المثقف - قراءات نقدية

الرغبات المكبوتة في نصوص (نادية الكاتب)

لكل فرد سردياته ونصيبها من النجاح او الإخفاق، ومن الإيحاء او المباشرة ومن الإيجاز او الإطناب،وربما يكون كتاب القصة القصيرة جدا هم أكثر الناس عناية واتقانا لفن السرد الموجز.

فالسارد البارع هو الذي يكشف عن المخبوء بلغة رامزة مستهدفا الإشادة او الإنكار.

ويذهب بعض النقاد الى ان القصة القصيرة جدا تكون سطرا او سطرين او ثلاثة اسطر وقد آل هذا القصر إلى اختزال كثير من عناصر القصة القصيرة المعهودة، أو إلى تعديلها، وهذا القصر المفرط اثر على سردها اذ يقل في القصة القصيرة جدا السرد المتوالي وتضعف فرص نمو الحدث،مما يتطلب على القاص ان يتحلى ببراعة الإيجاز والتكثيف واختيار المفردة الدالة ووصنع القفلة المحكمة.

وتفضي قراءة القصة القصيرة جدا لـ (نادية الكاتب) التي لا تزيد على سطر أو سطرين الى انطباعات ان هذا الشكل الفني ينم عن قوة تركيز وطاقة تكثيف كبيرة لدى الكاتبة، فقد استطاعت ومن خلال كتاباتها المختزلة ان تحقق أهم شرطين من شروط إبداع الأقصوصة كما يرى النقاد وهما الإيجاز والتكثيف اللذين يضاف إليهما لمسة الخيال الإبداعي.

فـ (نادية الكاتب) مصداق للقاص الجيد الذي يراه (برنارد شو) مخاطبا صديقا سأله عن أفضل طريقة لكتابة قصة ناجحة اذ يقول (اقرأ القصَّة بعد أن تكتبها وافترضْ أنك سترسلها برقيةً، فإذا وجدتَ كلمةً لا تستحقُّ الإبْراق، فاحذفْها، وستكون القصّة حينئذٍ ناجحةً) لان اغلب قصصها عبارة عن برقيات مختزلة مكثفة وذات دلالة عميقة فأقاصيصها ذات مغزى وهي تقف على مسافة واحدة بين لغة النثر ولغة الشعر.

ومن الأدلة التي تثبت ما نذهب إليه قولها (وفي الحكاية ناديت جئت لأجلس قربك أعطيتني لوح شكولاته ذاب في فمي وذابت ابتسامتك في دمي وأنا أحدثك عن الذي يقلقني صحوت أمراة سعيدة بقلب معافى)

فهذا القدر من الإيجاز والتكثيف تحدثنا عن مصير جوهر العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة والتي تقوم على الحب المتبادل بين الطرفين،فالمرأة لا تشعر بالسعادة إلا أذا أحست بحب الرجل وجميل غزله، وقد أصرت الكاتبة على إغفال الأسماء لتوسع في دائرة الرمز، ولتكون هذه المرأة هي أي امرأة في كل العصور والمجتمعات تستجيب لنداء الرجل (الحبيب) عندما يناديها،وهنا تكتب حقيقة ثابتة لحالة إنسانية خالدة وهي أن الحب هو أساس التجاذب بين الجنسين، وهو أهم من أي شيء آخر، وإذا ا كان الحب، هو حقيقة إنسانية خالدة، قد استلهمت ألكاتبه منه قصته، فإن الحلم، بما فيه من أمانٍ وآمال، كان هو الآخر حقيقة غذّت قصة الكاتبة لأنه رمز مكثف يعكس أهمية الحلم في الحياة، فالنفس البشرية ستحل عليها العتمة إنْ هي كفّت عن الحلم، وسيهرب النور من عيني الناس، إنْ لم يحفلوا بقدس الأماني، فما أتعس الذين لا أحلام لهم، وما أضيق عيشهم وهو المكان الوحيد الذي نمارسه من دون رقابة وربما جاء توظيف الحلم للدلالة على هذا الأمر خصوصا وان المجتمع لا يسمح للمرأة من ممارسة هذه الأفعال في الواقع.

والمرأة حاضرة في اغلب قصص نادية الأخرى مما يوحي بأن هذا الصوت النسوي القصصي قد احتفى بأبناء جنسه معبرا عن همومها وسعادتها مما يوحي بأن (نادية الكاتب) عوَّلت على جعل المرأة عنصراً هاماً من عناصر التكوين القصصي لديها فتقول في نص آخر

-احبك

- وانا أيضا مازلت احبك لكن شاخت الحكاية

في اغلب نصوص (نادية الكاتب) تكون اللغة خالية من الحشو الضار، او العبارات الزائدة،فهي تعتمد لغة التركيز والتكثيف لوصف الذاتي والموضوعي، وتستثمر الكاتبة مسألة المزواجة بين الداخل والخارج، كما تحرص الكاتبة على إثارة دهشة القارئ من خلال المفاجأة التي تصطنعها في كثير من قصصها كما في القصة السابقة اذ نرى علامة الاندهاش واضحة في قولها (وانا أيضا ما زلت احبك لكن شاخت الحكاية) والخاتمة تدهش القارئ وهذا الأسلوب في القص يعد سرا من أسرار الإجادة في السرد،لان روعة الشاعرية لا تنبثق عن الخيال المجنح،بل تنبثق من صميم الواقع لتساعد إشاراتها على تركيب الفكرة وتكميلها بمجرد الرمز،او الإشارة التي تغني عن العبارة،لان الجمل المحذوفة تنوب عما لا يمكن لمسه حالا او مقالا.

فنادية الكاتب في نصوصها حاولت تتبع تفاصيل الواقع ونقله الى مفردات واقع القصة المتخيل وهي مصداق لما يسميه (جاكوبسن) أدبية العمل الأدبي والذي هو اختمار فكرة في ذهن الكاتب لنقلها أدبيا، وهذه الرؤية للواقع تختلف باختلاف الحمولة الفكرية والعمق الفكري للكاتب والقارئ معا ولهذا تتعدد القراءات للعمل الواحد،لان النص يشغل الاثنين (الكاتب والقارئ).

هذه الرحلة السريعة في نصوص (نادية) لاحظنا قدرة القاصة فيها على الحركة والتلاعب بالمفردات،كما انها اعتمدت على الاختزال كنظام لقصصها المترابط الثيمات، وهي تنتقي مفرداتها بشفافية عالية من اجل الخروج بنص محكم ومتين جدا لا شائبة فيه سوى انه نص رائع في نسجه وترابطه وهيكلته وفي رؤاه ،كما جاءت نهايات اغلب نصوصها بما يسميه النقاد (النهاية المعضلة) والتي يكون القارئ مشاركا في خلق النهاية دون ان يكون هذا الحل هو الحل المثالي الوحيد،او (النهاية المفاجئة) وفيها يفاجئ السارد القارئ بحل غير متوقع.

 

عماد كامل

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2371 الاحد 03 / 03 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2371 المصادف: 2013-03-03 13:18:12