المثقف - قراءات نقدية

الأسوَد يليقُ بك..

هي شهقة الضوء حيث العتمة الموغلة في انحدارها،  امرأة تكتسح المسافة وتثير شبق اللُغة فتفيض الكلمات نشوة،

 تلتلم في عناق المجاز وتنفرط نُثر كلام مُباح كيفما المجال اتاح..من اين  تأتي أحلام بشخوصها؟ وكيف تجعلهم على هذا القدر من الرفعة والجمال؟!..

الرجال كما كتبتهم" أحلام" يشبهون ما تشتهي أي امرأة عدا ردود الأفعال، هم صورة الواقع الفاشل للمجتمع العربي، ومرآة اللاتوازن في ميدان الثقافة اليوم، هم المثال، الذي لا يمتثلون له فيقعون ضحايا نوايا المؤلفة،  رجال يثيرون شبهة القول، ويغدقون محاسنهم دفعة واحدة، واذ بهم ينسحبون حيث المرتبة الاولى، يطلقون العنان لساديتهم، ويمارسون في العلن خديعتهم دون  التماس  لعذر، انهم الهاربون من الثورة نتاجها البائد، وحصادها الذي لم تزرعه، ينسحب الهم الوطني من "ذاكرة الجسد"،  ليكون "خالد بن طوبال" آخر معالم الرجولة فيه  بكل ما يحمله من وطنية وشجاعة وفروسية ووعي ثقافي، وحب.. تموت هذه الرجولة في "عابر سرير"،  ومن يومها ونحن مسكونون به، نسأل عنه ونتشبث باسمه، ونلبسه احلامنا ورغائبنا، عندما مات "خالد بن طوبال" اعلنت احلام الحداد على الرجولة، وراحت تطالب الرجال بأن يمتثلوا لأنموذجه والا فليكن "النسيان"، المحظور بيعه للرجال، تقتص احلام للنساء القانطات، وضحايا الهجر والفراق اللامبرر، تمنحنا متعة الرقص على حواف الذاكرة، مع النسيان، تدفعنا للتوقف عن الانتظار برغم الهبل والنهاية المستفزة التي اختتمت بها كتابها، وتخلع الأسود عندما يفتقد لياقته النفسية في حضرة النسيان ..

تمارس "أحلام مستغانمي"في "الاسود يليق بك" دورها كراوي ببراعة فنية تامة، فهي تطلق سرديتها بمهارة لغوية جادة، و تستنطق شخصياتها وتسمح لهم بالتحرك وفق مشيئتها، في "الأسود يليق بك"، تكسر أحلام قالب الزمن، بنبض رجل يقفُ على اطلال ماض غابر، محملاً بالسائد والبائد من افكار المجتمع، له من السلطة والاعتداد ما يكفي لايذاء كرامة امرأة ما أغرّها المال يوما،  وتنتقل  من الحاضر الى الماضي، فتغوص في سردية الحدث ليتناسق الزمن السردي مع الزمن الواقعي وتتلاحق الاحداث في لهفة لغوية خلابة تجمع بين بساطة المفردات اللغوية وعمق دلالتها المجازية.. ..بحيث طغت اللغة على السياق، وكانت وفق  أسلوب  شاعري دفق  صلحت معه  العديد من جمله وحتى فقراته  كاقتباسات  منفصلة عن المشهد السردي..

موضوعات الرواية امتداد لسابقتها في الثلاثية، مع اضافات واستطرادات من وحي الحدث السياسي،  ثلاث ثيمات تشكل بنية الحدث القصصي، وتمثل نماذج لا يفرق ما بينها سوى معايير الذكورة والانوثة وبعض الرتوش المعنوية والمادية..

 

المرأة المثقفة والمتمردة- الرجل المثقف والمنهزم- الثورة ..

المرأة المثقفة والمعتدة بذاتها: تختار لنا احلام،  امرأة عربية لتمنحها سخاءها اللغوي، فهذه المرأة دوما ليست أجمل من غيرها، ولا هي أنيقة حد منافسة نساء أخريات وليست بارعة في فنون الاتيكت، ولكنها  أنثى عندها صفات المرأة المعتدة بذاتها وبلغتها وتمتلك فتنة في بلاغة القول تأسر فيها من حولها، رجلا يقدّر قولها،  محملةً بإرث ثوري، جزائرية المنشأ..يتيمة مؤمنة بقضية وطنها .

الرجل المثقف: لم تحدد لنا هوية البطل برغم انها  المحت عن مشاركته في الحرب الاهلية اللبنانية، وانه سافر الى البرازيل مما يدفعنا الى الاستنتاج انه لبناني  ويتحدث الفرنسية ..هو ليس خريج الجامعات بل خريج الحياة، تفوق بحكمته وذكائه على طاقم المستشارين ..في شركاته، ينهل من الثقافة بشغف وفضول معرفي، من صفاته الارادة، النزاهة، رجلا باذخ الالم لكنه لا يبكي، مفتقد للثقة بمن حوله، له تاريخ نضالي ولكنه في نضجه الحاضر أدرك سذاجة القتال من اجل شعار حزبي، رجل ذواقة، ولكنه يعاني من كآبة من تتعذر عليه السعادة، لا يغفر لمن يُباهي باستغنائه عنه.مثله لا يقبل اهانة من امرأة أحبها ...انه بمختصر فهمنا الرجل الشرقي المُرتجى مثقف، خبير بشؤون الحياة،  بارع في تدليل أنثاه..ولكن مهلا أيتها النساء حتى هذا الرجل الذي ترسمنه في مخيلتكن هو كغيره من الرجال ماكر ومتسلط ولا يقبل التفاوض في شؤونه ولا يغفر لمن يباهي بالاستغناء عنه ..

الثورة: "كما يأكل القط صغاره، وتأكل الثورة أبناءها يأكل الحب عشاقه.." تستعين بالثورة لتسند ظهر بطلتها..لتدعم قضيتها، فهذه البطلة فقدت أباها في الثورة، وأخاها التحق بالارهابيين وعندما قرر أن يتوب غدروا به..وأحلام لا تكتفي بالثورة المنهوبة في بلدها فهي تتحدث عن لبنان عن سوريا هي تدلي بمواقف سياسية بين السطور لتخبرنا بأن الحب والثورة عنصران اساسيان في الحياة...

الموضوعات لم تتوقف ها هنا بل داخلتها موضوعات ثانوية، ادلت من خلالها" احلام"  بمواقف سياسية، واجتماعية، بحيث بدت  تلاحق الاحداث وتحشرها في سياق السرد الروائي و تجمع النقاط لتصنع خليطا روائيا يفتقد للدهشة التي التي كنا ننتظرها من صاحبة ذاكرة الجسد، الرواية ليست رديئة ولكنها خيبت التوقعات، ننتظر من احلام ان تقدم لنا ادبا لا ليُنعشنا بل يخبلنا، يرسم معالم انسانيتنا، ننتظر منها ان تخرج من اللغة ومن انبهارها الأدبي بمفكرين وادباء حمّلت كتاباتها اقتباساتها منهم، ننتظر أن تتوقف عن التنظير كما علماء الاجتماع، وان تغوص في اغوار النفس الانسانية، تمنيتها لو غارت في نفسية "طلال" وأطلعت كل القُبح الذي فيه وكُل الجمال أيضا، تمنيت لو تخلصت من شكوى صديقتها وخبُرت نواحيه الانسانية  ومكنتنا من الالتفاف نحوه كتجربة فنية  خالصة من الأنوية وسرديات المجال الانساني الغائر في عجائبيته، ولكنها منحتنا على ذلك رواية قابلة للاستهلاك السريع، وليس للخلود..

  

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2340 الأثنين  28 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2337 المصادف: 2013-01-28 13:25:12