المثقف - قراءات نقدية

الرؤية الدرامية لمعنى التاريخ في مسرحيات صباح الأنباري

saleh alrazukتتوفر في مسرحيات صباح الأنباري رؤية من عدة طبقات لدراما التاريخ،

وهي رؤية سردية محدودة. بمعنى أن اعتمادها على السرد وقانون السببية له حدود يفرضها النوع وتحت النوع. هل هي مسرحية صامتة أم ناطقة، وهل تتألف من مشهد واحد أو عدة مشاهد، وإلى أي حد تعتمد على المحاكاة الأرسطية أو تخيلات وأوهام عصر العواطف النبيلة الخاصة!!؟.

ولكن منذ البداية يجب أن نتفق أنه لا يفهم المسألة على أنها مدونات تاريخية، بل استفادة من العبر التي تنطوي عليها التجارب السابقة.. فالتاريخ بنظره أحداث ممكنة وليس بالضرورة ما جرى فعلا. ولئن كان هذا هو ديدن جرجي زيدان في سلسلته المعروفة ( روايات تاريخ الإسلام )، فهو يختلف عنه بطريقة صياغته للشخصيات. إنه لا يقترض منها غير الاسم، أما الملابسات ونظام التفكير فهو معدل، وأحيانا يتطور بالمقلوب، حيث أن الظالم يأخذ دور رجل عادل، والرزين يتصرف بطيش وجنون ( 1). 

بشكل عام يرى صباح الأنباري أن المرء يعرف تاريخه جيدا، ولذلك يستطيع أن يفهم نفسه على ضوئه بشكل مفصل ( 2)، وهكذا يمكن تصنيف مقاربته للتاريخ في أربعة خطوط عريضة.

الأول يعتمد بشكل واضح على استعارات وإسقاطات إما من الماضي أو من التراث الشعبي أو ملاحم وأساطير هذه المنطقة. ولكن لا يمكن ربط ذلك بحدود جيو - سياسية، وإنما بفضاء ذهن فلسفي. الأمر الذي يعني ضمنا أنه بعيد عن الرؤية التجريدية لأهل المشرق، وأقرب ما يكون للتبشير بإعادة صياغة لفلسفة وخرافة المشرق، وعلى وجه الخصوص بلاد الرافدين. وينطبق ذلك تماما على رؤيته الذهنية لتاريخ الأكاديين والآشوريين وملوكهم الذين اشترك التاريخ في صياغتهم مع تخيلات وأوهام المنقبين الأجانب.

لقد كانت حضارات بلاد الرافدين، في حينه، ذات أمجاد ومعارف إنسانية، ووضعت الأساس لأول دستور في التاريخ، لكن المسرحيات اهتمت بنصف الحقيقة ، بالجانب المظلم فقط، والحزين والبطريركي. وبمسألة القهر واللاعدل والأوليغارشية. 

ولم تكن الميثولوجيا بأبعاد محلية، ولكن ضمن شروط إنتاج تعرّف، وربما إعادة تركيب. وهذا يضع رؤية صباح الأنباري على المحك، تماما مثلما كنا نضع تراث عبدالسلام العجيلي في دائرة الإضاءة، باعتبار أنه يرسم صورة تفصيلية للأخلاق البدوية في فضاء متوسطي.

ولذلك من الصعوبة بمكان فرز مثل هذه العناصر، ثم ردها إلى خلفياتها.. ما هو أصيل، وما هو مكتسب ومضاف وإمبريقي.

وغني عن القول، أنه استفاد من هذه القراءة السلبية ليتحدث عن مفاسد وسقوط هذه المرحلة من التاريخ، بأسلوب الاستبدال والتحويل المعروف في علم النفس. لأن مثل هذا الأسلوب هو أفضل طريقة للتهرب من فروض الرقابة، ومن منطق الفكر السياسي الشمولي الذي يستوجب على التاريخ قراءة وعظية. أو لنقل قراءة تخدم بروباغاندا وإيديولوجيا الأدوات المهيمنة.

إن طبيعة الموضوعات، التي يعالجها صباح الأنباري، محرجة. وهي تميل دائما لتفكيك المقولة وليس لتبريرها، وتحمل نبرة نضالية تبشر برسالة من أهم العناصر فيها: الدعوة للحرية والمساواة والعدالة والتصدي للاتكالية والطغيان . ولذلك إن أكبر عدد من شخصياته ملوك جبابرة ومخبرون سريون ومحققون وهلم جرا ( 3 )، وأهم موضوعاته مساوئ الإرادة الإلهية في القيادة ( 4).

ويميل النمط - الذهن الثاني لفن السيرة، والذي له أيضا قراءة أسلوب - تاريخ.

فإذا كانت الأحداث التاريخية تتطور وفق رؤية استرجاع، إن السيرة تتطور وفق رؤية مشاهدة. وكما يقول في كتابه المتميز ( المكان ودلالته ) يمكن للسيرة الذاتية أن تكون حول مكان- ذات، ولا سيما إذا كان للبيئة دور مؤثر في صياغة مكونات الشخصية، وتوجيه نظام حياتها وهويتها ( 5). وقد يتحول المكان إلى صورة عن الشخص إلى أن تذوب الفوارق بين العاقل وغير العاقل. وهذا لا يفترض الانضواء تحت راية عواطف ونوستالجيا الذاكرة ( 6). وإنما غالبا ما يستند باهتماماته على أرض نفس - اجتماعية، ولا تهتم بالجماعات والشعوب ولكن بالأفراد. ولا بصناعة الدروس الملحمية لفكرة الذهن التاريخي، وإنما بالحياة والمعاناة المحسوسة. 

ولكنه يعمم الحالات الفردية لتكون متجانسة مع التوجه العام لخط الأحداث، أو ما يقول عنه برغسون: المتوالية التاريخية. ولذلك تبدو معظم مسرحياته مشابهة لتركيب وتكوين القصة. حتى أن المونودراما لديه تكاد تنافس قصة تيار الشعور بمونولوجيتها واهتمامها بالفكرة وهي تتحول داخل الذهن لصور وأفعال. إن هذا الشكل من المناجاة الدرامية يكاد يكرر ما فعله منعطف الحداثة الأول في الستينات، ولا سيما في أهم نصوصه ومنها غادة السمان في ( ليل الغرباء) و( لا بحر في بيروت)، حيث أن الفكرة تتطور من الخارج الى الداخل، ومن المحسوس إلى الوجدان. مع فارق واحد.. أن الهموم ليست فردية ومتناقضة مع الاتجاه العام للمرحلة، ولكنها هموم ذات - مجتمع، وفي إطار المعطيات المفروضة من المؤثر الخارجي. كانت غادة السمان تنظر بعين الشك والريبة لجوهر القضية كلها، وترفضها من غير استثناء واحد، بينما احتفظ صباح الأنباري بحقه في فرز الخطأ من الصواب.

وهذا هو الفرق بين الأسلوبين. وهو بنفس حجم الفرق الذي يباعد ما بين الأطروحة ونقيضها، وما بين إنتاج المسببات والتأثر بها. ألم تنقسم شخصيات مسرحيته الشيقة والأخاذة ( ليلة انفلاق الزمن -7) إلى مرايا متعاكسة. لقد كان هذا الانقسام في الواقع شكلا من أشكال عكس - فرضية هيدغر عن ( الوجود هناك - أو الوجود المتعين كما يقول جون ماكوري - 8 ). وهو التعبير الكنائي عن طبيعة الواقع المتناقض مع نفسه، والمتحول والنسبي، والذي يحتمل الحقيقة وضدها في نفس اللحظة. إنه تهديم لجوهرنا البشري من ناحية الإرادة، وتوسيع للحاجز النفسي بين الأصل ونسخه المتكررة في الزمن الضائع. 

ولذلك غالبا ما حاول صباح الأنباري أن يقترض لهذه الشخوص أقنعة غريبة. ولنأخذ العبارة على سبيل المجاز.

إنه مع التأكيد على تعريف وألفة مثل تلك الشخصيات، الحاملة للمشكلة الدرامية ولفكرة المسرحية ذاتها، من المفروض عليها أن تأتي من فوق النسق بدلالة الواقع مع لمسات من ظواهر فوق طبيعية.  فهي تخترق جدار الواقع والممكن، أحيانا، ومن ذلك جدار الزمن. وبنفس المنحى المعروف عن جي إتش ويلز مؤلف ( آلة الزمن )، وهذا هو بالضبط ما يربطها بتاريخيتها أو بجدواها التاريخية. ولذلك تتحول الشخصيات إلى حاضن لفكرة، ولا سيما إذا كانت مشهورة ( مثل محي الدين زنكنة ومظفر النواب وبلاسم الضاحي وسفيان الخزرجي...). وتكون من غير شكل نهائي، وتعكس طريقة رؤيتنا للأخلاق والسلوك والعيوب التي تسبب الفوضى والانحطاط وازدواجية الأصل والنسخة، أو بلغة مباشرة: الحقيقي والمزيف. 

ومن هذه النقطة يتفرع النمط الثالث، وبتعبير أدق، يتمفصل معها. وهو خاص بقراءة مرحلية لوجوه اشتركت في دفع عجلة التاريخ وإعادة صياغته، أو لقراءة فكرة وأحيانا فلسفة تحكمت بصناعة الأحداث. وإذا كانت هذه النصوص قليلة من ناحية العدد، فهي مهمة من ناحية النوع، لأنها ضمن مجمل أعمال مسرح صباح الأنباري، أقرب ما تكون لأزمة مسقط رأسه ( العراق بحدوده السياسية الحالية). ولذلك يستخدم عبارات ترتبط بالذهن المعاصر وبسوق الأفكار السياسية الدارجة. ومنها الوطن، الإعاقة، التشاؤم القهري، حق العودة وغيرها. وتمتاز هذه النصوص أنها ذات أنفاس مجددة، بتراكيبها ولغتها وبأسلوب تحليلها العميق والهادئ وبتجريد الأفكار وتحويلها إلى رموز تدل على حساسيتنا مع التاريخ. فالبطل يمكن أن يكون الكرسي أو الشجرة، أو أي رمز آخر له صفة الديمومة. والفضاء العام يمكن أن يكون معتما أو موحشا.

وأغتنم الفرصة لأؤكد أنه حتى في هذا التحليل لواقع الحال، لا يتوانى عن التعميم والتجريد، فيستخدم مفردات ذات صفة شاملة مثل الأمة وليس الشعب، والغزاة وليس المستعمر ( 9).

إنها على أية حال صورة معاكسة لمسرحياته عن العهود الغابرة، التي تركز على الحوض المعرفي ومشكلاته، وتصب اهتمامها على الواقع السياسي المعاصر، ثم على مشكلة السلطة بصورة قيمة مستقلة بحد ذاتها.

أما النمط الرابع والأخير، فهو أشبه بلعبة مسرح داخل المسرح. وهذا يضعه في مرتبة حكاية فرعية. ولذلك يمرر النص خطابه من خلال شخصيات الصف الثاني، وهي التي تعبر عن رأي الكاتب. من ذلك التعليمات التي تأتي بين قوسين ( وتكون موجهة للمخرج والممثل) وليس المشاهد ولا القارئ ( 10)  أو الراوي ( 11) حيث أنه، وهو يعمل على تطوير مونولوجه أمام المستمعين،  لا يتورع عن تقديم إشارات، بشكل لمحات سريعة، لجزئيات عامة من التاريخ الشفهي وأحيانا المكتوب، لتفسير مشاعر الرهبة والشفقة والرغبة بالبقاء. 

وضمنيا نستطيع أن نقول إنه ( باللاشعور) يعمل على إعادة تأويل بعض القصص الديني كما وردت في التوراة وفي القرآن الكريم ، وبمنطق بداهة بشرية عامة. من ذلك قصة الولادة في الماء، أو إعادة تركيب الآية المعروفة ( وجعلنا من الماء كل شيء حي). وهذا يرتبط، كما نعلم، بمشكلة إلقاء الصبي موسى عليه السلام في تيار المياه الجارف. وكذلك بطقوس التعميد عند المسيحيين.

وهناك أيضا إشارات تكررت في مواضع ومسرحيات متفرقة على رأسها صراع قابيل وهابيل (  12)، والصورة التوراتية ( وعلى وجه الأرض غمر) التي يوازيها طوفان نوح، والتفاحة رمز الشجرة المحرمة التي ترادف معنى الخطيئة الأصلية، وغير ذلك. وهي كلها من وزن الأنماط البدئية archetype التي تعبر برأي الأستاذ ليسلي فيدلر عن ثنائية ( الحب والموت). إنها تاريخية بمقدار ما هو تطور النفس البشرية يعبر عن تطور الحضارة مع تراكم الخبرات. 

ففي رمز التفاحة مثلا، تبدأ المسرحية بصورة إنسان يركب تفاحة، ويهبط من سقف المسرح، وكأن هذه الثمرة هي مصعد أو سفينة فضاء. المهم أنها أداة للهبوط وليس الصعود. وبذلك يكون صباح الأنباري قد نافس الحكاية الخيالية الشائعة عن آينشتاين وكيف فكر بقانون الجاذبية. إنه نوع من التركيب للحاضر الصناعي مع الماضي الذهني والمتخيل لأصل البشر. 

وإن كانت هذه الإشارات العابرة ليست نصوصا بالمعنى المتعارف عليه، ولا تقدم لنا مسرحا مرئيا، ولا نصا له حدود واضحة، فهي تقرّب البعيد، وتفتح الباب أمام القارئ ليضيف إلى المعنى المباشر التأويل النفسي. إنها إشارات داعمة تسهل توسيع المعنى وتوصيل الدرس المسرحي بأقصر طريق. فالقصة إذا كانت معروفة تغني الأحداث غير المعروفة برموزيتها وما تحمله من صور وتخيلات ودلالة تطورت عبر التاريخ وبأشكال متنوعة وطبقات عديدة. وهي تضيف للعبث الذي تنطوي عليه مفارقات الواقع غير المعقول نوعا من العقلانية والحبكة، وربما التهدئة. إن مثل هذه الإشارات التي لها جذور حكائية، وحيثيات سارد ومسرود، قد تأتى وصولها إلينا بالتعاقب، من فترة أقدم لفترة أحدث، وهذا هو جوهر فكرة تاريخية الذهن وتصوراته. وهو مبدأ الدراما ذاته، بعد أن تعرض لشيء من التحوير بضغوط مباشرة من ضرورات التحديث.

ولمزيد من التوضيح يمكن أن نأخذ روايات د هـ لورنس على سبيل المثال. مع أنه لا يكتب عن التاريخ ولا يعيد قراءة قصص الكتاب المقدس، فهو يبني على ذلك. ومن المعروف أن أهم أعماله تتقاطع مع التوجه الأخلاقي للتوراة، وهكذا يقدم إنارة من الداخل لرواسب تربيتنا التاريخية في اللاشعور. وإذا كانت هذه الرؤية لا تكفي لتدخل في عداد أعمال تاريخية واضحة مثل الرومانسيات التي تعتمد على المبالغة في وصف المخاطر وقصص الحب المعروفة، فهي تقدم أرضا مشتركة لمناقشة ما نختلف حوله، وفي إطار ثقافة موحدة هي مجمل لخبرة الإنسان مع تجارب الماضي ودروسه. وبتعبير بيتر بريستون: إن تأكيد أو تفسير حضور الكتاب المقدس وخطابه في جزئيات من كتابات لورنس ليس موضوعا مباشرا، ولا يمكن أن تجد اقتباسات محسوسة لديه، ومع ذلك فهو متأثر بروح ورؤية العهد القديم (13).

وأفترض أن نهاية رواية ( العذراء والغجري) للورنس هي إعادة انتاج لصورة الطوفان التي تكررت في كل الكتب المقدسة، علاوة على ملحمة جلجامش. حيث أن البيت يحل محل السفينة، والبنت والغجري يرمزان لإرادة البقاء (14).  وأعتقد أن أدبيات تفسير تلك الحادثة لم تحسن التأثير في خيال القارئ كما فعل لورنس. وينطبق نفس القول على مشكلة التفاحة والخطيئة الأولى التي أعاد صياغتها صباح الأنباري في إحدى مسرحياته في جو من الغرابة، أو لنقل تجاوزا بتأثير من الخيال العلمي. حيث أنه دمج في سياق واحد صورة سفن الفضاء مع التفاحة المحرمة، اللامتناهي مع المتناهي، التفسير الأسطوري وربما الديني لفجر البشرية مع التفسير البراغماتي والتجريبي. وهكذا كان التحريض يلعب بمستويين: التذكير والتأويل. أو بالترابط مع نصوص سابقة لها حضور في الجانب الروحي من شخصيتنا الاجتماعية، وبالترابط أيضا مع محصلة الذاكرة الشعبية في تأويلها لنشاط المخيلة. 

باختصار يمكن أن نرى في هذه الإشارات العابرة مهادا لفكرة العمل المسرحي، وليس شكلا أو مضمونا له. فهي تاريخية من وجهة نظر المصادر، وتقدم وسيلة مساعدة لشرح أهداف النص. وإذا كان شكل السرد التاريخي ليس حاسما، دائما يمكن أن نلاحظ كيف تتطور في الخلفية الفكرة الروحية لحكايتنا مع التاريخ. 

***

وأعتقد أن لصباح الأنباري رؤية " شمالية"  في تأويل التاريخ المحلي، وتقترب كثيرا من نشاط تعريب الفن والتاريخ، وليس في ربطه بدولاب صياغة الأعراق فنيا. فهو ذو ميول غير انتروبولوجية على الإطلاق. ويمكن العودة لنصه ( تجليات في ملكوت الموسيقى-  15) للتدليل على ذلك.

لا شك أن عددا من رواد الصف الأول في المسرح العربي لا يلتزمون بالرؤية العرقية لفن الدراما، ولا بعروبية المسرح، ولا تتوفر لديهم قناعات بوجود أصول محتملة وبدايات لهذا الفن الغربي المستورد المولود على يد اليونان، والذي طور الرومان رؤيته الاجتماعية ومفهومه لفلسفة الصراع، ولا سيما الجانب الديالكتيكي منه. ولكن نحن نستطيع أن نربط نصوصهم برؤية محلية لها عدة نوافذ على الهم الإنساني ووجدانياته العامة. وأذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، نماذج قديمة نسبيا لألفريد فرج، ثم نماذج أقرب لروح هذه المرحلة لسعدالله ونوس.

غير أن معظم مسرحيات صباح الأنباري تبدو أقرب لمفهومنا عن النص العالمي. فهي يمكن أن تحصل على خشبة أي مسرح وفوق أي أرض في العالم، ويمكن أن نعبر عنها بأية لغة. فالشخصيات تجريدية والخطاب يعاني من ضغط الاستلاب الوجداني، وهذا يفترض حكما تعميم هوية الشخصيات وإلغاء النعوت والارتباطات الدقيقة. حتى أن الأسماء تدل على نوع وصنف، وهي ليست أسماء علم.

وحتى أن مختاراته للموسيقا التصويرية هي مقتطفات من الموسيقا العالمية والباليه (16)، ومقتبسة من كونشرتات وسوناتات لبيتهوفن وشوبان ... إلخ. ويضاف لذلك الاقتباسات المتكررة من عيون الأدب العالمي كالأخوة كرامازوف وذهب مع الريح وسواها...

 والحق يقال إنه يلزم، لتحقيق معظم هذه النصوص، توظيف تقنيات وحيل فنية خاصة. وهذا لا يعبر عن اغتراب فقط، ولكن عن إحساس عميق بالتوابع الناجمة عن مشكلة العنف والقسوة في المجتمع البديل، ومشكلة الحدود التي ينتهي عندها العقل ويبدأ منها التصور. وهذا ينسجم مع تعارضات الكتابة في المنفى والتباس مفهوم الهوية حين يتعرض الذهن لامتحان وجود أو لا وجود. ويبدو أن صباح الأنباري يعتقد (مع سعدي يوسف الذي يفكر بعقل ابن البلد ويكتب بذهن المهاجر والمغترب) أنه لا يمكن للإنسان أن يكون منفيا، طالما هو مقيم على الأرض في فترة معينة من التاريخ. وطريقة الكتابة هي التي تسرّع هذا النوع من الوعي المكتسب (17). فأخلاق الشكر والعرفان للبيئة الحاضنة، لا تفرض نفسها فقط، ولكنها تتحول إلى جزء لا يتجزأ من الشخصية.  

وهكذا تتحرك، مثل هذه القراءة للواقع، ضمن رؤية إنسانية، من غير كبت شخصاني أو شوفينية قومية أو بارانويا تمجيد الأوطان ونضال الإيديولوجيات المحرومة من القيم الخاصة بالأفراد.

ولئن كان ذلك يبرئ هذه النصوص من عيوب المزاودة المجانية فهو لا يلغي ارتباطاتها وانتماءها، ولا حساسيتها بالمعنى التراجيدي المحزن لانكسار شعب أو لعذاب أمة تعاني من مساوئ أسلوبية وبلاغية في تفسير دراما الأحداث واتجاه تطويرها.

 

صالح الرزوق

كانون الثاني - 2013. 

 

.....................

هوامش: 

1- منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق. 2001. وهي مسرحية من العيار الثقيل، وإضافة للمسرح العربي المعاصر من ناحية بناء الشخصيات المعروفة ثم إعادة تقديمها.

2- انظر مونودراما ( مذكرات كرسي)، 2013. المصدر مراسلات شخصية.

3- انظر مسرحيته الصامتة والشفافة : عندما يرقص الأطفال، ونصها الناطق الموازي الذي له نفس العنوان ، ص166- كتاب الصوامت. منشورات دار التكوين . دمشق. 2012.

4- مذكرات كرسي، 2013- مصدر النص مراسلات خاصة مع الكاتب.

5- المكان ودلالته الجمالية في شعر شيركو بيكس. صباح الأنباري. دار نينوى. دمشق. 2011. ص 13.

6- انظر: Dacca Dreams لـ Ali Sethi منشورة في النيويورك تايمز، عدد 11-1-2013. وهي مذكرات روائية للكاتب عن صباه في بنغلاديش.

7- منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق. 2001. مصدر سابق.

8- ص91- الوجودية. عالم المعرفة- 1982. ترجمة إمام عبدالفتاح إمام.

9- انظر المونودراما: مذكرات سدرة في ساحة الأمة. 2013. المصدر مراسلات شخصية مع الكاتب.

10- كما هو الحال في ( أزمة صاحب القداسة). ص 132- كتاب الصوامت. مصدر سابق.

11-  مذكرات كرسي، 2013- مصدر سابق.

12- مسرحية متوالية الدم الصماء. ص74- كتاب الصوامت. مصدر سابق.

13- انظر بخصوص ذلك مؤلفات بيتر بريستون، معاون مدير مركز لورنس في جامعة نوتنغهام سابقا. المصدر : مراسلات شخصية معه، من ضمنها نقاش مختصر لمحاضرة ألقاها بعنوان : مستحما في كلمات الرب - الإنجيل ولورنس. وهي نواة لبحث كان يعده للنشر في مجلة فرنسية.

14- إشارة لمسألة من كل زوج إثنين.

15- ص 138- كتاب الصوامت. مصدر سابق.

16- مسرحية طير البرق المهاجر. 2013- المصدر مراسلات شخصية.

17- راح الوطن، راح المنفى. منشورة في قاب قوسين. مجلة أدبية إلكترونية. تاريخ 4-1-2013.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2327 الأثنين  14 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2323 المصادف: 2013-01-14 15:38:48