المثقف - قراءات نقدية

(النفق) حكاية الحياة والموت

thaer aletharyمقدمة: تنطوي رواية (النفق)([1]) للروائي المصري (محمود قنديل)

على مغامرة سردية مزدوجة في متنها ومبناها الحكائيين في آن معا. ويتحول الشكل فيها من كونه محض لعبة فنية إلى أداة فاعلة في خلق الدلالة الكلية للعمل.

تتألف الرواية، التي يمكن أن تعد من جنس الرواية القصيرة (Novelette)، من إحدى وعشرين وحدة سردية آثر الروائي أن يعطيها ترقيما تسلسليا (1-21) بدلا من العناوين. ومنذ الجملة الأولى تسحب الرواية القارئ إلى فضاء غرائبي مرعب:

(خرجتْ من بين المقابر ليلاً، عجوز ذات وجه مشرق، تلف رأسها بمنديل أرجوانى، وترتدى ثوباً أسود، تتوكأ على منسأة نحيلة، وفى عنقها مسبحة كبيرة، نادتنى وهى تخطو ناحيتى، فوضعتُ الجوال عن كتفى، حيتنى بكلمات طيبة، وضمتنى كأم حانية، وعاتبتنى ببسمة مشفقة

................

كنت أحفظ الطريق الذي جئت منه؛ نفق طويل تعلوه بيوت لعناكب سامة، وأعشاش لطيور جارحة، وأسلاك مكهربة عارية، وكان السقف قد لفظ حدائد خرسانته، وانحنت أعمدته....)([1])

وتواصل هذه الوحدة الأولى رسم فضاء يعمه الخراب يحيط بالمقبرة المفترضة.. إذ يبدو كأن العالم تغير فجأة:

(توقفتُ لعل العجوز تشاطرنى الدهشة فلم تفعل، بدت وكأن المكان مألوف لها، تخطو بثقة، فتزيل أحجارا، وتميط أشواكاً، وتطفئ جمرات.)([2])

العجوز تعرف البطل وتخاطبه باسمه (سالم)، أما هو فلا يعرفها ولا يكتم حيرته من معرفتها به.

وما أن ننتقل إلى الوحدة السردية الثانية حتى نجد أنفسنا في فضاء آخر مختلف تماما، إذ نكون في مواجهة نص قصصي تقليدي يروي حكاية ولادة سالم لأب توفي قبل ولادته وأخت تبلغ الرابعة عشر من عمرها (سلمى)، وأم تموت بعد ولادته مباشرة. وتصر (سلمى) على رعاية أخيها الوليد (سالم) وعدم ترك بيتها. وهكذا يكون فتعيش البنت وأخيها على مساعدات (الأقارب وأهل الخير). فيكبر(سالم) ويلتحق بالكتاب ولكنه يفشل:

(وكان يعشق تسابيح الكراوين، وهديل الحمائم، وسقسقة العصافير، كان مولعاً بحكايا جارته المسنة، يستمع إليها، ويعود ليحكى لأخته عن الشاطر حسن وذات الهمة، والملك سيف وبهية، والسندباد وعبلة، كما كان يحكى لها عن التياتن والعنقاء، والغول والظباء.

لذلك قررت أخته – بعد مداولة معه – الاستجابة لرغبته فى ترك الكُتَّاب.)([3])

وفي الوحدة الثالثة تعود الرواية لمتابعة حكاية (سالم) والعجوز التي ترافقه في ذلك العالم الغامض الخانق. وتتناوب الوحدات هكذا بين غرائبي وواقعي حتى تنتهي في الوحدة (21). ولابد -قبل كل شيء- من تسجيل الملاحظات الآتية على النص بغية توصيفه من حيث الشكل البنائي:

1-       يتألف النص من 21 وحدة سردية.

2-       تحكي الوحدات حكايتين منفصلتين الأولى غرائبية والثانية واقعية تقليدية، بالتناوب.

3-       تبدأ الرواية بالغرائبية وتنتهي بها.

4-   تستغرق الحكاية الواقعية مدة طويلة من الزمن، هي كما يبدو حياة بطلها (سالم)، بينما تستغرق الحكاية الغرائبية زهاء يوم واحد.

5-       مع ذلك تستغرق الحكاية الغرائبية إحدى عشرة وحدة، بينما تمتد الحكاية الواقعية على عشر وحدات فقط.

6-   جاءت الوحدات الخاصة بالحكاية الغرائبية على لسان البطل (سالم) بضمير المتكلم، بينما رويت الحكاية الواقعية بضمير الغائب.

والمهمة الأساسية التي ستشغل قارئ (النفق) هي البحث عن الرابط بين هاتين الحكايتين، إذ يبدو أنهما منفصلتان عن بعضهما، حتى يتمكن من ربطهما معا في الوحدة السردية الأخيرة ذات الرقم (21).

 

إشكالات الزمن:

تثير (النفق) إشكالات معقدة في مفهوم الزمن شبيهة بتلك التي ناقشها (بول ريكور)([4])، فليس هناك خط زمني واحد تلتزمه الرواية مع إنها تكاد تخلو من المفارقات الزمنية أو الاستباقات والاسترجاعات حسب مصطلحات (جيرار جنيت)([5]). فالحكايتان تُعرضان بتسلسل تاريخي حسب تتابع أحداثهما المنطقي.

تتضح المشكلة الأولى في نسبة طول النص في كل من الحكايتين إلى الزمن المحكي، فالحكايتان تشغلان حيزا ورقيا متساويا تقريبا، إذ تقع الحكاية الغرائبية في سبع وثلاثين صفحة، وتقع الواقعية في تسع وثلاثين. بينما تقع الحكاية الأولى في زمن لا يستغرق أكثر من يوم واحد، في حين تروي الحكاية الثانية سيرة حياة (سالم) منذ ولادته حتى انهياره بعد وفاة زوجته (أمل) بعد صراع طويل مع مرض غامض.

وهذا يعني أن الحكاية الأولى الغرائبية تضمنت الكثير من الوقفات المشهدية، بينما اتسمت حكاية (سالم) الواقعية بكثير من الحذف([6]). ففي الحكاية الأولى يمكن أن نجد مثل هذه الوقفة الطويلة:

(الوقت لا يزال ليلاً، وأعمدة قليلة تشكو وهن مصابيحها، وظلال لأشجار لا وجود لها، وأكوام من ثرى.

نسير فنرى جموع أشباح تشيّع نعوشاً لا تحصى، ملفوفة بأعلام سوداء، ورايات بيضاء، موضوعة فوق عربات مدافع، ومحمولة على الأعناق، مصحوبة بشهيق مكظوم، وزفير مكتوم، وموسيقى جنائزية.)([7])

أو هذه:

(جلست العجوز فوق جذع مجتث أمام نهر كبير، وأبيت مشاطرتها الجلوس، فقد كانت المياه راكدة سوداء، تسبح فيها كائنات غريبة، وعلى الضفة الأخرى كنت أشاهد أشباحاً وهياكل تتحرك، وتحت قدمى كنت أبصر لمعان حشرات تمرق بين أغصان واقعة، وأوراق يابسة، والمكان يسوده شخير ضفادع، وصفير.

أمسكت العجوز مسبحتها، وحركت شفتيها، وأنا واقف بجسد يضغط على قدمى فأكاد أسقط، تشدنى العجوز، فأهوى قاعداً.

نقطة ضوء وحيدة تتحرك على سطح النهر كبندول ساعة، وقوارب غارقة تطفو، ومجاديف مكسورة تغوص، وقلوع قديمة تعوم، والعجوز لا تزال تتمتم.)([8])

هذه المشاهد لا تستغرق زمنا، ولا تضيف أحداثا، بل هي وسائل لبناء الجو الغرائبي عبر وصف البيئة التي يتحرك فيها البطل.

أما الحكاية الثانية التي تروي سيرة (سالم) التاريخية فيمكن أن نجد فيها مثل هذه القطعة النصية:

(تتولى الصغيرة تربية أخيها؛ تهدهده، تجفف دموعه، تؤرجحة، تعد له الحليب، تحمله إلى العيادة، تعطيه الدواء فى مواقيته، تتعيش على ما تيسر من عطاء الأقارب وأهل الخير.

يشب الصغير، فتصحبه إلى النهر، تجلسه بجانبها، يراقب جريان الماء والأسماك، تغسل الثياب والأوانى، يحمل عنها بعض المتاع، يعودان قبل الغروب.)([9])

ففي أقل من خمسة أسطر يطوي السارد السنين الست الأولى من عمر البطل بما يدل على كثير من الحذف الزمني مع أنه يقف أحيانا وقفات مشهدية طويلة يتساوى فيها زمن السرد والزمن التاريخي كما في الحوارات بين (سالم) وحبيبته (أمل):

(-   سالم، مَنْ يصدق؟، أسبوع ويبدأ امتحان الثانوية.

-     الأيام تمر بسرعة.

-     أنا واثقة أنك ستُعوض.

-     أعوض؟

-     كن واثقا فى نفسك.

-     من أين تأتى الثقة؟

-     من إيمانك، ثم مذاكرتك.

-     سأحاول قدر استطاعتى.)([10])

وهنا يبرز الملمح الأبرز الذي يجب البحث عن دلالته الفنية، كيف يسير هذان الزمنان المتعارضان معا في نص واحد؟

 

التمثيل اللغوي للزمن:

تبدأ الرواية بالحكاية الغرائبية التي يأخذ (سالم) على عاتقه سردها بضمير (أنا)، وتبدأ العبارة الأولى في الرواية بفعل ماضٍ (خرجَتْ من بين المقابر ليلا عجوز....)، هذه الصيغة الزمنية التي تستمر حتى النهاية. غير أن الصيغة تتحول إلى (الحاضر المستمر) كلما أراد (سالم) وصف ما رآه تلك الليلة:

(أمامنا مساحات واسعة، تنتشر عليها بنايات قصيرة، يتسع بعضها ويضيق الآخر، نتحقق منها، فإذا هى مقابر، على أبوابها أعلام منكسة، ولافتات مطموسة.)([11])

ومع أن المفترض أن تدل صيغة الماضي في السرد على أحداث انقضت، يشعرنا (سالم) أنه يعيش الأحداث الآن، من خلال وصفه الآني للمشاهد، وتركيزه على التفاصيل الدقيقة، ورسم انطباعاته ومخاوفه وتوقعاته بدقة تعتمد على صيغة الاستمرار، فالوحدة (5) مثلا تنتهي بهذا السطر:

(وأصرت على المشى خلفى، فلما سكت وقع قدميها التفتُ، فلم أرها، كانت قد اختفت.)([12])

وهو مبني بتركيب لغوي يدلّ على أنه حدث منتهٍ، ولكن ما أن ننتقل إلى الوحدة المكملة التالية (7) حتى نفاجأ بالتغير اللافت في الصيغة النحوية المعبرة عن الزمن:

(أهرول فى جنبات المكان، أنادى العجوز، أتتبع آثار قدميها، أجدها منتشرة، أتحير، أحاول ثانية؛ أقتفى أثر منسأتها على الأحجار، ألمح مواضع قبضها على الرمال، أشاهد قسماتها على جذوع الأشجار، أنطلق، أبلغ بحيرة تطل من مياهها أفواه تماسيح.....)([13])

هنا مقطع مشهدي يصف الأفعال كأنها تحدث الآن بالمضارع المستمر. وهي مبنية بطريقة وجدانية تصور مخاوف (سالم) وقلقه، فهذا الحشد من الجمل الفعلية القصيرة يحاكي تلاحق أنفاسه وتشنج حركاته ودورانه في المكان المجهول، والواقع أن تعبير (سالم) عن أحاسيسه سمة تطبع الحكاية الغرائبية على امتدادها فهو يعبر عن انطباعاته في كل موقف سردي:

(أصوات مخيفة تلاحقنا، تزعق العجوز، تشيح بيدها، فتَخْفُض الأصوات. ننتهى من عبور الجسر، ونطأ مكاناً، أحس بحرارته)([14])

أما الحكاية الثانية فقد كتبت بطريقة مخالفة تماما في تعاملها مع الزمن، فالراوي فيها مجهول، فضلا عن كونه كلي العلم. وكان يستخدم صيغتين غالبتين لعرض الأحداث زمنيا، فهو يستخدم الحاضر المستمر للتعبير عن الحدث الذي يتصف بصفة الفرادة، أو أنه يحدث مرة واحدة فقط:

(تتوالى صرخات الأم فوق الفراش، والطبيب يحاول إخراج الوليد، ترتفع الأكف بالدعاء، وتخفق القلوب بالأمنيات، ويطول الانتظار.)([15])

هذه هي الجملة الافتتاحية في الوحدة السردية (2) التي تبدأ بها الحكاية التي تعرض فيها سيرة البطل (سالم) الواقعية. ومع أنها تصور لحظات ولادته رواها السارد مستخدما زمنا نحويا يعبر عن الحاضر المستمر، كأن الأحداث تحدث الآن، ومن المهم أن نلاحظ الكثرة النسبية للصيغ الفعلية في عبارات الراوي، وهذا مردّه إلى أنه يريد حشد أكبر عدد من الأحداث بأقل ما يمكن من الكلمات ليتمكن من اختصار سيرة شخصية الرواية.

لكن المفارقة الزمنية تحدث حين يستخدم الراوي صيغة الماضي المطلق، أحيانا، لوصف بعض الأحداث التي تقع بعد هذا الحدث بسنين، مثل:

(حكت أمل لأمها كل شئ عن سالم، وعن ظروفه، فكانت أمها تغتنم كل مناسبة لتقدم ما يعينه على المعيشة ومتطلبات الدراسة، فتقبل أخته بعد رفض ومجادلات.)([16])

أما حين يريد وصف الأحداث التي كانت متكررة في مراحل من حياة البطل، وهي كثيرة لأنها تصف الروتين الذي كان يرتب به حياته في كل مرحلة، فكان يعبر عنها بصيغة الماضي المستمر التي تبنى من:

كان + فعل مضارع:

(كان الصغير مشدودا لطابور الصباح، ينصت لإذاعة المدرسة، ويؤدى التمارين بقوة، ويهتف للعلم بثبات، ويردد – مع زملائه – النشيد بحماس.

وكانت أمل – رفيقة فصله – تتابعه، وتضع يدها على فمها وتضحك، فلا يلتفت، وتدفعه بكتفها، فلا يتحرك.)([17])

لنا أن نلاحظ ماذا فعلت (كان) هنا، فهي تقوم بعملية تحويل كلي للصيغ الزمنية في الجملة كاملة لتصبح دلالتها واضحة على حدث (كان) يتكرر حدوثه في (الماضي).

إن الذي سنصل إليه من عملية إحصائية بسيطة نتيجة تنطوي على مفارقة تحتاج إلى تفسير يكشف دلالتها. فبينما يروي (سالم) بنفسه حكايته الغرائبية، يغلب على لغته استعمال الأفعال الماضية. أما الحكاية الواقعية التي يرويها الراوي العليم، ويفترض أنه شهدها كلها، فيغلب على اللغة فيها استخدام الأفعال المضارعة التي تدل على الحاضر أو الدوام.

 

موقع الراوي في الحكايتين:

واحد من أهم مصادر التشكيل الجمالي في القصة والرواية موقع الراوي.  من أين كان ينظر للأحداث؟ وما علاقته بها؟ وكم هي المسافة المكانية والزمانية التي تفصل بينه وبينها؟ وما موقفه من تلك الأحداث والشخصيات التي تصنعها؟ وإجابة مثل هذه الأسئلة كفيلة بالكشف عن الكثير من مغاليق النص السردي.

وفي (النفق) يبدو أن ثمة موقف فلسفي يتحكم ببناء موقع الراوي في الحكايتين المتوازيتين. وحتى نتمكن من اكتناه ذلك الموقف نحاول استجلاء أبرز السمات اللغوية التي يستخدمها كل من الراويين.

في الحكاية الغرائبية التي يأخذ فيها سالم بزمام السرد يستخدم لغة تشي باستسلامه التام إلى هذا الفضاء الذي وجد نفسه فيه فجأة ليتحول إلى محض عين راصدة مليئة بالذهول بينما يسلم قياده تماما إلى العجوز التي تقوده طوال الطريق:

(خرجتْ من بين الصخور ثعابين كثيرة، شكلت كتلاً ملفوفة، رمادية، وبنية، وخضراء.

-     لا ترتعد، فلن تصيبك بشئ.

زحف – من فوق صخرة – ثعبان ضخم، انقض على فريسة، عصرها، ضربت الفريسة الأرض بأرجلها، وحاولت أن تخلص جسدها، لكن العصر كان أقوى، فبدأت حركاتها تهدأ، إلى أن شُلَّتْ، ففتح الثعبان فمه والتهمها.)

لا نكاد نجد هنا أي فعل حقيقي مسند إلى (سالم)، بل أن الفعل كله للفضاء المحيط به، وهذه ظاهرة مضطردة على امتداد الحكاية الغرائبية، الراوي (سالم) فاقد الإرادة تماما.

وفي المرات القليلة التي يسند فيه الفعل إلى نفسه نراه يركز على وصف أحاسيسه الداخلية ويصور الفضاء الروائي كما يراه هو من خلال ردود أفعاله النفسية.

(أتقيأ، ويسيل عرقى، وتبرد أطرافى، فتصيح العجوز صيحة يتردد صداها طويلاً، وتعقبها بصيحات وصيحات، فيظهر – من بعيد – قارب يشق ركود النهر، ويتجه نحونا، تسندنى العجوز، وتحمل عنى الجوال، تدعونى مبتسمة فأخطو معها، تتقدم، فأقاوم التعثر، تعطينى منسأتها فأتوكأ عليها، تشجعنى فأرمى بنفسى فى القارب، تمسح على رأسى فتهدأ أنفاسى، تربت على يدى فيخف إعيائى.)

في هذا المقطع القصير يمكن ملاحظة طبيعة اللغة، فكل الأفعال التي يسندها (سالم) إلى نفسه أفعال داخلية تصور استجابته الشعورية لما حوله، بينما تشتغل الأفعال التي تسند إلى العجوز على الفضاء الخارجي فهي التي تؤثر فيه. ومرة أخرى لا تعني هذه التراكيب النحوية سوى الاستسلام التام لأفعال الكون الروائي والانفعال بها.

أما الحكاية الواقعية التي تروى بتقنية الراوي العليم وتركز على سيرة (سالم)، فيبدو فيها هو محور الأحداث الواقع في بؤرة السرد على امتداد النص. ويظهر شخصية مفعمة بالحيوية والإرادة الصلبة والجلد والصبر في المحن، ففي طفولته يترك الكتاب بإرادته وينتظم في المدرسة الحكومية، ورغم الفقر المدقع لا يتخلى عن طموحاته وبإرادته يختار كلية الآداب ثم العمل في الصحافة، بإرادته يضحي بعمله من أجل مواقفه السياسية، وبإرادته يخلص لزوجته ورفيقة دربه (أمل):

(كان سالم يجلس أمام كاميرات إحدى القنوات الفضائية، ليشرح وجهة نظره فى أول كتاب يصدر له، عَنْوَنَه بـ "غياب القوة .. الأسباب والنتائج".

وكانت أمل قد نشرت نبأ استضافته – لأول مرة – بالتلفاز، فحرص الجميع على متابعته.

وجلست أمل أمام الشاشة تنصت إليه، وكلما سكت)

وهنا مفارقة أخرى تواجه قارئ (النفق) فبينما تروى الحكاية الغرائبية بضمير المتكلم الذي يحكي حكايته نجده مستسلما فاقد الإرادة، فحين يتحول إلى محور السرد وموجه الأحداث في الحكاية الأخرى التي تروى بضمير الغائب وتقنية الراوي العليم.

 

مرجعيات الحكاية الغرائبية:

تبدو الحكاية الواقعية غاية في البناء التقليدي، خالية من الإحالات والرموز، فهي ليست أكثر من رواية سيرة تاريخية واقعية بأبسط الأشكال.  في حين تمتلئ الحكاية الغرائبية بالصور الملغزة التي تحيل على كثير من المرجعيات. وربما يخطر في البال أولا كوميديا دانتي الإلهية، فالكثير من مشاهد (النفق) تقترب اقترابا كبيرا من مشاهد الجحيم عند دانتي كما في هذا النص القصير الذي يبين مدى التشابه بين البيئتين:

(رأى دانتي فوق البرج العالي ثلاث جنيات جهنميات، تجمعن بين صفات الطير والنساء، وقد تعلقت بهن الأفاعي، وأخذن يمزقن صدورهن بالأظفار ويلطمن أنفسهن بالأكف، وحاولن استدعاء ميدوزا لكي تحول دانتي إلى حجر حال رؤيته إياها، ولكن فرجيليو أداره إلى الوراء وأغمض عينيه وأنقذه من الخطر، وسمع دانتي دوي تكسر رهيب اهتز له شاطئا المستنقع).([18])

النساء الغريبات والأفاعي والمستنقع من المفردات المهيمنة في الحكاية الغرائبية في (النفق).

 

أما الإحالة الأخرى التي يمكن أن تكون مرجعية مهمة للرواية فهي قصة الإسراء والمعراج، فمن الواضح أن العجوز لعبت دور القيادة في هذا الفضاء الغرائبي كما فعل (جبرئيل)، فضلا عن التشابه الشعوري في المشاهد التي مر بها (سالم) أثناء رحلته صحبة العجوز، فهذا الحديث مثلا:

(ورأى عليه الصلاة والسلام .. امرأة عجوز.. حاسرة عن ذراعيها .. عليها من كل زينة .. فلما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها .. قال جبرئيل هذه الدنيا)([19]).

تقترب منه هذه الصورة في (النفق):

(تظهر امرأة سوداء الوجه، شعثاء الرأس، حمراء العين، كريهة الملبس، تتزين بحلى، وتحمل طعاماً، تقدمه إلىّ، ألتقطه، تصيح العجوز:

-     لا تأكله ...)

غير أن الإحالات اللافتة الأبرز هي تلك التي تتعلق بالقرآن الكريم، وقد وظفت بشكلين، أولهما استيحاء الصور القرآنية المتعلقة بيوم القيامة، مثل:

(نشاهد أراضٍ خربة، ومستنقعات عكرة، ونساءً حوامل لا تلدن، وأخريات لا يرضعن، وأثداء تقطر دماً، وأجنة نبذتها أرحام قبل موعدها.)

فهذا توظيف واضح للآية الكريمة:

(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)([20])

أما الشكل الثاني لتوظيف الإحالة القرآنية فهو محاكاة لغة بعض الصور التي تصف يوم القيامة:

(أعلام خافقة ولوحات شاجبة، صيحات مبحوحة وتشنجات غاضبة، إطارات مشتعلة وآهات مكظومة.)

فهذا الوصف يشبه من حيث التركيب اللغوي ما جاء في الآيات الكريمة:

(فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ{12} فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ{13} وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ{14} وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ{15} وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ{16})([21])

والواقع أن الإحالات القرآنية وتلك  ذات العلاقة بقصة المعراج قادرة على فك رموز البنية السردية لرواية (النفق). فالفضاء الغرائبي الذي ترسمه حكاية (سالم) وقائدته العجوز يمكن أن تكون صورة لما يحدث لحظة (البعث) كما صورها القرآن الكريم، فخروج (سالم) من المقابر ليلا في أول الرواية مستوحى من الآية:

{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ }([22])

أو الآية:

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ }([23])

والخراب الذي يذهل (سالم) على امتداد الحكاية الغرائبية يمكن أن يكون مستوحى من الآيتين:

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً{7} وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً{8})([24])

 

المفارقة الزمنية بين الحكايتين:

إذا فهمنا الحكاية الغرائبية في (النفق) على أنها تصوير للحياة البرزخية على وفق المرجعيات التي أشرنا إليها، فهذه المرجعيات ذاتها يمكنها تفسير المفارقة الزمنية بين الحكايتين.وكما قلنا في البداية تمتد كل من الحكايتين على مساحة ورقية مقاربة للأخرى، في حين تحدث الحكاية الغرائبية في يوم واحد وتستغرق حكاية حياة (سالم) عشرات السنين. ويمكن حل هذه المفارقة في ضوء الآية الكريمة:

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }([25])

فالرواية تستوحي هذه الفكرة النسبية لتجعل يوما برزخيا واحدا مقابل حياة (سالم) كلها.

 

الجوال (مفتاح النص):

على امتداد الحكاية الغرائبية ينوء (سالم) بحمل جوال أتعبه كثيرا وهو يخوض برفقة العجوز تلك الأهوال المرعبة. وكان حريصا على أن لا يفارقه ولا يفرط به. لكن القارئ لا يعلم ما سر هذا الجوال حتىالصفحة ما قبل الأخيرة في الرواية حين يصل (سالم) النفق وتفارقه العجوز بعد آخر حوار بينهما:

(-أعرف أن الجوال قد أجهدك يا سالم.

-     رُفات أمل تستحق يا خالة.

-     ها هو النفق، خطوات ونبلغه.

كان النفق أُسطوانيا حالكا.)

 

وحين يدخل النفق:

(حين اجتزتُ النفق وجدتُ سلمى وابنها سالم، وآمال ابنتى، وكأنهم فى انتظارى.

-     أين أمى يا أبى؟

ضممت الجوال، ونظرت إلى مقبرة كنتُ قد شيدتها:

-     لقد عادت من سفرها، وستكون معنا.)

 

هكذا يتضح أن الحكاية الغرائبية ليست سوى يوم (سالم) البرزخي الأول، وقد عاش عمرا طويلا بعد وفاة زوجته (آمال)، ولذلك فهي في صورة (رفاة).

 

خاتمة:

تصور البنية الشكلية للرواية فلسفة محددة فيما يختص بمفهوم الحياة والموت. فالموت هو الحقيقة المؤكدة، ولذلك كتبت بضمير المتكلم الخاضع لها المستسلم لإرادتها. أما الحياة فهي خدعة قصيرة الأجل يظن الإنسان فيها أنه يملك إرادته بينما تتحكم به الأقدار التي تمثلت في الرواية بالراوي العليم الذي حكى حياة (سالم).

 

د.ثائر العذاري

العراق

 



([1]) نفسه: 7

([2]) نفسه:8

([3]) نفسه:15

([4]) يشير بول ريكور إلى أنماط متعددة من الزمن تؤدي إلى التباس مفهومه كالزمن النفسي وزمن السرد وزمن الحكاية والزمن التاريخي. ينظر الزمان والسرد، بول ريكور:ترجمة سعيد الغانمي، دار الكتاب المتحدة، بيروت، 2006، 3/16 وما بعدها

([5]) يتوسع جنيت في المفارقات الزمنية التي تحدث بين المبنى الحكائي والمتن الحكائي في:

خطاب الحكاية بحث في المنهج، جيرار جنيت: ترجمة محمد معتصم وآخرين، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997، 45-99

([6]) حول مفهومي الوقفة والحذف ينظر:

بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، د.حميد لحمداني: المركز الثقافي العربي، بيروت، 1991، 75

([7]) النفق: 34

([8]) نفسه: 41

([9]) نفسه: 13

([10]) نفسه:24

([11]) نفسه:49

([12]) نفسه:28

([13]) نفسه: 33

([14]) نفسه:59

([15]) نفسه:11

([16]) نفسه:23

([17]) نفسه:22

([18]) الكوميديا الإلهية-الجحيم، دانتي اليجييري: ترجمة حسن عثمان، دار المعارف، مصر، ط3، ص127

([19]) المعجزة الكبرى – الإسراء والمعراج، محمد متولي الشعراوي: قطاع الثقافة، مصر، ط4، 1997، ص99

([20]) الحج 2

([21]) الغاشية الآيات

([22]) الحج 7

([23])يس 51

([24]) الكهف

([25]) الحج 47

 



([1]) النفق، محمود قنديل:الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2326 الأحد  13 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2322 المصادف: 2013-01-13 15:36:23