المثقف - قراءات نقدية

رواية "موت الفوات" لمحمد الهجابي .. أو رحلة الذات من الجلوة إلى الخلوة

mohamad alhejabiالرواية والذات .. هذه فرضيةُ القراءة .. روايةٌ أم سيرةٌ ذاتيةٌ؟

 

ثلاثية محمد الهجابي: موتُ الفوات (1998زمنُ الكتابة)[1]، وزمانٌ كأهله (2001)[2]، وبوحُ القصبة (2002)[3]، روايةٌ لأنّ السارد- المتكلّم فيها أحمد الهلالي هو "شخصية من ورق" لا يمكنه أن يوجد خارجَ الكلمات، خارجَ اللغة، لكن سيكون منَ العبث رفض وجود أيّ علاقة بين هذه الشخصية الورقية الخيالية وشخص الروائي، فالشخصياتُ الروائيةُ تمثّل أشخاصاً حقيقيين وفق طرائق خاصة بالتّخييل[4].

وفي الثلاثية ما يؤكّد على هذا اللّبس بيْن الشخصيتين:

وردَ في موت الفوات:

 «خمّنتُ إنّ ما ينطق فيّ ليس هو أنا، وإنّما هو شبيهي» (ص. 173)،

«وهل أستطيعُ أنْ أحرن، وأرفضَ توسلات شبيهي ذاك الذي هصره الكبت، وأبهظه القدر؟» (ص. 174)،

«لن أؤجّل شيئاً. وسأترك شبيهي يمضي إلى أقصى التخوم مع هذا التيار الجرّاف الذي يمخض الكيان كلّه، ولن أسائله إن كان يجيد السباحة أم لا. لن أسائله.» (ص.174)،

«ضحكتُ، لأنّ هؤلاء، جميعهم، لم يرصدوا في وجهي فراغاً، وفي عينيّ غرابةً، وأنا بينهم. وضحكتُ من جديدٍ، حينما تخيّلت الفاركونيت الزرقاء تخبّ في الشوارع والأزقة بحثاً عن شبيهي، بينما هو ثاوٍ في جلدتي لا يبرحها إلاّ بمقدار.» (ص. 181).

المتكلم هنا، هو السارد أحمد الهلالي، والشبيه منْ هو؟ هل هو الروائي؟ هل تحولَ الأصلُ إلى شبيه والشبيهُ إلى أصلٍ؟ هي لعبة، إذن. رواية.

وما يضاعف منْ هذا اللّبس الجميل ما ورد في زمان كأهله:

«أذكرُ أنّني طفت بجوانب الضريح، فرأيتُ أجداثاً تكاد شواهدُها أن تختفي، بالمرة، تحت ركام التراب. واسترقّ بصري وجود شاهد في شكل مثلثٍ، وقد رقمت على جبهته حروف تيفيناغ على نحوٍ غير مرتبٍ:

  قيّدتُ تلك الحروف في هيأتها تلك، على رقعة من الجلد» (ص119- 120)،

«راقَ لي أنْ أنسج علاقة مودّة مع العلامة قاطن الحصن (...) ولقد انتفعت بإرشاده في مهمات، وأوقفني على أسرارٍ، التمس منّي ألاّ أكاشف بها أحداً (...) على أنّه مثلما لكل شيءٍ بداية، له نهاية، أيضاً. وهكذا، فذات ظهيرة، قدِمتُ إليه رقعة الجلد التي كنتُ قد دوّنتُ عليها الحروف، التي طبعت على جبهة الشاهد المثلّث. رشقها ببصره لبرهةٍ، ثمّ مال نحوي، تفرّس فيّ، كما لو كان يراني لأول مرّةٍ، ولم يفه بلفظٍ. لكنّه تناول قضيباً، ورتب باليد اليسرى صفحة الرمل قدامه، ثمّ خطّ عليها بتمهلٍ:

 وفي التو، نهض مغادراً، في حين أخذت نسمات الريح تعفو الأثر، حتى لم يفضل منه إلاّ الهيل. طوال ذلك اليوم، لم ينبس بكلمةٍ. وكذلك استمسك بالصمت في الأيّام التالية. غير أنّه ألاّ يفلح استشفاعي بمساعٍ عديدةٍ على إعادة دفق الدماء إلى أنساغ جسم ما كنّا بصدد تأليفه، فهذا أمرٌ، لربّما، بالإمكان تفهمه، وإنْ على مضضٍ، لكن أنْ يتوفّى الرجل، وشيء في صدري بقي مستبهماً عليّ، فذلك أمرٌ لم أكن لأستسيغه. ما الذي قرأه على وجه الرمل؟ وما علاقة المقروءِ بنفره عن كلّ احتكاك بي؟» (ص. 159 – 160).

ما سر سلوك العلامة قاطن الحصن هذا؟ إذا علمنا أنّ ما قرأه على وجه الرمل ليس إلاّ اسم المؤلف: محمد الهجابي. قد نفسر سلوكه ذاك من كونه لا يريد التدخّل في صنيع خالقه (كاتب الرواية)، ولذلك مال نحو سارد حكاية إمارة البحراء، وتفرّس فيه كما لو كان يراه لأول مرة، وصمتَ، واكتفى بخطّ اسم المؤلف على الرمل، وغادر مسرعاً، ومات بعد أيامٍ. لعلّ العلامة أدرك ما بيْن المؤلف محمد الهجابي، وسارد حكاية إمارة البحراء، وأحمد الهلالي موقّع رواية زمان كأهله، منْ علائق ملتبسة. يقول أحمد الهلالي: «أقبلَ عليّ الرجل، فألفيتُني أنفض يديّ مما علق بهما، وأتأهّبُ للسلام. ألقى التحية، فرددتُ عليه بأحسن منها. وتعانقنا، عناق الأب والابن، وعناق الشيخ والمريد. فبهرتُ بما يحدث. نظر في وجهي برهةً من الزمن، مُحقّقاً، ومتفحّصاً. ثمّ أحاطَ كتفي بذراعه، وأجلسَني جوارَه، عند منبت حائط البرج.» (ص. 11). لعلّ هذه الالتباسات هي ما جعلَ علامة الحصن يشعرُ بالفزع؛ فزع أخذه سريعاً إلى القبر. وإذا كان المؤلّف ينتمي إلى بلاد لاحظَ ساردُ الحكاية أحمد الهلالي في منامه، أثناء مروره بها، أنّ الاخضرار لا يغشى ساحاتها، وأنّ الطيور لا تملأ أجواءها بالتحليق والتغريد، ممّا جعله يتساءلُ: «أهي اللعنة حلّت بهذه البقاع أم أنّ البشرَ، بطبيعتهم، يضمرون نزوعاً محرضاً على الإفناء والتدمير؟» ( ص. 118)، وإذا كان شاهد قبره المثلث قد وجد بقربِ بقايا ضريح الشيخ الذي لبس الخرقةَ وهو صبي، فهل يعني هذا أنّ علامة الحصن أدركَ، منْ خلال دلالة ورمز الاسم المخطّط على الرمل، هول ما يمكن أن يفعله البشر بأبناء جلدتهم حتّى ولو كان بينهم ضريحٌ مثل ضريحِ الشيخ الذي « كان مقامه في العرفان والولاية أشهر من نار على علم»، ومريد مثل المريد محمد الهجابي، أو بسبب وجود أمثالهما بينهم، هذا إذا لم يكن الحريق قد جعل شاهدَ الضريح يتطايرُ ويتساقطُ بأحد جوانبه، فيكونُ الشيخ صاحب الضريح هو محمد الهجابي نفسه، ويكون علامة الحصن قد جاورَه في زمنٍ غابرٍ؟ أم أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بتوقيع المؤلف لعمله كما كان ألفريد هيتشكوك يوقّع أفلامه بالظهور العابر فيها؟

وهذا اللّبس بين الشخصيتين سيمتدُّ إلى الرواية الرابعة إناث الدار:

«بعد الآن سأعيِّن هذا الصحافي باسمه: الهلالي. أحمد أو محمد الهلالي. لا يهمّ. أسمّيه كذلك لأنّ هذا هو اسمه، ما في ذلك من شك. الأشياء التي حكى عنها، وتلك التفاصيل التي عرض لها، كانت الفيْصل. كيف عرف بقصّتي مع إناث الدار مثلاً؟ ثمّة أمثلة كثيرة أدلى بها في تواتر. هذا الرجل كان كذلك من أبناء العساكر.»[5]،

«ذات أحدٍ زرتُه (أحمد الهلالي) بمكتبه ببيت لحم. ركبنا سيارتي، رونو 4. مشينا على الشّط. نعتَ بإصبعه صخرةً كبيرةً وأخبر بأنّه في وقت سابق كان يأتي الصخرة ويطيلُ القعودَ عليها. يقضي ساعاتٍ وهو يحدق في اصطخاب الموج وانكساره في الأسفل. وقال إنّه مرّ بأوقات عصيبة. في المطعم بحي المحيط، سيصرّح بأنّه كان مغرماً إلى حدّ الوله بامرأة. وكاد عشقه الجنوني لها أنْ يودي بحياته. فكان يجيءُ الصخرة الكبيرة المتهالكة على شفير الماء ويظلّ يرنو إلى الأمواج وشيءٌ مبهمٌ ينبعثُ من دواخله لا يني يحرّض على معانقة الماء والتخلّص نهائياً من هذا العذاب العُثة. لكنّه لم يكن ليجرؤُ. زقوُ النوارس هو الذي أنقذه. هو يعتقد في ذلك. ويقول إنّه صار مديناً لهذه الكائنات المدهشة التي تمنح مظهر الطير فيما هي تكشف عن كائنات خارقة. ويحكي أنّه كان كلّما عثته فكرة الارتماء إلى قعر المحيط انبرتِ الطيور تحلّقُ حول رأسه في دوائر حلزونية وهي تزقو، كأنّما تهتف به بأن يصفح عن الفكرة. لقد أفاته الزقوُ فترة حرجة من حياته. هناك نطافة مرارة على ذلَقِ لسان الرجل وهو يحكي.»[6].

إنّها لعبة المرايا. تتشظّى الذات لأنّها تعدد. تعدد يستهدف تقديم صورة للذات أبعد ما تكون عن الذاتية المريضة وعن الموضوعية الجافّة؛ صورةٌ تجمع بين التاريخ والتخييل. الصورة المستحيلة، لربّما. وللقارئ أنْ يفصلَ بين المؤلف محمد الهجابي والصحافي أحمد الهلالي، أو أنْ يصلَ بينهما. وفي حال الوصل أو حال الفصل عليه أنْ يستمتعَ بلعبة المرايا هذه لعلّه يتلمس صورة الذات المستقلة المرغوب في بنائها.

هي ثلاثية، إذن؛ ثلاثية البحث عن الذات. قِسمها الأول موت الفوات يصوّرُ رحلةَ الذات من الجلوة إلى الخلوة، وقسمها الثاني زمان كأهله يرصد مواجهة الذات للجماعة، أما قسمها الأخير بوح القصبة فهو مخصص للعبة البوح والكشف عن الأستار.

2- مكان هذه القراءة هو الهامش. عتبات النص. قراءة ستحتفي بالنصوص المصاحبة، بنياتها ووظائفها.

وإذا كانت شعرية أرسطو قد أهملت جميع النصوص المصاحبة للنّص، والموجودة في محيطه، فإنّ شعرية جيرار جنيت قد حاولت سدّ هذا النقص بالاهتمام بما يسمى العبرنصية والتداخل النّصي والنّصية الموازية، مستفيدة في ذلك من تأمل جاك ديريدا للتقديمات في التقديم الذي خص به كتابه التشتيت (La dissémination) المعنون بِـ"خارج الكتاب"[7].

العنوان والتصديرات. عنصران نصيان يحتلان في استراتيجية الكتابة لدى محمد الهجابي موقعاً دالاً. في الغالب يختار الكاتب لرواياته عناوين موضوعاتية حسب تسمية جيرار جنيت[8]. وهي العناوين التي تشير إلى موضوع النّص وفق تحديده.

 . موت الفوات رواية تدور حول حدث اختفاء بطل «علمنا من مصادر مطلعة أنّ المواطن أ. ه. لم يعد مساء البارحة إلى شقته بالعمارة الكائنة بشارع مدغشقر، وسط العاصمة.»[9].

 . زمان كأهله عمل روائي يتغيا نقد الزمان وأهله «إنّ الزمن، هنا، لن يكون إلاّ عدماً.»[10].

 . بوح القصبة تصوّر انتقالاً من الداخل إلى الخارج، من العتمة إلى النور «تساءلت في خاطري عمّا يدفع بنا، نحن البشر، إلى ابتداع الأستار، مختلف الأستار، ثمّ الكشف عنها بعد حينٍ، ضمن لعبة أمداؤها لا تحدّ، ليغمرنا إحساس بأنّنا قد أصبنا وكدنا في تلك النهايات العجيبة، المدينة للخوافي.»[11].

 . إناث الدار روايةٌ يسترجعُ فيها البطل مشاهد من طفولته في مدينة تطوان أثناء حرب الرمال بين المغرب والجزائر؛ حرب شارك فيها الرجال الجنود لدار يسكنونها مع عائلاتهم، فبقيت إناث الدار تحت رعاية البطل الطفل «فقط بعد لقائي بالشيوعيين في بداية السبعينات سأعرف أنّ حملة الاعتقالات التي وسمت فترة الستينات إنّما استهدفت مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وشيوعيين ومناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وفي مقدمتهم رئيس الاتحاد حميد برادة. في ذلك الوقت، في تلك السنوات البعيدة، لم يكن يعنيني أن أدرك هذه الأمور ( كيف أدرك وأنا طفل بعد، وابن جندي إلى ذلك؟) قدر ما كان يهمني أن أتدبّر شؤون الدار. أهتم بأحوال إناثي في المرتبة الأولى. هذا الكلام أفضيت به إلى الهلالي وأنا لا أني أنظر إلى ميناء الساعة في معصم يدي اليسرى.»[12].

. كل هذا روايةٌ تتمحورُ حول انهيار عمارة كانت في طور البناء، وستحاول تقديم صورة عن المجتمع في نهاية التسعيينات وبداية الألفية الثالثة. والعنوان مأخوذ من آخر الرواية «لو قيض لي يومًا أن أصادف زهير، عند عطفة زاروب أو على قارعة شارع، ربّما أتجرّأ، فأطرح عليه هذا السؤال: فهل بعد كلّ ما جرى، ما يزال يوسف الإدريسي العلمي لاأباليًا، كما قرّرت، يا السي زهير، ذات سهوٍ؟ أقول: ربّما أتجرّأ، وربّما لا أفعل. ثمّ ما أهمّية هذا السؤال أصلاً، بعد كلّ هذا.»[13].

3- موت الفوات عبارة تشير إلى الموت المفاجئ. يتساءلُ أحمد شوقي في إحدى مراثيه قائلاً:

وأيّ المَصرَعَينِ أشدُّ: موتٌ على عِلمٍ، أم الموتُ الفواتُ؟[14].

وهو سؤالٌ يبغي منه أمير الشعراء دفع المتلقي إلى الإقرار بأنّ الموت الفوات هو أشدّ وقعاً على المرء من الموت المنتظر، المعلوم. وهذا المعنى القريب؛ الرحلة الأفقية[15] في الزمان من الحياة إلى الموت، موجود بالرواية:

«مرّ يومان على اختفاء عبد الصمد، انقطع خبره بالمرة، كما لو أنّ الأرض توأدت عليه. ثمّ إنّهم حملوا صوره، مسنودةً بخبر عن متغيّبٍ إلى الصحف. غير أنّه، وقبل أن يطلعَ النبأ على أعمدة الجرائد، جاءهم والدها، صباح اليوم الثالث، ليصعقهم بالنبأ الجلل. مات عبد الصمد، عبد الصمد مات. عثر على جثته، عند الفجر، بالشاطئ، على بعد أربعين كيلمتراً، ناحية الجنوب. وجد الجثة أحد الصيادين في دغل من الأجرف(...) قيل إنّه انتحر. مزّق عروق معصم يده اليسرى بشفرة حلاقة. ثمّ رمى بنفسه إلى البحر.»[16]،

«صباح يوم 17 يوليوز.... نقلت مريم، على وجه الاستعجال، إلى مصحة. وبعد ظهيرة اليوم الموالي توفيّت عن عمر يناهز السابعة والثلاثين. الخبر نزل علي كالصاعقة. يقيناً، لم أكن الوحيد الذي بهت، وهو يسمعُ به. قيل إنّ الخادم لما ولجت الفيلا، كالعادة، في ذلك الصباح، عثرت على مريم ممدّدةً على بطنها، فوق الفراش. نصف جسمها العلوي شبه عار، فيما ارتخت يدها اليمنى على حافة السرير إلى الأسفل، وتعقّفت اليد اليسرى إلى الخلف. وما إن وقعت عينا الخادم على علب الأقراص الملقاة على الأرضيّة، والمتكوّمة فوق الصوان الصغير، في الجنب، حتّى فهمت كل شيء» (ص. 140)،

 « كانت المرأة تتألّمُ بمضاضةٍ. وقد تكون قررت مصيرَها. وأيّ مصيرٍ! هي، وحدها، كانت تعرفُ، وقطعاً، فلا أحد كان يزعم أنّها ستقضي بهذه الطريقة، وبهذه السرعة كذلك» (ص.141)،

«لم يخطر ببالي أنّ مريم ستقدم على الانتحار.. هكذا، وبهذه السرعة. شيء لا يصدّق. أمرٌ غير معقول. لماذا فعلت ذلك؟» (ص. 161).

وفي الرواية معنى آخر غير معنى الرحلة المفاجئة من الحياة إلى الموت، وهو معنى الرحلة في المكان أفقياً بالهجرة إلى الخارج بعد انسداد الآفاق في البلد:

«لكن سعاد لم تترك لي متسعاً من الزمن. قالت إنّها قررت أنْ تهاجرَ (...) ثمّ أضافت.. بأنّها لم تعد تطيق البلاد. كلّ شيء أصبح مقرفاً. ولا يستحقّ حتّى الرثاء. الحلّ أن تغادر قبل فوات الأوان.» (ص. 105)،

«قالت نعيمة إنّه القرار الأنسب. وأردفت: إمّا الهجرة أو الجنون.» (ص.105)،

«قالت(نعيمة) إنّها ستهاجر (...) وقالت إنّها لم تكره على ذلك، بمعنى ما، وإنّما هي التي طلبت ذلك، بمحض إرادتها. على أنّ الذي حفزها على هذا الاختيار هو خوضُ تجربةٍ مغايرةٍ، بعدما ضاق هذا البلد بأحلامها. وأضافت بأنّ البلاد زحمةٌ، ولم يعد هناك منْ موطئ لقدميها الاثنتين معاً. وبنبرةٍ مُرّةٍ، قالت إنّها اجتوت هذا البلد» ( ص.175-176)،

«واستفسرتني (نعيمة)، من جهتها، إنْ كنتُ على معرفة بهجرة خال سعاد، مصطفى الشادي، وزوجته، وابنتهما إلى كندا.» (ص. 178).

ونرى أنّ هناك معنى ثالثاً وهو الذي يبني خطاب الرواية : معنى الرحلة العمودية من الجلوة إلى الخلوة، من "الانكشاف والبروز"[17] إلى "الانقطاع عن الغير"[18] و "الاشتغال بالفكر"[19]. إنّها رحلة منَ الجحيم إلى الجنّة والمطهر المحبّة. هذا ما ستضيئُه التصديرات.

 

5- اختار الكاتب لروايته ثلاثة تصديرات، وهي:

* التصدير الأول:

 يحرق بالنار من يحس بها    فمن هو النار كيف يحترق

 (أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب التصوف)

* التصدير الثاني:

وكل من سكن إلى سواه فهو محجوب

 ( أبو يزيد البسطامي، شطحات الصوفية)

* التصدير الثالث: الأشكال لاحقة بأشكالها

 ( عبد الرحمن بن محمد الأنصاري، مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب) (ص. 4)

التصديرُ ليس حليةً نصيّةً، زخرفاً مجانياً. إنّه مدخل للقراءة، ويصلُ العنوان بالنّص، ويسهمُ في تحقيق التداخل بين الداخل والخارج النصيين عبر وظائف متعددة[20]. التصديرُ، لذلك، عنصرٌ بنائيٌ للنّص والدلالة والخطاب. بل إنّه عند محمد الهجابي استراتيجيةٌ كتابيةٌ شبه قارة. فجميع أعماله تتضمّن تصديرات ماعدا نصوصه القصصية :كأنّما غفوت، وروايته الخامسة كلّ هذا.

ونرى أنّ التصديرات الثلاثة التي اختارها الكاتب لروايته موت الفوات تخدمُ وظائف تسويغ اختيار العنوان وإيضاح دلالته، وتحديد دلالة النّص، والإيحاء بالرسالة الخاصة للتصديرات، والإشارة إلى توجه الكتابة، كما سيتبيّن ممّا يلي:

* التصدير الأول: الجحيم

التصديرُ بيتٌ شعريٌّ وردَ ضمن الباب الأربعين من كتاب التعرف لمذهب التصوف للكلاباذي، والمعنونُ بِـ"قولهم في الخوف"، وفي هامش 1 يرد نص للغزالي في بيان حقيقة الخوف ممّا جاء فيه: «اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال»[21]. فما طبيعة هذا التألم، وذاك الاحتراق اللذين يستبدّان بقلب السارد أحمد الهلالي ويحوّلان حياته إلى جحيم لا يطاق؟

«الآن فقط، بدأتُ أدرك، أنا أحمد الهلالي، وإنْ بشيءٍ من التأخر الفاضح، أنّ تلك الغشاوة التي تكبس عليّ من كل الجهات، تقريباً، هي أشبه ما يكون بما ينعته الخيميائيون القدامى بمرحلة السواد، التي يرمزُ إليها بمعدن الرصاص، وهو أبخس المعادن» (ص. 5).

مستهل الرواية يكشفُ فيه السارد عن تلك الغشاوة التي تكبس عليه منْ كلّ الجهات، ويربطها استناداً إلى الخيمياء القديمة (وهي ممارسة قديمة ترتبط بعلوم الكيمياء والفيزياء والفلك (التنجيم) والفن وعلم الرموز وعلم المعادن والطب والتحليل الفلسفي) بمرحلة السواد المتميزة بالفساد والعفونة وبمعدن الرصاص البخس. وإذا كان مصطلح الغشاوة يعني في الطب تلك الطبقة الرقيقة التي تعلو العين وتضعف النظر، فإن هذا يعني أنّ السارد كان جاهلاً لا يرى الأمور بوضوحٍ، وبداية الإدراك المتأخر حقيقة الواقع المحيط به سترتبط لديه بالاحتراق والتألم.

«كان الألم المبرح يضغط على رأسي كلّه، بشدة. وحسبتُ الرأس على وشك الانفلاق.» (ص. 7)،

«أخذتني، بدوري، نومة قصيرة، إذ أفقت مفزوعاً، ولكم سعيت إلى الوسن، بعدئذٍ، فما طاوع، ولا حنّ. كنتُ أستعطفه، فيجافي. وأهفو إليه، فيهجرُ. وكيف يغمضُ لي جفنٌ، والكيان كلّه مثخنٌ، يئنُّ.» (ص. 19)،

«لما التحقتُ بجريدة الحزب صرتُ، بالكاد، أفارق مكاني.» (ص.52)،

«وها ستة أيّام قضيتُها بين مثلّثٍ محسوبٍ...فالشقة، فمقر الجريدة، فالسوق الممتاز، فالشقة، فالمقر، فالسوق...لم أطأ عتبةَ مقهى أو بار، لم أزر صديقاً. لمْ ألج معرضاً أو مكتبةً. حفظتُ جملةً جاهزةً، وصرتُ أستظهرها عند الإجابة عن المكالمات الهاتفية: بخير، شكراً، لا يمكن، مشغول. أحياناً لا أرفع السماعة، فأترك الجرس يرنُّ ما شاء له (...)، ثمّ إنّني سعيتُ، ما أمكن، إلى الاقتصاد في خطابي، أثناء الاحتكاك بالآخرين. استوعبني التفكير» (ص. 35)،

«الأيّام تترى رتيبة، جوفاء، كابية. والأجواء العامة ما تزال تبعث على القلق. أثقالُ أحداث الشهور الفائتة ما انفكّت تكبسُ على مجرى اليومي.» (ص. 67)،

«كلّ الأشياء تبدو لي بلون الرماد.» (ص. 106)،

«كان الزمن، يومئذٍ، رديئاً، ورديئاً كان.» (ص. 164)،

«وهذه المباني العالية التي تفتك بي، وتفرغُني منْ روحي، كما تُسفّ بيضة منْ محتها.» (ص. 155)،

«ثمة أشياء تتحرك داخلي. هذا مقام أعيه بالتأكيد. لكن لا أستطيع القبضَ على جمره. الجمر الحارق. ذاك الجمر الذي ما إن تقربه بالسبابة، حتّى من غير أن تمسسه، يصدّك بسخونته اللافحة، فتنكفئ ملسوعاً إلى الوراء. ثمّ سرعان ما تجد نفسك، كالفراشة، تعاود الكرّة، مشدوداً إلى بريقه المتشظّي، كما لو كنت مخدّراً، أو كالمسرنم.» (ص. 149).

ما مشكلة السارد، إذن؟ يقول: «أبحث عنّي، بعد أن فقدتُني منذ ما ينيف على العقدين من السنين.» (ص.15) شخصٌ يكتشفُ أنّه فقد ذاته منذ عشرين سنة. هذا هو جحيم أحمد الهلالي. جحيم يستعرُ بفعل الارتهان لممارسةٍ سياسيّةٍ يوميّةٍ:

«أذكر، الآن، وإن بقدر من الامتعاض، المشوب بلمعاتِ الحنين الوارف، والكاسح أحياناً، تلك السنوات التي أمضيتُها متنقّلاً بين المدن والمداشر، أنشرُ الدعوة، وأحشدُ الجمهور لصالح القضية، شبه متفرغ منْ حيث الأجرة التي كنت أتقاضاها، ومتفرغاً، بالكامل، منْ حيث الارتهان لممارسةٍ حزبيّةٍ يوميّةٍ. وعلى ما كانت عليه هذه السنوات منْ زحمة، فلم تكن لتخلو منْ طرائف وحكايات.» (ص. 168-169).

* التصدير الثاني: الجنة

وهو تصدير لأبي يزيد البسطامي مقتطف من كتاب شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي. وقد ورد في سياق العبارات التالية: «والجنة هي الحجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة، وكل من سكن إلى سواه فهو محجوب.»[22]، والحجاب هو «انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحقائق.» كما قال الكاشاني[23]. أما ابن عربي فيشرح الحجاب قائلاً: « كل ما ستر مطلوبك عن عينيك»[24]. الحجاب إذن منعٌ وحجزٌ. لكنّ سعاد الحكيم تنبّه إلى أنّ الحجاب ظلّ «مشبعاً بالسلبية يتجنبه المتصوفة وتنفر منه تطلعاتهم إلى أنّ "بصمه" ابن عربي بإيجابيته الفاعلة فأصبح الحجاب باباً وطريقاً موصلاً للمحجوب به. فلا وصول إلى المحجوب من غير الحجاب. إذن الحجاب هو الفاصل الموصل وليس الفاصل المانع."[25].

لكن، ما الحجاب بالنسبة لأحمد الهلالي؟ وماذا يحجب؟

غاية الهلالي الوصول إلى ذاته، جنّته. فالمحجوب هو الذات. والذات ليس مكاناً فردوسياً، بل هي طريق. والطريق أهوال وغمرات. والحجاب متعدّدٌ. أوّله الجماعة. الجماعة حجاب يمنع الذات منَ التحقق. والجماعة حجابٌ خرقه يمكن من بناء الذات. هذا ما وعاه الهلالي:

«بعيداً عن الزعيق، والهدير، والدخان، والجدران السامقة، الإسمنتية، المكسوة بالزجاج السميك، جرّتني خطواتي المتمهّلة، ظهيرة فاتح ماي، إلى داخل الأسوار، أمشي بحذاء الحيطان العتيقة، أتوسّمُ استغوار حبلها السري (...) هنا، بين هذه الحيطان الملفّعة بسكون الظهيرة، وبأنفاسِ العتاقة، أجدُ شيئاً من الطمأنينة، وهدوء الخاطر. إذ، على قدر احتجابي عن الخلائق، وانغماري في تلافيف هذا الجسد الطيني، على قدر إدراكي لأحوال الانسحاق التي أكون عرضة لها، وأنا وسط زحمة المناكب، أو حبيس الزجاج، والاسمنت.» (ص. 61-62).

غشاوة السارد ستزولُ بقدر احتجابه عن الخلائق، وانغماره في الجسد:

«الأجدرُ بي (...) أن أرحل إلى مكان بعيد، حيث ليس بمكنة أحدٍ أن يتعرّفَ عليّ.» (ص.106)،

«حريٌ بي أن أستبطنَ صدفتي، وأقبعَ في قعرها، لا أوذي أحداً، ولا أعرض ذاتي لأذية أحدٍ.» (ص. 139)،

«آثرتُ أن أقف فوق هذا المرتفع أتابعُ بعين غائبةٍ اصطفاق الموج، ونثاره البارق (...) وعندما لمحتُ سرباً من طيور الماء يحلّق على مقربة من سطيحة المقهى المتاخم للشاطئ، على يميني، تذكرتُ الشريط السينمائي للمخرج ألان باركر الذي تماهى فيه أحد بطليه "ماثيو ماندي" مع طائر، وتخيّلتُنني، وسط السرب، أضربُ بالجناحيْن ذات اليمين، وذات الشمال، ثمّ أنسلُّ وحيداً في اتجاه الأفق. لنْ ألتفتَ إلى الخلف قرّرت، ولا إلى الجنبيْن أيضاً. بل، سأظلّ أطيرُ، وأطيرُ فقط.. حتّى إذا ما تبينت بأنّ لا شيء لم يعد يشدّني إلى نقطة الانطلاق، آويتُ، ساعتها، إلى أقرب محطة. قد تكونُ أرضاً لم تطأها قدمٌ من قبل، ولربّما كانت إحدى جزر الأرخبيل إيّاه، أو هذا الأوقيانوس الممتدّ إزائي. وهناك فحسب، أحطّ رحالي، وأختار منفاي.» (ص. 144-145).

من فوق هذه الصخرة المشرفة على المحيط لمْ يختر الهلالي الموت الفوات، الرحلة الأفقية في الزمن بالقفز منْ على الصخرة إلى قاع البحر. اختارَ الرحلة العمودية منَ الجلوة إلى الخلوة. ومطيّة السفر الخيال، فمنْ نوارس البحر، إلى فيلم ألن باركر طائر، إلى السارد الذي يتحوّل هو الآخر إلى طائر يغادر سربه، جماعته، معلومه، ألفته، ويتّجه إلى المجهول حيثُ جنّة الذات.

هل الأمر يتعلق بانهزام:

«وتساءلتُ إن كان محضَ صدفة، ليس إلاّ، هذا الذي زيّن لي أنْ أخنسَ، في وقتٍ يتهيّأُ فيه الحزب لعقد مؤتمره الوطني العام، والأمّة تُحضّر لتستفتى في الدستور المعدل» (ص.181).

إنّ القراءة السياسوية للرواية هي التي سترى في خنوس السارد هذا انهزاميةً وعجزاً. السياسةُ بهذا المعنى حجابٌ. إنّها لا تدركُ توجّهَ الكتابة في الرواية؛ توجّهٌ يرى الحجابَ فاصلاً موصلاً لا فاصلاً مانعاً، ويخنسُ عن الزمن الأفقي الجماعي المنساب كماء النهر، أو الرّيح، ويقبلُ على الزمن العمودي المتفرد حيثُ تصبح الرواية «المكان الذي يستطيع فيه الخيال أن ينفجر كما الأمر في الحلم»[26].

إنّ الأمر لا يتعلّق بقعودٍ، بل بِـ« اختيار الخلوة على الصحبة»[27].ومكابدة العزلة كما يقول الجنيد «أيسر من مداراة الخلطة»[28]، ذلك أنّ «علامة الإفلاس الاستئناس بالناس» [29]كما ينبّه الشبلي.

«ما يهمّني الساعة، هو أنْ أحفرَ تجويفاً غائراً، وطولياً، يضعُني في الضفة الأخرى. يفصلُ بيْني وبيْن الأغيار، وينزعُني منْ لجّة الهلوسات، وكبسِ الحال.» (ص. 134-135).

 الأمرُ، إذن، يتعلّقُ بمواجهةٍ استراتيجيةٍ لإمبريالية السياسة، وسعيٍ، عبر الكتابة، إلى تحقيق غاية كلّ الفعاليات الإنسانية: استقلال الذات وحرّيتها، وهي، لذلك، مواجهةٌ تعلنُ موتاً فواتاً، «مختتم عمر، وبداية عمر آخر» (ص. 181-182).

* التصدير الثالث: المطهر

وهو تصديرٌ مقتطفٌ منْ كتاب مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري، ومنَ الباب الخامس تحديداً المعنون بِـ«في المحبة المعنوية الخفية عن أذهان البرية». وممّا وردَ فيه: «وقال بعض الحكماء: " لكل شيء في العالم مغناطيس يجذبه وضد ينافره"، ولهذا قالوا: "الأشكال لاحقة بأشكالها"»[30]. ويشرح الأنصاري هذا بالقول «إن كل متلازمين في العالم إنما تلازما بأمر عشقي كان ذلك ظاهرا أو باطنا.»[31].

رواية موت الفوات هي حكاية حب.

«تذكرتُ، في الحال، يوم قلتُ لسعاد إنّني سأخصّها بكتاب عنْها. وتساءلتُ عمّا إذا لم يكن هذا الذي أنا، الآن، بصدد تحريره هو ما كنتُ وعدتُها به؟» ( ص. 148).

يرى أحمد الهلالي أنّ تحقيق الذات لنْ يتمّ إلاّ بالاتصال بالآخر، والتواصل معه. وهو تواصلٌ يلزم أن ينتهيَ بالوصال حيثُ يصبح العاشقان ذاتاً واحدةً جديدةً هي ذات العشق. الذات العاشقة[32]. وهو أمر تحقق في الرواية عبر الوصال الجنسي:

«وما أن ودعتهما أسفل العمارة، حتّى هرعتُ صاعداً، أطوي الأدراج، تحتي، طياً. وجدتُ سعاد بالمطبخ. جئتها منَ الخلف، وقبّلت عنقها حذاء الأذن اليسرى. استراحت لي، ولانت. ودفعتْ بظهرها إليّ. أخذتُها، وعانقتها. فأحاطت جسدي بذراعيْها، وأسندت رأسها إلى صدري. وفي التو، غمرني عطرها الفواح، المشوبُ برائحة عرق الجسد الأملود، فأجّجت لواعج الشهوة فيّ، وأوقدت الرّغبة الولهى. رفعتُها بين ذراعيّ بتحوّطٍ، وسرتُ بها إلى السرير. مددُتها على الفراش، واستلقيتُ لصقها، رحنا نتبادلُ القبل، والتأمَ اللسان باللسان، وانصهرَ الرّيق بالرّيق، ولريقها طعم المزج. ازدادت أنفاسُنا تسارعاً وتلاحقاً وفرفرةً. مررتُ يدي من تحت القميص، ونحّيتُ الساتان إلى أسفل. وبيْن يدي تكوّر النهد، ونفر، وانتفختِ الحلمة، وتصلّبت. فتحتُ أزرار القميص، ومرّغتُ وجهي في الصدر اللاّهب، النابض، أداعبُ، وأمزُّ. تخلّصت هي من التنورة، والبيكيني، والساتان. تجرّدت، أنا، من لباسي. قبّلت النتوءات، والخمائل، والانحدارات، والتقعّرات، والاستدارات، والانثناءات. كلّ أقاليم الجسد الفوار، قبّلتها. فانحنت أنثاي، وفاضت. ثمّ لززتُها، فغرست أظافرها في لحم ظهري. وراحت تشهقُ، وتتأوّه، وتتلوّى، وتتنطّع، ونحن في شباكٍ، وعراكٍ متّصلين، وأخذٍ وعطاءٍ، لا ينقطعان. ثمّ إنّنا اندمجنا في جسدٍ واحدٍ. لم يعد هناك منْ مسافة تفصلُ، ولا منْ توسّط يوصلُ. صرنا الجسد الأصلي، البدْئي. وعند لحظة معينة، تصوّرتنا في منطقة منَ الكون، فوقها عماءٌ، وتحتها عماءٌ، وأنّ روحنا ستزهقُ، وستفلتُ منّا، وكلّنا صبيبٌ، وحممٌ. ثمّ أصابتنا، على التوالي، رعدةٌ، وقشعريرةٌ. وهمدت منّا، عقبها، كلّ الأعضاء، وخمدت.» (ص.30).

وقبل الوصول إلى هذا الجسد الأصلي الواحد كان السارد يؤمثلُ هذه المرأة:

 «امرأة نحتت بأزميل منْ نورٍ، وصيغت منْ شذورِ الذّهب. أنثى تشذّ عن المألوف، وتنزاحُ عن المعتاد، اجترحت منْ منحوتات اليونانيين تكامل عناصر المظهر، واكتسبت منْ لوحات فناني عصر النّهضة ذاك البريقُ الذي ينبجسُ منْ كائناتها السماوية، المجنّحة، ويفرقُها عن الكائنات الترابية التي أنتمي إليها.» (ص. 43).

دخولُ هذه المرأة في حياة الهلالي جعله يطرحُ عدّة أسئلة تكشفُ عنْ صعوبة بناء الذات العاشقة، بوصفها ذاتاً جديدةً لا ذاتاً هي محصلة الجمع بيْن ذاتين:

«كيف يمكنني الحفاظ على هذا المولود في مناخ خالٍ منَ الإكراه، والمسبقات، مهما تكون، وأيضاً، بمنأى عن الحمولات السلبية التي طبعت تجاربي السالفة"(ص. 46).

وكيف سيحقق الهلالي ذلك؟ عبر إبعاد الجماعة عنْ هذا الأمر الخصوصي جداً:

«أحاولُ ألاّ أجعلَ منَ السياسة، والحزبية، والايديولوجيا، القاعدة الخلفية لتأسيس أيّة آصرةٍ إنسانيّةٍ.»(ص. 47).

ورغم أنّ سعاد ملأت حياة السارد برمّتها، فإنّه يعبّرُ عن فشله في بناء الذات العاشقة بمبرر الانكفاء على الذات الفرديّة، أو بمبرر التملّص منَ المواضعات المتعارف عليها:

«إنّني لا زلت على غير استعداد لتحمّل مسؤولية إضافية، غير مسؤوليّة نفسي.» (ص.53)،

«لقد التقينا، أنا وسعاد، لكيْ نفترقَ. هذه هي الحقيقة، أو بالأحرى هي الخلاصة الأقرب إلى الحقيقة كلانا يأبى الانحشار داخل إسارٍ منَ العلائق المتواضع عليها.» (ص. 106)

لكنّه يعود ويكتب:

«رحلت سعاد، وخلفت فراغاً حولي.» (ص. 54)،

«تفكّرت سعاد. وجهٌ طفوليٌ. جسدٌ رشيقٌ. إحساسٌ مرهفٌ بالأشياء. إلمامٌ واسعٌ بثقافات أخرى. تلقائيةٌ. جاذبيةٌ. لمعةٌ من الجنون، قلّما حازتها أنثى. امرأةٌ من نار تخلّقت. لكلّ ذلك، أجدني مشدوداً إليها، مأهولاً بها، تسكنُ جوف النفس، وتغمرُ دغل المخيّلة.» (ص. 19).

سعادٌ المرأةُ النارُ. المرأةُ اللهيبُ[33]. النار التي تحرقُ العاشق فيحسّ بها. النار التي لا تحترقُ. النار التي تذكّر السارد بوحدته، فشله في بناء الذات العاشقة بما هي ذات جديدة تتولّد من استحسان وامتزاج ذاتيْن مختلفتيْن. سعادٌ نارٌ في مدفأة في بيتِ أحمد الهلالي، رواية موت الفوات. سعادٌ المرأةُ النارُ. المرأةُ القصيدةُ:

«آه سعاد!

هل أبوحُ بما تكلّس داخل سراديب الروح، أم أرتّقُ ما تمزّق منْ عناد الأوصال، ثمّ أهيمُ منْ حيثُ كنتُ؟ يا ابنة السندس. كيف لي، الآن، أنْ أرومَ أقاليم الكلام الشفيف، والوقت، يا وعدي، زحمةٌ؟ وكيف لي أنْ أعبرَ صمتي الموشوم بأناة هذه الفلاة؟ هل تصدقيني سعاد، وهل تصدقين؟ وردةٌ للصقيع، وأخرى لنارٍ لا تني تستعرُ منْ غير لسان تداعبه شطحاتُ الرياح. سأمضي سعاد نحو كهوفي الجوانيّة، وسأبحثُ عنْ أصداء الأزمنة الأولى، لعلّي أعثرُ على سرّ الرؤيا التي تضغطُ على أنفاسي، أو لعلّي أجدُ عماء المتاهة الذي يأسرُني. قد ينوءُ هذا الجسد بأوزاره، وقد تظمأُ ينابيعُه، وقد تستعصي كواتُه على امتصاص أديم تكوينِه الأورفيوسي. ليكن سعاد. فهذه الروح عبثاً تقيم أوْدها. وعبثاً تصدحُ بأناشيد أناتها. ليكن. فلنْ أرتّل، بعد اليوم، سوى ما فاضَ به الخاطر. وما الخاطر، سعاد، غير تلك الأخلاط التي شكّلت هذا التّكوين. وأيّ تكوين؟» (ص. 109-110)[34]،

«آه سعاد!

لم يكن لهذا الوليد أنْ يعمّر طويلاً، فمن أين له بالجناحيْن؟ قد يبتسر زمانه. وهمٌ للذاكرة أم أرجوحةٌ للمسخ. لمْ يكن له أنْ يركب الرأس وقتَ حالت شمس الغسق إلى جلطة فسفوريةٍ. آهٍ لم يكن له ذلك...لم يكن.» (ص. 124).

«آه سعاد!

لعلّ في هذا اليباب قدراً منْ رعشة الوصال، تخفقُ لها المهجُ الرّاعفةُ، فيكون الوقت سهاماً ترشقُ البدن الحامل لرعشةٍ لم تعلن عنْ مصدرها بعدُ، ويكون البدنُ لحظةً في الفراغ. منْ ينزعُ فتيل الحريق منَ المسام، ومنْ يهيلُ على الكفن قبضةَ تراب ندي؟ لنْ يصحبَ هذا الخليلُ كلّ صلواته إلى المعبد، فقلّما هبّت نداءاتُه من الغور، فحركت عطش السراديب. وإنّما علت أرخبيلَه طحالب من سوادٍ. وزنّرت جزره"عرائس من قصب". يا هذا، ما لي أراك تستوي في دثار من لهبٍ؟ قد ينيخُ هذا السّمك على الجفون، فتفقد صبوةَ الغرق، وتصطلي شهواتُك برحيقِ الرمال.» (ص. 125).

«آه سعاد!

لمَ زنّرت قلبي بالسباخ، وتركتيني أسيرَ عطر شعرك الكستنائي، الباذخ، ورائحة جلدك المتميّزة، والصارفة؟ كيف لي أنْ أتخلّص منْ طيفك المضاعف، لكمْ مرّةٍ، فأُبعثَ عبر طرسٍ جديدٍ، يكونُ لي شهادةَ الميلاد، وماءَ المعمودية؟» (ص. 146).

المقطعُ الأوّلُ نحتٌ لسؤالِ البوح. إنّ تكلّس الروح، وتمزّق الأوصال، يجعلُ مهمّة قطع فلاة الصّمت والوصول إلى أقاليم الكلام الشفيف مستحيلة. ولا حلّ في الأفق إلاّ النزول إلى كهوف الذات الجوانيّة، والتّنقيب عن أصداء الأزمنة الأولى؛ أصداء الطفولة. وهدف هذا النزول، وذاك التنقيب العثورُ على إجابةٍ. إما الكشف عن سرّ الرؤيا وإمّا الغوص في عماء المتاهة. ورغم فداحة ثمن هذه الرحلة: تعبُ الجسد وجفافُ ينابيعه، فلا أفق إلاّ الترتيل؛ ترتيل ما في الدواخل من أخلاط.

والمقطعُ الثّاني طرحٌ لسؤالِ الحبّ. إنّه وُلدَ. لكن. ابتُسر زمانه، فلم ينبت له جناحٌ، وتحوّل إلى وهمٍ ومسخٍ. وحتّى الغسقُ أصبحت له شمسٌ. فلا نورٌ في الأفق. ولا ولادةٌ للذات العاشقة.

والمقطعُ الثّالث حفرٌ لسؤالِ الجسدِ. فالبدنُ، هذا الخليل، مسامُه حريقٌ، وسراديبُه عطشٌ، ودثارُه لهبٌ، وأرخبيلُه طحالبٌ سوداءُ. ولأنّ نداءاته لا تأتي منَ الغور، فرعشةُ الوصال وصبوةُ الغرق ورُعافُ المهج ليست إلاّ يباباً يجعل الشهوات تصطلي بحريق الرمال.

والمقطعُ الأخيرُ صوغٌ لسؤال الكتابة. المرأةُ. تحاصر المرأةُ قلبَ الذات بأراض قاحلة مهجورة، وتأسرُه بعطر شعرها ورائحة جلدها. فهل سبيل الخلاص منْ طيف هذه المرأة المضاعف نسخ طرس جديد. أتكونُ الكتابةُ بعثاً وميلاداً. أليس ماء الكتابة أوّل الأسرار، والاغتسال به وفيه حياة. الحياة؟

وبعد،

لنقل إنّ محمد الهجابي، أو أحمد الهلالي أو محمد الهلالي، أو لنقل الشيخ أو المريد، لا يهمّ، المهمّ أنْ نقولَ إنّ هذه المرايا تعكس ذاتاً احترقت بلهبِ السياسة والحبّ. احترقت إذ تحكّمت فيها الجماعةُ، واستبدّت بها سطوةُ العشق وسعيرُه، فكانت ذات هسيس جنون قابَ قوسيْن أو أدنى منْ معانقة أمواج المحيط، والاختفاء الفعلي في لجّه إلى الأبد لولا زقو النوارس الذي نبّه الذات منْ ذهولها فحولت هذا الموت الفوات منْ موتٍ فعليٍّ إلى موتٍ مجازيٍّ عبر رحلة منْ الجلوة إلى الخلوة، منْ موت لمحمد الهجابي "الغشيم" و"البليد" (ص. 179)، و"الضبع" (ص. 37)، و"حمار الطاحونة" (ص. 146)؛ طاحونة الجماعة وهويتها العمياء القاتلة، إلى ولادة محمد الهجابي الكاتب؛ الذات الفريدة المستقلة المتوغلة في "كهوفها الجوانيّة"، الباحثة عنْ "أصداء الأزمنة الأولى". فهنيئاً للقارئ وللأدب المغربي المعاصر بهذا الوليد. ومزيداً منَ التوغل في الذاتية أفقاً للحرية والفرادة.

 

ذ. عمر نعسيلة

 

.......................

[1] محمد الهجابي، موت الفوات، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2005.

[2] محمد الهجابي، زمان كأهله، ندا كوم، الرباط، الطبعة الأولى، 2004.

[3] محمد الهجابي، بوح القصبة، ندا كوم، الرباط، الطبعة الأولى، 2004.

[4] Oswald Ducrot / Tzvetan Todorov، Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage، Ed. Seuil ; Coll. Points، 1972 (1979)، p. 286.

[5] محمد الهجابي، إناث الدار، نسخة مرقونة، ص.151.

[6] . محمد الهجابي، المرجع السابق، ص.151-152.

[7]  Jacques Derrida، La dissémination، coll. Tel quel، Ed. Seuil، 1972، p. 14.

[8]  Gérard Genette، Seuils، Ed. du Seuil )1987(، coll. Points، 2002، p.85.

[9]  محمد الهجابي، موت الفوات، مرجع سابق، ص. 13.

[10] محمد الهجابي، زمان كأهله، مرجع سابق، ص. 98.

[11]  محمد الهجابي، بوح القصبة، مرجع سابق، ص. 162.

[12]  محمد الهجابي، إناث الدار، نسخة مرقونة، ص. 158-159.

[13] محمد الهجابي، كل هذا، نسخة مرقونة، ص. 366.

[14] أحمد شوقي، الشوقيات، دار اليوسف، الجزء الثالث، 1987، ص. 46.

[15] نستفيد من الحديث عن الرحلة الأفقية والرحلة العمودية من تمييز باشلار في كل قصيدة حقيقية بين زمنيين: زمن متوقف، لا يتبع القياس هو الزمن العمودي، وزمن مشترك ينساب أفقياً مع ماء النهر، والريح التي تهب، وهو الزمن الأفقي.

 Gaston Bachelard، L’intuition de l’instant، Ed. Stock، 1992، p. 104.

[16] محمد الهجابي، موت الفوات، مرجع سابق، ص. 72. وستتم الإحالة على الرواية داخل المتن كلّ مرة.

[17]  سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، دندرة للطباعة والنشر، بيروت، 1981، ص. 257.

[18] عبد الرزاق الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، حققه وقدم له وعلق عليه عبد الخالق محمود، دار المعارف، مصر، الطبعة الثانية، 1984، ص.170.

[19] عبد المنعم الحنفي، معجم مصطلحات الصوفية، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الثانية، 1987، ص. 92.

[20] عتبات، وهي: يحدد جيرار جنيت هذه الوظائف في كتابه

تبرير اختيار العنوان، وتحديد وتوضيح دلالة النص، والإيحاء بالرسالة الخاصة للتصدير، والإشارة إلى الحقبة الأدبية أو الجنس الأدبي أو توجه الكتابة.

Gérard Genette، Seuils، op. cit. p. 159 et p. 160 et p. 161 et p. 163.

[21]  أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ص. 115.

[22]  عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفية، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية، 1976، ص. 163.

[23] عبد الرزاق الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، مرجع سابق، ص. 78.

[24]  محيي الدين بن عربي، معجم اصطلاحات الصوفية، حققه وقدم له بسام عبد الوهاب الجابي، دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1990، ص. 69.

[25]  سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، مرجع سابق، ص. 314

[26] Milan Kundera، L’art du roman، Ed. Gallimard )1995(، Coll. Folio، (1986)، p.27.

[27] أبو القاسم عبد الكريم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار الكتب الحديثة، القاهرة، الجزء الأول، ص. 300.

[28]  المرجع السابق، ص. 302.

[29]  المرجع السابق، الصفحة ذاتها.

[30] عبد الرحمن بن محمد الأنصاري، كتاب مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب، تحقيق ه. ريتر، دار صادر، بيروت، ص. 53.

[31]  المرجع السابق، ص. 54.

[32] Alain Badiou، Eloge de l’amour، Flammarion، Coll. Café Voltaire، 2009، p. 29.

[33] انظر إهداء كتاب محمد الهجابي، التصوير والخطاب البصري تمهيد أولي في البنية والقراءة (عينة التصوير الشعبي)، ديوان 3000، الرباط، الطبعة الأولى، 1994، ص. 7.

[34] بقية مقاطع القصيدة في الصفحات التالية من الرواية على التوالي : 124، 125، 146.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2365 الاثنين 25 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2365 المصادف: 2013-02-25 12:13:52