المثقف - قراءات نقدية

(انكسارات مرئية) .. للقاص ياسين شامل

jasim alayff بعد مجموعته القصصية الأولى (كرسي بالمقلوب) صدر للقاص

 ياسين شامل مجموعته القصصية الثانية (انكسارات مرئية)* وضمت فضلاً عن مقدمتها تسع قصص قصيرة، و ثمة قصص قصيرة جداً. يهدي القاص ياسين شامل (انكسارات مرئية) إلى:"كل من حاقت بهم انكسارات الحياة وبقوا صامدين". في المقدمة يسأل القاص هل يحق لي أن اعتقد بأنني امتلك تجربة في كتابة القصة؟. و يقر بصعوبة الإجابة عن هذا السؤال، لكنه يعلن امتلاكه رؤية في كتابة القصة ، وهي تشكل لديه، صوراً ذهنية مختلفة بتطلعاتها الفنية-الأدبية، مؤكّداً نزوعه إلى إطلاق لمساته على حافة هذه الرؤية محاولاً اختراق ذلك الغلاف العصي الشفيف، كي يحقق بعضاً مما يروم بلوغه، مشيراً إلى أن هذه الرؤية ، نمت بطيئاً وتشكلت بعد جهود متواصلة من التجارب الحياتية القاسية، و القراءة والتأمل ثم الكتابة والتطلّع إلى انجاز عمل جمالي سعياً لكسب رضا النفس والمتلقي والمساهمة في محولة أغناء معاني الحياة الإنسانية، مستأذناً القارئ بأن يسمح له بالدخول إلى عالم القص الذي لا يحد. يعتمد القاص ياسين شامل في قصصه على صوت الراوي الوحيد و يسرد قصّصه بضمير المتكلّم ، وينظر إلى الشخصيّات الأخرى فيها بحسب توجهاته. والقاص  في عنوانات قصصه يمنحها مساحة واضحة لتحديد مهيمناتها من خلال عنوانها ذاته. وقد بحث(ياكوبسن) العنوان بصفته مُكَوناً من بنية النص  وذكر ان له  أكثر من وظيفة  بعضها المرجعية المركزة على الموضوع ووظائف أخر منها التحريضية والأيدلوجية وغيرها / محمد بنيس- الشعر العربي الحديث/ص( 113). عنونة النص ومرموزاته تشكلان منفذاً لقراءته، كما جاء في كتاب (ثريا النص/ مخل لدراسة العنوان القصصي) لأستاذنا "محمود عبد الوهاب". ففي قصته (مطر احمر) يتناول القاص ، بصيغة الراوي ، جانباً من أيام الحرب الثمانينية عبر عبور شاحنة عسكرية الشط متجهة نحو الجبهة ويراقب الخراب المحيط بالقرى الكثيرة المهجورة، والحرائق المشتعلة في البساتين، والجندي سائق الشاحنة المرعوب ، والدمار والموت الذي" تفشى اثر القصف المستمر كمطر احمر ومخلفات الهجوم و التي تنز منها الدماء والأنين" ويصور القاص تلك اللحظات المعبأة بأنواع الأسلحة الموجهة تجاه الجنود ، المحاطين بالخوف والمنقادين إلى نهاياتهم المحتومة. و يلتقط القاص مشهد (فرق الإعدام) وتنفيذها لذلك ، دون محاكمة أو مسائلة ما، بكل عائد من الجبهة مهما كان العذر الذي يقدمه ، وعندما يشتد القصف يلقي الراوي بنفسه من السيارة العسكرية التي تسقط عليها قذيفة فتدمرها ويصاب سائق السيارة، الفتي، بالهستيريا على ما حدث للسيارة من دمار كامل وما سيواجهه جراء ذلك، فيقرر إخبار وحدته بما حصل ، لكنه ما أن يعود لفعل هذا حتى تلقي (فرق الإعدام) القبض عليه بصفته هارباً ولم تجدِهِ توسلاته وإيضاحه الأمر معها شيئاً ، فيربط على جذع نخلة محترقة و يتم تنفيذ الإعدام به، عندها مباشرة تسقط قذيفة حرب بين فرقة الإعدام ذاتها وتختلط جثثهم مع جثة الجندي ، ونرى أن هذا هو (قَصاص) المؤلف موجهاً نحو (فرق الإعدام) ولا يسير سيراً طبيعياً مع بناء القصة ،لأنه تزامن مع إعدام السائق مباشرةً، وهو بمثابة احتجاج يوجهه الكاتب لـ(فرق الموت) المفروض على الجنود و المساقين له جَبراً، إذ من المعروف أن (فرق الإعدام) غالباً ما تكمن للمتسللين من ارض المعركة ، لأي سبب ، بعيداً عن مرمى النيران.وفي قصة(المهزوم) يبدأ الحفيد باستعادة صورة الجد ويظل يبحث عنه دون جدوى " ليس لي القدرة على محو ملامح شائهة من تلافيف الذاكرة الصدئة، حاولت طعن تلك الظلال بخنجري الذرب فطعنت الفراغ ولم أفرّغ قليلاً من حقدي" ويبقى الجد بالنسبة للحفيد مثالاً على هيمنة  "الموتى على الأحياء" وحتى في المقبرة  يعتقد الحفيد انه سيلتقي جده لكنه يواجه بدلاً عنه شيخاً "جلبابه جلباب جدي لحيته ذات اللحية.. حسبت أن هذه الملابس مثل ملابس جدي، لا بل هي ملابسه نفسها" لكنه ما أن يقترب منه حتى يكتشف الوحش الذي يحرس المقبرة والذي يقترح على الحفيد ارتداء ملابس الجد لكي يراه عن قرب وما أن يفعل ذلك حتى يفلت الشبح من الخارج صائحاً" لقد هزمتك" وينهار الحفيد ساقطاً على ارض المقبرة وآخر ما يراه" بحراً من الدم تناثرت فيه الأشلاء"،  في هذه القصة لابد من تذكر إسقاطات الشبح الذي كان يطارد "هاملت" مع ما بين الشبحين من خصوصية من ناحية الزمن و الثيمة. وفي قصة (الأرواح) الصراع الدائم بين النزوع لحداثة الحياة والنكوص والإبقاء على التخلف ففي القرية ثمة مَنْ يرفض الاستجابة للتحديث وذلك بإبقاء (المغتسل) المهجور خوفاً من انطلاق الأرواح الشريرة التي تسكنه ويتمسك ببقائه في مكانه بمواجهة من يؤيد شق"طريق جديد" لإقامة جسر حديدي لعبور شاحنات تربط القرية بالمدينة وإصراره على "أن الساحرات والاوراح لا تستطيع أن تمس بأذى أي إنسان نظيف". وفي قصة (إرهاب) يحلم الراوي ويعيش( فوبيا) الرحيل عن داره من خلال كتابات على جدران المنازل والمدارس و تواجهه صباحاً وتأمره بترك داره والرحيل عنها وإلا سيواجه الموت، وتكتشف عائلته أن لا أثر لهذا على الجدران لكنه يصر على انه يراها في كل وقت، وفيها يتناول ويؤرخ القاص من خلال (الحلم- الفوبيا) الفترة المفزعة والمأساوية التي سادت في المدينة، أو في غيرها خلال مرحلة ما بعد التغيير، وقد وفر لقصته تلك صلة عضوية راسخة بين العام والخاص من خلال طرحه ما عليه العلاقة الجدلية بين الإنسان والحالات الاجتماعية المحيطة به ، وتمثل القصة إدانة لا يشك بإخلاصها لتلك المرحلة، لكنها من الناحية الفنية تنفرد بمنولوجات وتداعيات للبطل تهيمن على آلية السرد وذلك من خلال تقديمها خلاصة الحالة باعتمادها على بعض المباشرة في التعبير عن آلية عمل (الفوبيا) وتأثيراتها في ذات البطل، خاصة عندما يقرر الرحيل عن داره ومدينته ، حلماً أو واقعاً، بعيداً عن مدينته و في حافلة عامة و عند منتصف الصحراء أجبرت الحافلة على التوقف.ثم" صعد شخص ملثم يحمل بندقية  وبصوت وحشي قال : على الرجال أن يترجلوا واحداً واحداً رافعين أيديهم  إلى الأعلى ، خمسة أو سبعة مدججين بالسلاح يخلفون الصحراء وراء ظهورهم يتقدمهم ربما قائدهم سألني: ما أسمك..؟ .أجبت: حسن السعيد. دوى صوته عالياً:- الموت لحسن السعيد"(ص49 ). في نهاية (انكسارات مرئية) عشر قصص قصيرة جداً(ص102 -131).عن القصة القصيرة جداً ترى " فرجينيا وولف" إن أهم ميزاتها تنحصر في "التكثيف والحرية وانعدام اليقين" ، ويمكن أن نطرح التساؤلات التالية: هل القصة القصيرة جداً يمكن أن تكون امتداد لجنس أدبي له استقلاليته الخاصة، بعيداً عن القصة القصيرة، أم هي تعتاش على فضائل ومكونات وبنية القصة القصيرة ، والتي تواجه عزوف القراء الذين تشغلهم الراوية حالياً، وسيادتها المشهد الثقافي محلياً وعربياً وعالمياً، ودليلنا على ذلك المعارض الثقافية والتي تشهد إقبالاً متميزاً ولا مثيل له تجاه الراوية؟. وهل تُحدد القصة القصيرة جداً حسب طولها وعدد كلماتها وآلية سردها وثيمتها لتغدو عملاً قصصياً له ملامحه ومهيمناته الخاصة وآلية جنسه المتميز عن غيره؟. هذه الأسئلة وغيرها كثيرة تواجه هذا النوع من القصص. القصص العشر القصيرة جداً والملحقة بـ(انكسارات مرئية) بعضها لا يتجاوز الصفحة الواحدة لكنها تحتوي على سرد مكثف وعبارات سردية مقتصدة ودلالات يمكن توظيفها بما هو أوسع وأعمق مما ورد في متونها المختزلة مثل/ دوامة وأحلام وعقوق وأصوات/. خاصة إن ثمة مَنْ يرى أن( القصة القصيرة جداً) أعمال تنتمي إلى (الومضة) ، وهناك مَنْ يقصي القصة القصيرة جداً عن عالم (القص) لأنه يربط الخيال الأدبي بالعمل الروائي فحسب. و "هو السبب الذي يجعل كثير من النقاد لا يبدون الاهتمام بالقصة القصيرة جداً.. فكانت استجابة الانترنت، لها، بطريقة سريعة وتختلف حتماً عن استجابات وتوجهات ومهيمنات الأدب السردي التقليدي".(روبرت شابرد/ ترجمة - عامر هشام الصفّار- شبكة الانترنت العالمية). يذكر القاص في سيرته: انه نشر في مجلة (الطليعة الأدبية) عام 1983، وتواصل بعدها بنشر بعض قصصه فيها ، ثم قصص أخرى في صحف ومجلات ثقافية عراقية وعربية، والتحق بـ(المشغل السردي) في البصرة ، وكذلك ترجمته بعض الدراسات الأدبية والثقافية ، ومنها دراسة عن (ميلان كونديرا) نُشرت في ملحق صحيفة المدى (منارات/العدد2450).وللقاص مخطوطة رواية جاهزة للطبع بعنوان(الشمس خلف الغبار). (انكسارات مرئية)  للقاص ياسين شامل، تعتمد في بنياتها وحبكاتها الفنية والسردية على المنهج (الواقعي) لكن ليس على ما شابهُ المنهج الفني- الواقعي من فهم قاصر ، من خلال بعض نماذج قصصية  ساذجة، ، إبان بعض مرحلة الخمسينيات ،  بل رؤى وتوجهات الواقعية المعاصرة التي تضع الإنسان وماضيه وحاضره في حالة من التجلي الفني المتوتر والمنشغل بالمصائر الإنسانية الفردية والمرتبطة بوشائج عدة مع الوضع الاجتماعي وفواعله المتغيرة ، ولا تتعالى على القراء وهي ملتصقة بهموم وآمال بسطاء البشر وتطلعاتهم من اجل عالم إنساني عادلٍ ، والقاص ياسين شامل يثق في كتاباته بما قاله (جوين برين):" تذكر دوماً انك تتلمس طريقك إلى ما تكتب مستعيناً بإحساسك..ولذا فعليك أن تكتب لترضي ضميرك أولاً، وان تنقل بأمانة ونزاهة تامّتين،رؤيتك للعالم الذي يحيط بك". وهذا ما سعى نحوه في (انكسارات مرئية) باعتماده على حركة الحياة اليومية ووقائعها وتجليات معطياتها.

 

جاسم العايف

...........................

* اتحاد أدباء وكتاب البصرة / بدعم شركة آسيا سيل للاتصات/ دمشق-2012.

 

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2329 الاربعاء  16 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2325 المصادف: 2013-01-16 14:57:05