المثقف - قراءات نقدية

ردٌّ مقابل في قصيدة النثر العربيّة ..!

سالت (شاعرا) معروفا عن موقفه من قصيدة النثر فأجابني مشكورا في تحليل مفيد ومتخصّص ولكنّني لم أجده يتطرّق لجوانب فكريّة وشعريّة مهمة برأيي الخاص،

وحيث أنني لم أتلقّ أية إشاره من قبله في الموافقة على نشر ردّه فإنني أحترم موقفه وأستميحه العذر في الردّ عبر الإعلام الألكتروني مع أسمى إعتبارات التقدير والإحترام لكل المبدعين من الشعراء والأدباء والنقاد الأفاضل:

حضرة الأستاذ الكبير العزيز (شاعر) حفظكم الله
تحيّة معطّرة وبعد

أشكركم جزيل الشكر على الإجابة الوافية والتحليل المفيد بخصوص قصيدة النثر
واسمح لي أن أبتدئ تعقيبا بسيطا ببيتين للمعرّي العظيم :
من الناسِ مَن لفظُهُ لؤلؤٌ ...يُبادرُهُ اللقطُ إذ يُلفظُ

وبعضهمُ قولُهُ كالحصا ...يُقالُ فيُلغى ولا يُحفظُ

منذ بدء مطالعاتي المتواضعة ومتابعاتي لحركة الشعر وجدتُ نفس ما ذكرتم طريقا في تذوّق الشعر الجيّد وتعلمون أن حركة الشعر الحرّ كان لها أثرٌ مدوّي في حياتنا العامّة منذ مطلع الخمسينيات ولغاية يومنا هذا وقد أعجبتنا هذه المدرسة الجديدة وكل جديد له متعته وكان اوّل من كتب فيه ما زال على نهج وقوالب السائد من التقاليد النقديّة فكنا نحفظ منه الكثير ونطرب كما نطرب للأغنية الجميلة عند سماع بعض المقاطع الغريبة علينا رغم أنها في بعضها كانت تُحاكي موجات الأدب الأجنبي ولا سيما الأوربي منه
وعلى نهجنا القديم سرنا في مجالسنا واجتماعاتنا ولقاءاتنا الأخوانيّة فلا توشك إحدى جلساتنا تنفضّ حتى نقرأ كثيرا من الشعر القديم والجديد ومن كل لون ونجد في ذلك متعة ما بعدها متعة
اليوم وعندما نقرأ شيئا من الشعر الجديد جدا لا نعثر على تلك البهجة والمتعة التي وصفنا جانبا منها
ما نقرؤه لا يُحفظ ولا يُطرب ولا يُمكن أن نتغنّى به أو نستشهد به أو نضرب به مثلا ولا أن نفيد منه على ما كان يُعتبر من وظائف الشعر
فما السبب؟

قبل أن أضع تصوّري أقول أنني أشارككم وأشارك الأستاذ المعقّب ومجلة (...) التي تمثلها (...)، أشارككم جميعا الرأي في أننا لا نشترط على الكاتب أي شرط سوى أن يكتب لنا أدبا حقيقيا وصادقا ينطوي على قدر من الإبداع!
ولكن شكل الإبداع هذا أخذ ينحو مناح ٍ غريبة تتبع ألوانا بعيدة من التورية العقليّة فأصبحنا أمام نصوص يتطلّب تذوّقها فكّ مغاليق بعض الصور المشفّرة تشفيرابعيدا وعُدنا إلى عصر المحسنات ولكن باستبدال المحسنات اللفظيّة بأخرى عقليّة إن صح ما أقول
انا أتفهّم توخّي إيقاعات الصور أو الأفكار المتجانسة أو التي تُطابق بعضها أو تكرار موسيقى الحرف أو الكلمة وكل هذا يُمكن أن يكون جزءا من تحليل النص الشعري وبنائه النقدي ولكنه لا يجعل منه كتابة شعريّة لأن مثل هذه الكتابة لم تستطع أن تجعلنا نحفظ شيئا ولا أن نطرب لشئ ولا أن نستمتع بالطريقة التي ورثناها وتكلمنا عنها آنفا وفق ذائقتنا الجمعيّة المتوارثة،
كل شئ أصبح مصمما تصميما مقصودا وكأنه نص علمي ومشفّرا وكأنه إشارات سياسيّة أودبلوماسيّة سريّة، وهذا يخرج بالقصيدة من روحها فما يتبقّى لنا جثّة قصيدة مسجّاة في نعش!
أين التلقائيّة؟ أين الغنائيّة اين الإبهار اللفظي واللغوي والخلطة العجيبة بين اللفظ شكلا والمعاني  التي كنا نجدها في قصائد بسيطة لشعراء معظم العصور؟
أين من يقول في مستوى من قال:
رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه .....على حرّه في صدرِ صاحبه حلوُ

أو :
 أمرّ على الديارِ ديارِ ليلى...أُقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

لقد بقيَ عصورا مثل هذا الشعر ولم يبلى وعاش مع الناس بلا تكلّف ولا غلو في المجاز والتوريات المتنوّعة والتي سمّيتها أنا بالتشفير!
أو الذي علق ببالنا:
أحبّيني
فإنّي كلّ من أحببت قبلكِ ما أحبّوني ....

أو :
ماذا تُخبّئُ أيها البستان
إنّي لأبحثُ في الدجى النعسان..!

أو :

حزنُ المحطات الرماديّة

وظلّها الشاحب...

أو حتّى قول فيروز،زجلا:

أنا عندي حنين

ما بعرف لمين!

وغيره كثير وأجمل وإنما هذا فقط لأضرب به بعض الأمثال  ولو بدون إنتقاء بمعنى العينة العشوائيّة!
واليوم نسمع حكم وأمثال ..! ويا ليتها تصلح حكما وامثالا
قولي هذا ليس موقفا من قصيدة النثر بحد ذاتها ولكن أتوخى أن أصل إلى ما أنتجت؟

لقد تماهى شعراؤها ولا سيما المتأخرون مع حركة ما بعد الحداثة وبنفس الأساليب ولا أريد أن أوسّع الشقّ ولكن نقد الحداثة وبيان معايبها دون وضع بدائل عمليّة جعلنا نواجه ما بعد الحداثة ونتقبّل الترويج لفكرة القبح بدلا عن الجمال والكراهية بدلا عن الحب والدونيّة بدلا عن الرقيّ
لقد أصبحنا مجبرين على أن نُعيد النظر بكل شئ ووجدنا أن القيود التي رفضها شعراء الشعر  الحر لم تكن جميعها غير مقبولة فوجود الوزن والقافية أحيانا تبيّن لنا أن لها وظائف مهمة في ضبط تسلّط العقل الواعي على العقل الباطن وبذلك يكون متاحا أن يتنفّس عقلنا الغاطس هذا ويُظهر بعض لآلئه النفيسة وهذا سرّ ذلك الشيطان الذي يأتي الشاعر أثناء كتابته الشعر بل وكل المبدعين من فنانين وأدباء وغيرهم إذ يبدو أن القيود تلك مهمة لعمليّة الإبداع.

في عالم الأدب، في بلادنا ولدى جميع كتّاب العربيّة أن الموجة الجديدة كأنها تقتضي حال حياتها أن تقضي على ما سبقها وإلاّ فلا بأس من أن يكتب شاعر التفعيلة إلى جانب شاعر النثر وإلى جانب شاعر الشكل الخليلي ولكن هذا غير واقعي فالثياب التي يلبسها مختلف الشعراء توحي بأن هناك صراع بقاء! وكلّما تقدّمنا في هذا النوع من الصراع إن جاز التعبير نجد أن الشعر ينزوي في خانقٍ ضيّقٍ جدا بين فئةٍ صغيرة من المثقفين ويترك وراءه ساحةً واسعةً تحيا فيها وتترعرع أحياء أوليّة وابتدائيات مثل الشعر الشعبي الذي لا تخرج من الطن منه بأكثر من نصف كيلوغرام من الشعر الجيّد..!

وهذا بالطبع ليس موقفا من الشعر الشعبي الأصيل والخالد والذي نشأ وتطوّر وكأنه نبت الأرض ونتاج البيئة ومع احترام جميع ما كُتب من تراث شعبي وكنوز لا تنضب ومع عظيم التقدير والإعتبار للأسماء اللامعة عبر الأجيال المختلفة ممن تركوا لنا إرثا شعبيا لا مثيل له ولكنه موقف من مستوى الإسفاف السائد وكثير مما لا نجد فيه وريثا شرعيا لما وصفنا إلاّ القليل القليل كما قلنا..

هذه الأيام لو كتب شاعر حديث قصيدة على النمط العروضي فقد لا يجد من يقرؤها فضلا عن نشرها طبعا ويوصم أحيانا بالتخلف أو الرجعيّة وكل هذا ناجم عن خصائص صراع البقاءالمذكوررُغم أنه قيل أن القمة ليست نقطة واحدة بل هي مكان واسع يُمكن أن يتّسع للكثير من المتميّزين !
إن الإيقاعات الناجمة عن تتابع الصور أو الألفاظ أو الجناس أو الطباق أو موسيقى الكلمات والجمل والحروف لا تُغني عن الإيقاع الواضح المعروف والذي جرى بناؤه على أسس موسيقيّة وأوزان يعترف بها علم الموسيقى وإن كان هناك من يُريد أن يتّبع ما زاد على ذلك فليكن كما كان لزوما لما لا يلزم فلا يستوجب هدم البناء المتوارث بأجمعه لكي نسير على نهج الأدب أو الشعر الأوربي ولا نريد أن نغوص الآن في ورطة الأدب والشعر الأوربي فليس هذا مجال ردنا المتواضع هذا
عندما أقرأ نصا لأي كاتب حتّى لو لم يكن شاعرا فأنا قد أحفظ منه بلا قصد بعض الجمل والمقاطع وهنا تدلّني بوصلتي إلى الجزء الشعري مما كتب ولا يعني هذا أنه يجب أن يتناول شيئا من الحكمة أو الفلسفة !
لستُ ناقدا ولا شاعرا ولكنني أحد المتذوّقين وهنا يكتسب موقفي شيئا من الحقّ وبعضا من الأهميّة لأننا إعتدنا أن نستمع لوجهات نظر المبدعين أنفسهم أو النقاد فقط ولم يتعوّد أحد على الإستماع إلى رأي المتذوّق وهو الطرف المقابل في عمليّة الإبداع أي كحال البائع والمشتري فالبائع أو المنتج عليه أن يتعرّف على مُراد المشتري وما يُحبّ ويُريد إذ أن الأمر ليس إنتاج مستمر على ذوق المنتجين فقط
أرجو أن تعذروا لي قولي هذا وأن تتفضّلوا بقبول إقدامي على  نشر تعقيبي هذا في هذا الموقع المقروء والموقّر، على أن أحفظ لكم رغبتكم في عدم نشر نص ردِّكم ورأيكم المشار إليه،بسبب عدم ورود إشارة إيجابيّة بموافقتكم على ذلك، تقبّلوا وافر تقديري وامتناني على إجابتكم وتلبيتكم الردّ على تساؤلي على أنكم  موضع إعتباراتنا الأدبية
أسمى تحياتي..

سنان أحمد حقّي

مهندس ومنشغل بالثقافة

 

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2340 الأثنين  28 / 01 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2337 المصادف: 2013-01-28 13:43:34