المثقف - قراءات نقدية

صورة المناضل في رواية الكاتب العراقي حميد الحريزي: القداحة الحمراء

ahmad fadelنعم يا "عاصف" هذا هو طريق النضال فهو ليس معبد بالورود وهذه هي طبيعة الصراع الطبقي لطليعة البرولتاريا وأنت (طبعا) من هذه الطليعة في صراعها ضد البرجوازية والبرجوازية الصغيرة حتى وان كانت حليفة بقيادة حزب البعث، فالتحالف ليس إلغاء الصراع وهذا ما تقوله أدبيات الحزب والكراريس الحمراء، هكذا يبدأ المؤلف روايته القصيرة " القداحة الحمراء " راويا أحداثها ومعرفا ببطلها " عاصف " الموظف الصحي المنقول حديثا إلى ناحية الفهود بمحافظة الناصرية والذي من خلاله سنتعرف على الواقع السياسي لفترة من أحلك فترات العراق وحاملا الهم النضالي والوطني المسيطر على جميع أحداث الرواية رسمها المؤلف في إطار سردي متميز وبلغة بسيطة متعددة الدلالات، ومع أنها تتسم بالواقعية فقد راحت تستلهم وهج العنفوان الثوري ما ذكرتني بالكاتب الإسباني الكبير " خوان مياس " حيث تتصدر مقولته الشهيرة أغلب أعماله : " في منطقة رؤية الراوي هناك بعض الامكانيات لاكتشاف أشياء جديدة "، وهذا ما سنكتشفه في هذه الرواية القصيرة حيث يمكن أن يظهر مع واقعيتها الفانتازي في انصهار تام كدليل على تاثر مؤلفها الحريزي بكتاب أمريكا الجنوبية الذين حلوا هذه المعضلة بطريقة الواقعية السحرية، فشخصية الكوردي التي تظهر أمام عاصف منحته الكثير من تلك الواقعية التي نستطيع أن نتعرف على مقوماتها الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية انعكست بالتالي على الكثير مما شاهده في تلك الأماكن من هيئة وسلوك وطباع الذين التقاهم هناك .

ولغرض أن يعيش قارئ الرواية أحداثها بالقرب منها فقد راح يصف عن طريق الراوي الأمكنة التي ستصنع أحداثها فيما بعد: " في ناحية (الفهود) شارع يمتد إلى ناحية الحمار ثم إلى مركز قضاء الچبايش، هذا الطريق ابتداء من قبة (سيد نجف) - آمل أن لا نستغرب من كثرة قباب وأضرحة السادة ومقامات الأولياء في هذه المناطق، عدد الأضرحة والقباب يتناسب طرديا مع حجم المآسي والآلام والبؤس الذي يعاني منه سكان الاهوار مما يدفعهم إلى أن يتمسكوا بأكثر من حبل للنجاة والشكوى فهمومهم لا يستوعبها ضريح واحد مثل سيد دخيل وفواده أم هاشم وسيد محمد وسيد بخور وسيد يوشع الذي يتمتع بقدسية كبيرة في الفهود وما حولها.. و.. و- غالبا ما تحيطه المياه من كل جانب مما يضطر المسافر أن يستأجر زورقا حتى الحمار وخصوصا أيام ارتفاع مناسيب مياه دجلة والفرات حيث تلتقي مياه النهرين هناك ويبدو واضحا الفاصل بينهما على امتداد الهور لاختلاف كثافة ماء دجلة عن كثافة ماء نهر الفرات فيبدو الفاصل خيطا رفيعا يفصل بينهما كحبيبين يحتضن احدهما الأخر حتى يلتقيا تماما ليذوب احدهما في الآخر في شط العرب انه وليدهما الأكبر، تظهر الفهود والحمار والجبايش عبارة عن چباشات كبيرة تحيط بها عدد من الچباشات الصغيرة تعتليها بيوت سكنة الاهوار المتناثرة على طول وعرض الهور يتم التنقل من أحده إلى الآخر بواسطة البلم " .

بعد هذه المقدمة للتعريف بالمكان الرئيسي الذي ستجري فوق بقعته المبتلة أحداث الرواية ينتقل بنا المؤلف إلى تعريفات أخرى غايتها وضع القارئ في أتون الحالة الشعبية والإجتماعية لقطعة عراقية منسية أهملتها عمدا حكومة المركز حيث : " يوجد في الفهود مطعم واحد هو مطعم أبي جاسم المبني من الطين والمسقف بالبواري والذي لا يتوفر إلا على ألتمن واليابسة ( مرق الفاصوليا ) والسمك المقلي نظرا لوفرته في المنطقة، وهناك قهوة أبو راجي وكاظم ( الوسخ ) كما يسمونه أهل الناحية وهناك بعض الدكاكين للبقالة والقصابة ومحل للصابئة الذين يتميزون بصناعة أدوات الزراعة البدائية ( المنجل والمسحاة والمذراة والكرك وأعوادها ) وهم يفضلون السكن على ضفاف الأنهار وحافات الاهوار ليكونوا قرب الماء الجاري المقدس لديهم والذي تجري بعض طقوسهم فيه كما هو معروف وأغلب كادر المركز الصحي كان من خارج المحافظة من البصرة والنجف والسماوة وبغداد، كان عاصف يقضي بعض الوقت في مقهى أبي راجي نظرا لأريحيته ونظافته وحسن معاملته ومعرفته الواسعة بالمنطقة وتاريخها وسكانها " .

في هذه المقهى يتعرف على (كاكه حسن ) عامل التنظيف في بلدية الفهود : " وهو من الأكراد المهجرين من كردستان بعد انهيار الثورة الكردية ضد نظام البعث عام 1975 على اثر اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران بواسطة المرحوم بومدين الرئيس الجزائري السابق "، هنا يطلق المؤلف دراما نصية لحالة ضياع مواطن عراقي انتزعته قرارات دكتاتورية همجية من أرضه لتضعه قسرا في أرض أخرى ليعيش نفيا وتشردا، فعلى طول : " فترة مكوث عاصف في الفهود غالبا ما كان يشاهد عناق حميمي عنيف بين الكرد حيث يحتضن أحدهما الأخر حتى يسقطا أرضا . وعندما استفسر من كاكه حسن عن هذه الظاهرة قال بألم ظاهر :

- كاكه هؤلاء الكرد من عائلة واحدة فرقتهم الإحداث ولا يعلم أحدهم مصير الأخر عندما سفرتهم السلطة ووزعتهم على المناطق الجنوبية ووضعتهم في صرائف من القصب والبردي أعدت لهذا الغرض . وحينما يستقر احدهم في مكان يظل يسأل عن أهله وذويه وعندما يحصل على خبر وجودهم في أحد المحافظات يقصده وهو غير مصدق انه سيجده حيا !!! "، الحوار لاينتهي بين كاكه حسن و عاصف حتى نجدهما وقد جمعت بينهما صداقة حميمة بعد أن : " أدرك بفطنته وذكائه وبتجربته انه لا يختلف عنه فهو منفي مثله ... "، هذه الصداقة تثير : " ارتياب أزلام السلطة وحتى استغراب أهالي الناحية من هذه العلاقة الحميمة بينهما، فعاصف موظف ( معتبر ) وكاكه حسن كناس بائس "، لكنه الحب الإنساني الذي لاحدود له ويمكن له أن يتحدى كل الظروف ليعود مؤلف الرواية فيرسم لنا لوحة انطباعية جميلة لمنظر الصديقان وهما يغطان : " في صمت طويل كمسحورين وهم يراقبان مغيب الشمس عند الغروب، يبدأ باقتراب قرص الشمس من سطح الماء رويدا رويدا وكلما اقترب ازداد حمرة تبدو في أوجها عند تماسه مع سطح الماء في لحظة عناق كالقبلة الأولى لعذراء قروية تخوض تجربة الحب لأول مرة فتحتقن خدودها حمرة خجلا وهي وسط فرجة كل كائنات الأرض ممزقة أردية الخوف والوجل بفعل دافع الحب وتأجج نيران العشق فيتحول كل وجهها إلى قرص احمر لترمي برأسها بين ذراعي حبيبها مجللة رأسه بشعرها الذهبي فيصطبغ سطح ماء الهور بأحمر شفايف الشمس العاشقة النازلة من علياء كبرياءها في كبد السماء لتغوص في أحضان عشيقها يرافقها عزف سيمفونية الغروب الساحرة لنقيق الضفادع وزعيق الطيور ورفيف أجنحتها وتمايل أعواد القصب والبردي مباركة هذا العرس الأزلي العظيم مصدر الحياة وسر استمرارها وتجددها "، " لا يعودان من سكرتهما ولا يحسان بوجودهما إلا عندما تختفي الشمس ونورها الوهاج بعد إن استقرت في مخدعها المجهول المحمل بكل الغاز وعجائب وإسرار الطبيعة لتبد أ نجوم السماء وقمرها الفضي الأخاذ نوبة حراسة مخدع الحبيبين وعرسهما المتجدد منذ الأزل .لا تغمض عيونهن إلا بعد أن تتثاءب العروسة ناشره نورها الذهبي عند الفجر، مقبلة وصيفتها نجمة الصباح الوضاءة شاكرة لها حسن حراستها ورعايتها لتصطبح بوجوه العمال والفلاحين والصيادين شهود يقظتها كل صباح مباركة لهم سعيهم من اجل جمال وكمال واستمرار الحياة على سطح الأرض أمهم المعطاء " .

الحريزي وهو يحاول تفسير هذه العلاقة بين اثنين من المنفيين في أرض بعيدة قد تكون هي الطمأنينة بعينها التي جاشت بسكونها على قلبيهما، فيعود ليحكي عن طريق الراوي جلساتهما الهادئة على : " الروف المطل على مسطح مائي على مد البصر .. ليرقبا حركة الأسماك وتراقصها قرب حافات الهور. يراقبان ويتمتعان بمراقبة طيور الماء وهي تسبح أسرابا غاطسه قافزة ناثرة المياه بأجنحتها في رقصة مسائية صاخبة مطلقة أصوات وزعيق كأنها حفلة عرس بهيج حيث يصفوا لها الجو في أحضان الهور بعد انسحاب الصيادين والرعاة إلى بيوتهم ولم يكن في حسبانها إن الإنسان ينصب شباكه وبترصدها مختفيا بطريقة ماكرة مخيفا عليها حتى رائحته حيث يقنص لها في مخبأ يسميه ( نوچه ) موقعها يكون عكس اتجاه الريح . فالصياد يعرف تماما من خلال تجربته إن الطيور الحرة لا تنزل مكانا تشم منه رائحة إنسان ويقولون إن الطير( يريّح) فيكون جلوسه واختباءه بحيث إن الريح تحمل رائحته بعيدا عن مكان تجمع الطيور فوق شباكه المموهة جيدا وهو يجلس منذ المساء لساعات طوال دون إن تنم عنه أية حركة أو صوت وإلا فقد كل شيء لو أحست بوجوده وضاع جهده هباء، وهو بمكره يرمي لها حبوبا شبه مطبوخة في منطقة معينه بقدر محيط شباكه المنصوبة في الماء لأيام عدة تسمى (الدوشه) ويتركها لتأمن للمكان وتتجمع أسرابا تزداد يوم بعد يوم لالتهام الطعم الغزير في هذه المنطقة المفخخة دون سواها وفي أوج كثافة تواجدها الذي يجزره الصياد من أصوات زعيقها ويميز أنواعها- الحذاف، البربش، ابو بسيله، ابو دريغ، الغويصي، دجاح الماي،البط، الزروكَي...الخ- وحتى عددها التقريبي في الشباك، عندها يضرب الصياد ضربته لتطبق شباكه عليها على حين غرة وبعد إن يوثق رباط شباكه يبدأ الإمساك بها وكسر أجنحتها (يشچلها) ورميها في زورقه المعد لهذا الغرض وسط زعيقها ومحاولتها اللامجدية للخلاص والهرب هذا ما رواه لعاصف (أبو راجي) حول طريقة صيد الطيور في الاهوار وهناك طرق أخرى كاستخدام الزهر أو الصيد بالشوزن وغيرها من حيل وابتكارات الإنسان لتامين طعامه " .

صديق عاصف كاكا حسن لايفتأ يقص عليه حكاياته التي يبدو أنه تسلح بها وهو يسكن تلك الجبال الشماء ما يعني أن لديه خزين ثقافي ومعرفي كبيران اكتسبهما هناك فيحاول أن يسأله مستعيدا هذه المرة تأريخ ووقائع لملاحم جرت على أرض بلاده منذ الأزل : " ما الذي شغل جلجامش عن إكسير الحياة بعد أن حصل عليه فسرقته منه الأفعى وبذلك ذهب جهده وطموحه وأمله في الخلود هباء ثم ضحك متهكما مذكره بمثل عربي مشهور ( رب ضارة نافعة ) .. نعم فلربما كان قدري بالنفي إلى موطن ( كلكامش ) أن استرد أكسير الحياة من جوف الحية السارقة فهي بالتأكيد لم تزل تعيش في وسط هذه الأهواروبذلك أعيد للبشرية حلمها العظيم وجنة عدن المفقودة حيث أن هذه الأرض هي موقعها كما يذكر أهل التاريخ ؟؟ نعم ويعيد الجنة والسلم والمحبة للناس جميعا كردي منفي مراقب لا يملك وطن مثل كل أمم وشعوب العالم صغيرها وكبيرها .. لا لذنب اقترفه ولكن لأنها الأمة الوحيدة التي لم تغزِ أحدا ولم تغتصب ولم تضطهد أي شعب من شعوب العالم لا في التاريخ القديم ولا الحديث وإنها لم تصطف مع الإمبراطوريات والقوى الكبرى لتكون مطية لها ضد الشعوب الأخرى لذلك كان قدرها الضياع والظلم والتجزئة حتى في عصرنا الراهن عصر الحرية والديمقراطية كما يدعون !! شبرا من أرض وطنه ولا مسكنا يؤويه، لا لذنب اقترفه سوى انه يحلم في أن يكون لامته الكردية المقطعة أوصالها بين الأمم " .

لم يكن النفي والاستقصاء ليمنع عاصف من الاستمرار بنضاله فكثيرا : " ما كان يتسلل من المدينة متخفيا بزي عربي صوب احد ( الرفاق ) في(العمايرة) أو أحد الأكواخ المعزولة وسط الهور فيتم نقله إلى هناك بواسطة زورق يكون بانتظاره في مكان محدد على حافة الهور ليدخل هنا في عالم أشبه بعالم الكهوف أو عالم سومر القديمة وسط اهوار الحمار جالسا وسط عدد من الفلاحين والصيادين وخليط من طيور الخضيري والبط المدجنة وأحيانا يشاركه جلستهم دون حرج واحد أو أكثر من الخراف و ينبطح مبحلقا في باب الكوخ أكثر من كلب يتدفأ من نار الموقد الذي يجتمع الرفاق حولها في الشتاء . بعد التحية والله بالخير يبدء يشرح لهم النظرية الماركسية وفائض القيمة وحتمية انتصار الاشتراكية ونظرية التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية عن طريق توثيق عرى الجبهة الوطنية التي كانت سائدة في مواضيعهم الثقافية آنذاك .. يسهب أحيانا في شرح ذلك لفلاحين أمّين،لا يزيدون على هز رؤوسهم بنعم رفيق ... صحيح رفيق... صار رفيق !!؟؟ كان العديد منهم يتغيب أو يختلق الأعذار لعدم الحضور كيلا يتعرض للإحراج عندما يسأل عن عدد أصدقائه أو من استطاع أن يرشحهم للحزب ؟ أو عند موعد جمع الاشتراكات والتبرعات الشهرية من الرفاق والأصدقاء؟؟؟ .

ونحن نقترب من نهاية القسم الأول من الرواية نجد عاصف بعد عودته من اللقاء برفاق الدرب والعقيدة يتفقد كاكه حسن والذي لم يجده عادة في المقهى فيسأل عنه وعندما يعرف مكانه يجده في حالة من الهيجان الفرح وهو يحاول جمع أعواد القصب والبردي اليابس فيشاركه في جمعهما مستفسرا بذات الوقت عن السبب في جمعه لها، لكنه وقبل أن يبادر بالجواب يسحب من جيبه قداحة حمراء غريبة الشكل ويشير بها صوب القصب، هنا فهم عاصف ما يريد به صاحبه فياخذ بإشعاله وسرعان ما يجد يده وقد امسك بها كاكه حسن ليبدأ بضرب : " الأرض برجليه ويهز كتفيه فشاركه الدبكة الكردية الرائعة بعد إن عرف انه يحتفل بعيد (نوروز) العظيم، رقصا ورقصا حول نار نوروز الملتهبة وشعرا ان كل الطيور والخضيري والبط وأسماك الهور شاركتهم فرحتهم وان ذؤابات القصب وعرانيص الخريط الصفراء وزنابق الماء الحمراء تتمايل وتهتز طربا وكأنها تشارك السنديان والجوز وفرحة قبج كردستان بهذا اليوم الجميل الذي يدعو فيه كاكه حسن الى وجوب أن يكون هنا (كاوه ) وقد ومضت في ذهن عاصف فورا صورة ( خالد احمد زكي) كاوه وجيفارا الاهوار .

تطوي الرواية بقسمها الأول صورة الصديقين وهما يرقصان الدبكة الشعبية وقد علت وجهيهما ابتسامات الفرح والسعادة، لكنهما في القسم الثاني منها يعيشان وسط ريح صرصر عاتية تهب على المكان وأمطار غزيرة مع رعد وبرق فلم يستطع : " أن يرى كاكه حسن طبعا في ذلك وبرديه مبتسما يسخر من طيش وحماقة آلهة الريح والبرق والمطر في تحديها لآلهة الماء والنماء، فقد قهرت وعادت بالخيبة والخسران بينما ازدادت الاهوار والأنهار امتلاءا واتساعا وازداد القصب والبردي سحرا وجمالا بعد أن استحمت في مياه الإمطار الغزيرة فاغتسلت وتخلصت من كل غبار وعوالق الخريف والشتاء كأنها أفواج أطفال تطفح وجوههم بالبشر والصحة والسعادة فرحين بملابس عيد الربيع الجديد "، في هذا الجو العاصف افتقد عاصف صديقه حسن ثانية فلربما : " لم يزل الوقت مبكرا على تواجده في المقهى ... ولكني صدمت حينما عرفت من عمال المولدة إن كاكه حسن لم يبيت ليلته في مبنى الماكينة لأول مرة منذ أن أتى للفهود وإنهم في حيرة من أمرهم هل يخبرون الجهات الأمنية التي أمرتهم بمراقبته أم ينتظرون مجيئه؟؟؟ فمن الصعوبة التستر عليه فربما هرب عائدا إلى الشمال من يدري؟؟؟ ازداد قلقه ودارت في رأسه أفكار خطيرة ومثيرة وأخذ يستعرض مشاهد وصور كوابيس ليلة أمس..... سال عنه كل من صادفه على امتداد الشارع الذي ينتهي عند (بنكَلة ) السمك عند حافة الهور من الجهة الغربية للمدينة دون جدوى، ولكن عند وصوله البنكَلة أجابه على استفساره احد الصيادين قائلا :

- انه استغرب كثيرا لوجود كاكه حسن على حافة الهور في مثل هذا الوقت، ولكني كما يقول الصياد انشغلت عنه بجمع شباكي وربط البلم تحت وابل من المطر ولفح الريح العاتية ولم أعرف سبب وجوده ولا ما حصل له بعد ذلك ؟؟؟ ويستمر الفعل الدرامي لهذه العلاقة الحميمة التي تجذرت في روح عاصف تجاه صديقه حسن فيهرع : " مصطحبا معه الصياد داعيا الجميع إلى مرافقته كمن يجمع الناس ل (فزعة) إلى المكان الموصوف عله يستطيع أن يساعد كاكه حسن في صراعه مع الأفاعي في بطن الهور لاسترداد عشبة الخلود وكأنه يعيش كوابيس الأمس في الواقع وليس في الحلم ؟؟؟ "

" لم يعثروا على كاكه حسن ولا على الزورق بل أستقبلهم الهور بوجوم وسكون وصمت غريب كأنه مع كائناته يقف لحظة حزن عميق !!!! " لكنها في النهاية عثروا على مكنسته مربوطة بسلسلة البلم وقداحته الحمراء التي لم تزل عند عاصف بالحفظ والصون وحرصه عليها لم يدانيه حرص على أي شيئ آخر، هو لايعلم لمن يسلمها لأنه لم يتعرف على أحد من عائلته رغم بحثه المضني عنهم ؟؟؟ !!! "

هكذا يطوي عاصف صفحة من صفحات حياته في تلك البقعة البعيدة، لكنها صورة حية ناطقة من نضالاته التي جمعته بصورة أخرى لمناضل كردي حمل كل آلام شعبه في لحظة تاريخية من عمر العراق، الرواية وعلى لسان راويها تحمل الكثير من السمات الشخصية لمؤلفها حيث أراد أن يؤرشف لأيام نضاله في واقعة حقيقية مليئة بالصراعات الأيديولوجية عبر ما يمكن أن يطلق عليه The Political Novel أي الرواية السياسية والمعنية بمجادلة البناء العلوي للسياسة، كالأحزاب والتنظيمات والنقابات وكافة أشكال ومركبات السلطة، المحمولة على وعي وممارسات شخصية روائية فاعلة وغارقة في الهم السياسي .

أحمد فاضل

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2355 الجمعة 15 / 02 / 2013)

....................

 ننصح باستخدام برنامج فيس بوك للمشاركة في التعليقات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2355 المصادف: 2013-02-15 16:48:25