصائرها. زينب تحكي قصة سقوطها المريع في افخاخ قواد محترف ينتهك عذريتها لكي يتاجر بجسدها لتنحط احلامها وتتقلص الى مجرد الرغبة في الحصول على فيزا لبلد خليجي.. الاحلام الكبيرة بعراق مزدهر تحولت الى البحث عن خلاص شخصي يؤمن حدا ادنى للبقاء على قيد الحياة. لقد استطاعت زينب ان تقنع عفراء وتقنعنا بمبررات بيع جسدها..

زينب في سردها زعزت فينا القناعات المسبقة بإمكانية الصمود في وسط فاسد،، وهي إذ تهجو الاحتلال ومآسيه لا تنسى دور زبانية جحيم المرحلة الصدامية في تسقيط الناس من خلال قتل البراءة والنقاء في زج  الاحرار والمثقفين في السجون والمنافي والتغييب والقتل وانتهاك الاعراض،،

لقد دمرت بلقيس الملحم شروطنا المسبقة في القراءة لتفرض شروطها مستعينة بقدرة فائقة على استلهام اللهجة العراقية العامية بكل اشتراطاتها وإحالاتها ومدلولاتها، وهي لا تجد حرجا في استعمال اكثر الالفاظ العامية بذاءة على لسان شخوص الرواية وتجازف في الغوص في قعر الحضيض لتدلنا على العالم السفلي لبعض الشخوص . (على سبيل المثال لا الحصر ) ان احد شخوص الرواية اعتبر نفسه محظوظا لانه حصل على وظيفة عامل مطعم لبناني في باريس.. يستطيع من خلالها الحصول على بقايا وجبات طعام فاخرة يعود بها الى شقته لتشاركه جارته الجزائرية الفقيرة في التهامها...

لقد تجاوزت وبدراية كل اساليب السرد البلزاكي الواقعي لتماهي بين فوضى الواقع وفوضى السرد.

حتى  اللحظات الحميمة تظل في ذهن دانيال احد شخوص القصة العراقيين بعد نكبته وافلاسه، (ليردد (شلون كانت حلوة بنت الكلب !!!؟.) .!!، حتى ذكريات  فض البكارة.. وذكريات العلاقات العاطفية وسط اجواءالحزن .. واستعادة اكثر الذكريات رومانسية وذكريات الحب الاول وسط اجواء كابوسية غارقة في الدم والخيانة والموت المجاني..ثيمات متناغمة ومتقاطعة في نفس الوقت . العفة والسقوط.. الحب والخيانة.. الامان والرعب. كل ذلك  وسعته رواية (حريق الممالك المشتهاة.).

،،جحافل الموت تكتظ بها عوالم الرواية خانقة ومروعة، تروع القاريء بعشرت الاحداث المؤلمة، لكن ثمة ضوء ضئيل من الامل يشكله الجنين الكامن في رحم عفراء من زوجها جاسم  الذي يغيب في نهاية الرواية. كذلك يفاعة ابنتهما ضفاف وشجاعتها  .  الجنين الذي اختارت له اسم علي،، وضفاف يشكلان حزمة ضوء ضئيلة لكنها واعدة في وسط جو كابوسي خانق،، لقد استطاعت عفراء في سردها ن تنتقل تدريجيا من كينونتها الخاصة وتتوسع لتشكل كينونة كلية ليوميات امة بكاملها، الامة العراقية..

ربما هي المرة الاولى في حياتي التي اواجه فيها عملا دراميا ولا استطيع ان امتلكه تماما، انه يفلت مني (نص بلقيس الملحم هذا !)،، بل ويسخر من امكانية احتواء كل ترميزاته وتشظياته،، لذلك وجدتها محقة في استدراكها في الصفحة الاخيرة حين ثبتت وصية جبريل لإبراهيم (لاتدع على اهل العراق..).. فهي واعية بحجم  الخراب الروحي الذي تناولته الرواية بدقة متناهية وكأن الكاتبة قد خاضت غمار كل ما خضناه نحن العراقيين أبان السنين السود التي غطت مرحلة حكم صدام حسين وما اعقبها من احتلال..

بلقيس الملحم في روايتها هذه ذكرتني بالباحث الفلسطيني حنا بطاطو الذي دخل التاريخ باعتباره افضل من كتب عن الاحزاب السياسية العراقية في ابحاثه التاريخية المعروفة... لكن بلقيس اعتبرها هنا افضل روائية خاضت في غمار الاحداث حتى غاصت الركب بدم الفجيعة العراقية بسرد خلاق وقدرة فائقة في التعرف على كل الامكنة العراقية من مدن وقصبات وازقة ومراقد ائمة وطقوس جنائزية وامثال وشتائم عراقية صميمة. ونذور وابتهالات واغاني شعبية قديمة وابوذيات وحسجات.. كل تلك الاشياء جاءت في سياق سردي مبتكر غير مسبوق وفق انساق بلقيسية خالصة لا تشبه كل ما سبقها من سرديات.. فقد كانت الجمل والمفردات والسياقات السردية مكرة مفرة مقبلة مدبرة تماما كما هو شأن الاحداث التي تناولتها الرواية  وتلك ميزة تسجل للرواية لتكون علامتها الفارقة  وعنوان جدارتها وتفوقها...

 

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2317 الاربعاء  02 / 01 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2311 المصادف: 2013-01-02 13:53:40