المثقف - قراءات نقدية

تعدد الأصوات والرؤية الدرامية في ديوان" فاتن الليل" للشاعرة المغربية نجاة الزباير

najia  janna"فاتن الليل" ديوان شعري لنجاة الزباير، صدر سنة 2012 عن منشورات أفروديت بمراكش، صورة الغلاف من تصميم الشاعرة عن لوحة الفنان البريطاني جون وليام ووترهاوس، الصورة عبارة عن تجسيد لامرأة في حالة انتظار بجانب البحر، ترتدي ملابس شفافة،  ذات ألوان  زاهية هادئة وبسيطة تزرع الأمل  في المشاهد، بتصفيفة شعر كلاسيكية، تتسم بالاتزان  وتوحي بالتأمل والانسجام، قراءة الغلاف يعطي انطباعا مغريا، ويحفز جرأة القارئ للاطلاع على محتوى الديوان، ومن خلال التقديم الذي قدمت به الشاعرة الجزأين الأول والثاني من ديوانها سيتنبأ القارئ بنوعية القصائد ومواضيعها، فمن خلال بدايات النصوص يمكننا أن نتنبأ ونستشف المواضيع المطروحة، إنها إشارات مكثفة ومتمكنة جدا كما تقول الباحثة التونسية نزيهة خليفي "ما من نص إبداعي إلا ويسيج ببدايات تسوره وتحيطه، وتساهم في الدخول إلى فحواه وفض مغاليقه .. ولعل الدخول إلى هذه البدايات والشروع في خلق تآلف معها، يجعل المتلقي قادرا على تحريك السواكن، وإحداث رد فعل واقتراح التأويل، منتقلا بذلك مما هو واقعي نحو الخيالي الواقعي، ذلك أن المتلقي يتمثل النص كعالم مواز تلهب في الإشارات و الرموز دورها للوصول إلى دلالاتها العميقة في النص "1 .

تقسم الشاعرة ديوانها  الذي يضم 64 صفحة إلى جزأين: الأول بعنوان "خلاخيل الخراب" ويضم خمس قصائد تتناول مواضيع اجتماعية  و قومية  والجزء الثاني بعنوان" رنين السراب" وتضم 10 قصائد مواضيعها ذاتية تثير علاقة الرجل بالمرأة، وبخصوص عنواني الجزأين فهما معبرين جدا رغم المفارقة  الصارخة التي تجمع بين الخبر والإسم المضاف إليه والتي تجعل المعنى المضمر يكاد ينفلت من القارئ، فالخلاخيل نوع من الإكسسوارات التي تزين قدم المرأة ولكن زاوجته الشاعرة بالخراب، والسراب جعلت له رنينا، وأي رنين لطائف وهمي، إذن فالخراب والسراب وجهان لعملة واحدة، الضياع والحرب والغربة والوحشة والفراق والوحدة والوهم .

والمطلع على الديوان سيلمس تميز القصائد واختلافها عما تعودنا عليه، فقصائد الزباير تتميز بنظرة متأنية بحيث ترتكز على الإحساس الأنثوي المفرط  والمستفز والحكيم في نفس الوقت .

ففي الجزء الأول  والذي قدمته بمقطع من شعر محمود درويش ص 4" يحلم بالزنابق البيضاء- بغصن زيتون... لم يفلسف حلمه لم يفهم الأشياء – إلا كما يحسها.. يشمها – يفهم –قال لي- إن الوطن – أن أحتسي قهوة أمي – أن أعود في المساء.." فالشاعر يحلم بالسلام والسلم والبساطة والعودة للوطن، تطرقت لعدة قضايا ذاتية ووطنية وقومية وإنسانية، بحيث تصر على ملامسة الجرح والنبش عميقا فيه، فتعطي مواضيعها أبعادا دلالية مختلفة وبهذا تندرج قصائدها ضمن التيار الرمزي الواقعي، أما الجزء الثاني فيبقى الرجل تيمتها الغالبة، فهي تغوص في عالمه الزئبقي الذي يحرض عواطفها وأحاسيسها، فرغم القوة التي تبديها ظاهريا فهي لها رغبة دفينة لتنغمس في عالمه وتنسحق فيه،ولكن بعيدا عن العلاقة الجنسية البوهيمية، ولهذا تندرج قصائدها ضمن التيار الرومانسي أيضا.

أما على مستوى تقنية النص فقصائد نجاة الزباير تنتمي إلى شعر التفعيلة الذي يعتمد على الإيقاع الداخلي والخارجي من خلال  استثمارها كل المحسنات البديعية، حيث أنها تستثمر الجناس بكل أنواعه والدلائل الإستعارية والمجازية والتصورات الإيحائية ذات الانزياحات الدلالية، وكذا التكرار الذي يعطي موسيقى وإيقاعا ريتمي موزون، لذلك جاءت نصوصها ذات إيقاع ومضمون مكتملين، وهذه ميزات قصيدة النثر " فقصيدة النثر إذن هي صنو القصيدة الموزونة ذات نظام وبنية وليست وليدة الفوضى والحطام" 2 " كما أنها تجربة حياتية يحياها الشاعر في جماع كيانه وإلى اعتماد الصور الحية بدل عناصر البلاغة القديمة وإلى تجديد التعابير و المفردات وتطوير الإيقاع وصقله على ضوء المضامين الجديدة " 3

وبخصوص الأسلوب السائد في النصوص، فتطغى المحاكاة الساخرة بحيث نجد لها حضورا رمزيا مكثفا، وذلك من خلال أسلوبها الدرامي الحكائي، فهي تنسج قصائد بخطاب سردي يطغى عليه الحوار مما جعلها متعددة الأصوات، وأما اللغة فهي واضحة سلسة تنساب

انسيابا ماتعا رغم أنها تبطن معاني مزدوجة لا يفك شفرتها سوى قارئ متمرس . كما أنها استخدمت صيغ الاستفهام والتساؤل لإثارة دهشة  المتلقي وإرباكه واستفزازه، واعتمدت في أسلوبها على الجمل الفعلية القصيرة، تارة بصيغة الماضي وأخرى بصيغة المضارعة مما يجعل نصوصها ذات حركية دائمة .

وبما أن الشاعرة تستخدم خيالها للتعبير عن ذاتها الواعية وعن لاشعورها، فصورها تشمل الجو العام الذي توحي به من ظلام وحيرة وتردد وبؤس وأسى، ومن هنا نلاحظ أن عناصر الرمزية والإيحاء تمتزج بموسيقى لغوية تتردد في كل المقاطع والسطور .يقول الدكتور منذور " لم تقتصر الرمزية كمذهب أدبي على الناحية اللغوية ولا على التعبير عن الذات بواسطة الخيال وتصوراته، وهذه التصورات تكون غالبا بعيدة عن مشاكلة واقع الحياة، فهي لا ترمي إلى تصوير هذا الواقع وتحليله ونقده،بل ترمي إلى تجسيم أفكار مجردة وتحريكها في أحداث تتداخل وتتشابك لإيضاح الحقائق الفلسفية، نفسية كانت أو أخلاقية"4

إن قلم نجاة الزباير ينزف ألما، يعبر عن أساها وألمها وعما تقاسيه جراء الواقع البئيس وجراء علاقتها بالرجل، فكل خطاباتها موجهة إليه رغم أنها لا تعطيه هوية محددة، فهي تلجأ للترميز والاستخفاء في بعض الأحيان وفي أخرى تطمس ملامحه حتى تطمس نرجسيته المتهورة . فمن خلال حوارية الذات تتقمص المتكلم والمخاطب في نفس الآن و الحوار يظل قائما لتكشف من خلاله عن خبايا الواقع والحياة . " إن ضمير المتكلم يأتي في الخطاب السردي شكلا دالا على ذوبان السارد في المسرود، وذوبان الزمن في الزمن، وذوبان الشخصية في الشخصية، ثم على ذوبان الحدث في الحدث، ليغتدي وحدة سردية متلاحمة تجسد في طياتها كل المكونات السردية بمعزل عن أي فرق يبعد هذا عن هذا"5 ويظهر ذلك في مساءلة الشاعرة في منذ بداية الديوان في ص 8 حيث تقول  في قصيدة " دراهم نواسية لمتسول وهمي "

كان يعد جثث الكلمات

يواري صدره

فتعلو الزفرات خطاه

اقتربت من غبار عينيه

!- هل كنت نفسي...؟

سألتني وأنا أتشكل في حرائقه

...

كان يتقمصه الذعر

...

قلت :"ايها الجسد المتهالك

بين يدي الموت

هلا أفقت؟"

.......

تمطى في دموعه وقال :"

تراك تسخرين من رغيف جنوني

أم تستسيغين رائحة الشجن؟"

قلت : "لا تتعجل اتهامي

فانا حلم يمضي دون عسس

بين أوراق الإشارات"

لملم الدراهم في كف تباريحه

وغنى للأرض الجريحة موال عشق.

......

وقال : لا تتقمصي ثوب الشمس

فهنا سنابل ودماء

وطفولة اغتالتها أيدي الجبناء

هلا أصغيت لحيرة الأرض

فهي قبر كبير للأقدام العارية

تمشي مثلي في رمدائها

لا تتدثر بغير الحرية"

قلت :"

ألا تلمس في قلبي

عينا هدهد الحائر؟"

قال:

"لا أرى غير شاعرة تمجد الهوى

وسقف العروبة من زمن قد هوى"

انكسرت امام اعترافاته

....

الشاعرة اندمجت مع القضية الاجتماعية وتجاوزتها لتثير قضية أعمق تمس كل العالم العربي، فالمتسول المعوز يدرك جيدا ما هي الأسباب التي أوصلته لهذا المآل والشاعرة تنزف مع قلمها وتحاول إثارة عزيمته وحفيظته، ولكن هيهات  الخوف والخنوع أصبحا من شيم الإنسان العربي، وتعترف أن الحالة البئيسة تشمل كل المجتمعات العربية .

وفي قصيدة  "وصايا من دم وتراب"  ص 13 تستمر بنفس الوثيرة

كان يرتدي جلد الحرب

وكانت تتساقط أعضاؤه

طوفانا

...

قال : "لا تهربي لجبل الصمت

فات أوان الراحة .."

...

تلفت ...وجدت الأوطان تركض أوراقها

" إلى أين؟"

قال : "ألا ترين الحيرة تعصف بالأشياء؟"

....

قال أنى ذهبت أرى جثثا تستصرخ السماء

ومدنا من ملح ودم وتراب ...

هربت من ثقب القصيدة علي انسى بعض ملامحه.

 

تتكلم عن حالة الدمار وعدم الاستقرار التي تحدثها الحرب،

ونجد إشارة لمدن الملح لعبد الرحمان منيف، ومن خلال التناص الذي وظفته كثيرا في ديوانها، ندرك أن السبب وراء الحالة المتردية للأمة العربية سببها استئثار الطبقة الحاكمة بالبلد بالثروات وتهورها واستهتارها في تسيير الشؤون الاجتماعية والسياسية .ولكنها لا تمتلك سوى القصيدة لتعبر بها عن تدمرها ورفضها لهذا الوضع المرير.

في ص 17 " في قصيدة امرأة...فتى...و بندقية " تلكأ الجريح ولا تتركه يندمل أبدا، عبر حوارية الأم الفلسطينية وابنها، والشعور بالغربة والتمزق  و الهوان فوق أرضهم السليبة .وتوظف التناص أيضا مع القرآن الكريم حيث ذكرت يوسف  ومع الإنجيل حيث ذكرت يوحنا، فحكايتهما متخنة بالجراحات وبالظلم .

"لا تتركيني أمي لذئاب الأرض

فأنا يوسف القادم من بئر الوهم"

انتفض جناحاه:

" دعيني أتدثر بملح الأرض

وأركض كما يوحنا

ليقتات مني الموت"

كما أنها وظفت مقطع من قصيدة محمود درويش داخل قصيدتها فجاء المعنى والمغزى قويا رائعا . فالقارئ لا يكاد يميز التناص الموجود لأن النفس السردي متكامل، والموضوع مشترك، فقصيدة النثر تتميز ب " التفاعل مع روح العصر، البحث عن لغة جديدة ..لانها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأسئلة و القضايا التي شغلت العصر وتقاذفت العالم العربي، ووجدت في تلك الأسئلة والقضايا حافزا على التخطي و التجاوز وعلى الانطلاق نحو أفق كياني أعمق وأشمل "6

"انا الأرض

والأرض أنت

لا تغلقي الباب!خديجة

لا تدخلي في الغياب

سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل

سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردهم من هواء الجليل "

تفي "وشوشات مطرية" ص 22 تغني آلام الوطن وتعزفها لحنا مؤثرا يندمج مع الظواهر الطبيعية لترسم لوحة  شعرية جد معبرة، تقول:

يبدو أن الريح

تحرضني على الهروب

أحاول الإصغاء لخطواتها

......

شهب عمياء

تحرق الصمت

....

رقص السراب فوق فتوحاتي

....

عربدت أمطار القلب

...

تتوهج في فصوله

مشاعل كالجمر

تقبض على نزيف الجراح

لتعلن اغتيال الوطن

تلبس الظواهر الطبيعية رموزا انزياحية تحاول التعبير من خلالها عن ثوريتها ورفضها للواقع العربي، وبذلك تكون قد واكبت  مظاهر الشعر الحديث،" يعني أن تعيش حياة مفعمة بالمفارقات و التناقضات...أن تكون ثوريا ومحافظا في الوقت نفسه: حيا مؤهلا للإفادة من إمكانات جديدة للتجريب و المغامرة، مصابا بالرعب إزاء الأعماق السحيقة العدمية التي تفضي إليها مغامرات حداثية كثيرة، تواقا للخلق وللتمسك بشيء حقيقي ما، حتى في اللحظة التي ترى فيها الأشياء كلها وهي تتبدد وتتلاشى"7.

فالشاعرة حتما تواكب التطورات التي عرفها الشعر العربي الحديث الذي تأثر بدوره بالتغيرات التي عرفها العالم بحيث " لم تظهر الحداثة الغربية بمحض الصدفة وإنما مهد لها حدوث تغيرات عميقة أو انقلاب في الحياة الغربية في جوانبها الاجتماعية والفكرية والعلمية "8 وقد تأثر العالم العربي بكل التيارات والمذاهب الأدبية التي عرفها الغرب فكانت الثورة على القصيدة التقليدية  في بداية القرن 20  فجاءت "قصيدة النثر...نصا مكتملا مغلقا يقوم على علاقات قد تكون مغايرة عن علاقات المجاورة والتراكم الموجودة في القصيدة التقليدية، تقوم على المفارقة والدراما ...إلى آخره، لكن المهم هو الاكتمال و الإحكام في البناء ..."9

كما أن  "الإيقاع الشعري لم يعد مرهونا بنظامه المغلق وزنا وتفاعيل، بل أضحى منفتحا على إيقاع العصر نفسه، وعلى إيقاع الحياة التي لا تتوقف لحظة عن صيرورتها والشعر لم يبق بدوره محصورا ضمن الصنيع الشعري واللغوي بل غزا الفنون كافة ليرقى بها إلى مصاف جوهره وطبيعته النقية ...حافزا على التطور و الانفتاح والانصهار، فكيف تنغلق القصيدة على بنيتها الإيقاعية الجاهزة منصرفة عن أي بعد آخر، ومتجلية عن فضاء الحرية الذي يتيحه النثر حين يمسي شعرا صرفا "9 نلاحظ  أن قصائد الشاعرة جاءت مفعمة بالحياة، والتصورات البادخة التي تعبر عن التناقضات والمفارقات التي أضحى العربي يجترعها ولا يكاد يحرك ساكنا،  إنه يعاني من الخنوع والكسل و الحيرة، ففي قصيدتها "قطرات دمع الأرض" تصور هذا الذل الذي وصل إليه العالم العربي : تقول في الصفحة 26 و27

سحقا للمذلة

تفتح ذراعيها لهذا العمه

....أم تراني مثقلة كبئر يوسف؟

....

تمضغنا الطعنات

وتنقل موتنا المرخص

يد نازية

...

صرخت طفولة الشمس .

 

في الجزء الثاني من ديوانها والذي تقدمه بمقطع من شعر نزار قباني في ص 28 حيث يقول:

" ماذا أقول لك وأنا من بعدك

كأنني القبر ينام في أحشائه النثر

ماذا  أخط لك وقد جف في قلمي الحبر

وماذا سأذيع لك

وأنا حين أضعتك ضاع من بعدك الشعر "

فنجاة الزباير تخاطب الرجل، فهي تعاني من جبروته وتسلطه ونكران جميله ونسيان حبه ولكنها لا تملك سوى حبه رغم ذلك والاحتفاظ بذكرياته الجميلة والتي تعتز بها رغم كل شيء، فهي تشاكسه ولكن لا تستطيع التخلي عنه، مثل إحساس نزار اتجاه المرأة.

في قصيدتها المطولة"غريبان في كف الهوى" ص 31 والتي قسمتها لسبعة أجزاء  تسرد حكايتها مع الرجل الذي كان رفيق دربها والذي أصبح غريبا عنها من خلال محاورتها له:ص 32-33

هل عدنا غريبين

يصطادنا حزن الخريف

أم ضائعين

يستقبلنا ألم النزيف؟

....

أفرغت العمر في فنجانه

وبيني وبيني مشينا

خفانا عشق

ظمأنا رواية عنثرية

ولما تعبنا

جلسنا بين الأطلال

نردد:

" قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل "

....

اشتعل الجرح

ومر كل شيء مثل السحاب

....

وفي لهب الصمت انمحوت

....

كان يختفي أمير الأساطير

أطارد عطره

وأنام في قصيده

أفتح أقواس جنونه

فيها طفلة تلعب بضفائر الليل

وأنثى تنثر فوضاي

....

فلم أصبحت دفاتري

....

تكسوني شجنا شريدا

....

كم هي ضيقة أبواب الهوى

تسرق راحتي

تقيد خطاي.

 

فمن خلال تكرار مقطع: هل عدنا غريبين ,

يصطادنا حزن الخريف

أم ضائعين

يستقبلنا ألم النزيف؟ تصر على الألم الذي يعتصرها والذي سببه لها الرجل، توظف التناص مع مقطع شعري لامرئ القيس ومقطع لجورج جرداق، كما توظف صورا شعرية واستعارات ذات دلالات موحية بتوظيفها  تجسيدات ولوحات تجريدية لظواهر طبيعية كالسحاب والريح والخريف ...لتضفي على حكايتها مزيدا من التأثير، فهي قصيدة رومانسية تحكي علاقة غرامية قوية كان مآلها الفراق والحزن والأسى  .

في قصيدة " هو...هي..والهوى" توظف المفارقات والتضاد اللذان يجعلان من علاقة  المرأة والرجل علاقة جدلية مثيرة تجعل القارئ يتتبع الصور الشعرية التي تتطور مع القصيدة حتى يكون صورة واضحة لديه، تقول في ص 46-47 :

ما لهذا الهوى

يعوي في جسد النوى؟

هو يمضي متلفتا

بين أشجار الآتي

مترقبا شيئا ما

هي تتعقب ظله

تمد راحتها لعطره

هي تتسلل لدفاتر روحه

هو يكسر غصن أحزانه

هي تتدثر بالحنين إليه

هو يصب كل يوم

قهوة أيامها في عينيه

....

قالت نجمة في السماء

هما دوما على سفر

يحضنان رنين السراب .

وتستمر على نفس الوثيرة في جل قصائدها تعبر عن ثقل ذاكرتها وعن خيبة تجاربهل وشعورها بالأسى، تزاوج بين الروح والجسد لتعبر عن حالتها النفسية كما تبين لنا العناوين التي تلخص القصيدة فنجد " شيء من الغباء" و" أغصان ممطرة"و "فاتن الليل"و "اختناق" و " اغنيات جسد.." و غرغرة الفخاخ"و"هذيان" وأخيرا " ترانيم صفصاف الكلام " .

فبوح الزباير راق  بأسلوبها المميز المتناغم واللغة الأنيقة، فرغم الصراع الدرامي لأحاسيسها اتجاه الرجل، فهي تصور العشق الأزلي المتبادل بصور مكثفة مختزلة مترابطة تظهر جليا في ترابط النصوص وتسلسل معانيها.

وكأنها تنسج وتطرز بالكلمات لوحات تشكيلية لروحها الشفافة المثالية التي تندمج في قضايا ذاتية ومجتمعية وإنسانية.

 

قراءة : الأستاذة نجية جنة

 

...................

الهوامش:

1 . "شعرية البدايات في ترنيمة الطائر الجريح" للباحثة التونسية نزيهة خليفي، 2012، ص 8-9

2 . " ندوة الشعر العربي الحديث" عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2005، ص 124

3. نفس المصدر، ص 126

4. "الأدب ومذاهبه " للدكتور محمد منذور، دار نهضة مصر للطبع والنشر، 1974، ص 135

5. في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، د.عبد المالك مرتاض، سلسلة عالم المعرفة، ص 187

6 . الشعر العربي الحديث، ص 127

7 . الابهام في شعر الحداثة، العوامل والمظاهر وآليات التأويل، تأليف د. عبد الرحمان محمد القعود، سلسلة عالم المعرفة، ص 79

8. الابهام في شعر الحداثة، ص 74-75

9 . الشعر العربي الحديث، ص 144-145

10. الشعر العربي الحديث، ص 125

ديوان فاتن الليل، لنجاة الزباير، ص: -4-8-9-10-11-13-14-17-18-22-26-27-31-32-33-46-47

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2389 المصادف: 2013-03-21 05:55:31