المثقف - قراءات نقدية

المنطقة الرمادية في قصص محمود الريماوي .. قراءة في: "فرق التوقيت"

saleh alrazukفي مجموعته القصصية (فرق التوقيت) (1) يلعب محمود الريماوي بالمنطقة الرمادية، وهي المساحة التي يصعب عليك تصنيفها بالمعنى الكلاسيكي المعروف. إن تصنيف الأسلوب في هذه المجموعة مسألة محيرة وتحتاج لقليل من الجرأة، بعكس ما هو عليه الحال في رواياته التي تبدأ وتنتهي في دورة حياة الرواية.

لقد كانت قصص الريماوي بشكل عام ذات نفس بسيط ولكن بإطار مركب. وهذه هي ميزته. أن يكون متحدثا بسيطا ويلفت انتباه المستمع.

و يجب أن نفهم العبارة الأخيرة بمعناها المباشر. إن هذه القصص أحاديث من قلب الكاتب لقلب القارئ. ويغلب عليها أسلوب السرد الشفاهي. حتى إن الجمل المعترضة من النوع الدارج الذي نستعمله يوميا في المقاهي كقوله (مد الله في عمر المستمعين)، أو قوله (عاشت الأسامي)، أو (النعاس يضغط على أم رأسي) ..

و إذا كانت غريزة الحكواتي هي الغالبة، فإن بناء الحكاية ليس معقدا، ولا حافلا بالأحداث الجسيمة والخوارق والبطولات، وقد استعاض عن ذلك ببناء الشخصيات وطريقة تفاهمها مع عالمها النفسي. ولذلك احتلت الحياة النفسية للشخصيات وطرائق التفكير معظم المساحة.

و عليه إن المكان في هذه القصص من النوع المضاعف.. فهو فضاء الشخصيات النفسي من جهة، ومسرح الحياة المحدودة كالشارع والبيت والمقهى وما إلى ذلك، من جهة ثانية. بمعنى أنه مكان ملموس يزيد من حجمه طريقة إحساسنا به.

و إن تحديد إقامة الشخصيات (التي تميل لتكون من عامة الشعب - بسطاء أو فقراء الناس كما يسميهم جورج سالم) قد فرض على مساحة القصة أن تتراوح بين 1-5 صفحات. وكفة الميزان تميل للطرف الأول من هذه الصيغة.

و هنا تبدأ مشكلة التعريف. هل نحن إزاء حداثة وإيقاع سريع، أم أننا فعلا لا نزال نهتم بالواقع النفسي والمعاشي لشخصيات تعبر بنا يوميا كما هو شأن كل القصص الواقعية.

و لا بد من الإقرار إن النوعين يتوفران في بناء كل قصة. حيث نلاحظ:

1- الإسراع في مباشرة الموضوع، كما هو حال الحداثة التي كانت تغلب على فترة الستينات في هذه المنطقة، من العراق مع جمعة اللامي وحتى المغرب والبحرين مع أمين صالح وأمثاله.

2- وتصوير الشخصيات ذات الملامح المعروفة التي نحاكي بها الواقع.

لقد كانت المجموعة تهتم من الحدث بنقطة التنوير، فقط، ثم الدخول في وجدان الشخصيات القليلة أصلا لتحاورها بطريقة تأملية، وأحيانا لتسمح لها بمحاورة ذاتها من خلال تأملات وأصداء موجودة في نهاية الذاكرة. وبعد ذلك تنتقل لبناء الشخصية وهي في المكان. وهذا يحتاج لمصور يعرف ماذا يرسم بعدسة الكاميرا وماذا يهمل. وإن هذا الأسلوب يعني أن القصة اهتمت بتوزيع الأدوار بين الكاتب والقارئ.. فتفاصيل الصورة تقابلها فراغات هي من اختصاص ما بعد الكتابة. وأعني بذلك التأويل.

**

لم تكن القصة الواقعية ولا الكلاسيكية تترك فراغات. ومن أول مشاكلها عادة الكسل الذهني. فهي لا تسمح للقارئ بالنشاط وتقدم له كامل الوجبة دفعة واحدة. ولكن ابتداء من الحداثة توجب علينا أن نجرد مشاعرنا من أغمادها وندخل المنطقة المحظورة مع الكاتب. أن نكتشف معه ماذا لديه من مخزون غامض . وربما أن نساعده للخروج من حالة الانطواء والاغتراب. تماما كما هو مبدأ القصة التفاعلية التي تتراكم وتتطور بمشاركة من القارئ. ولذلك كان المجاز هو محور الحداثة.

و لكن في النماذج التي تعود للثمانينات يغلب على القصة مشروع تركيب الواقع بأدوات حداثية. وهذا ما يحتاج لقليل من التأني.. لنكون واقعيين بالذهن وحداثيين بالأسلوب.

لقد كانت الثمانينات عصرا للتحولات الأساسية، أو منعطفا هاما، كما نقول في السياسة. ففي هذه الفترة انتقلت الرواية من تقنية الأصوات لما يعرف فنيا بـ (قصص رواية). وأقصد بذلك تقديم قصص منفصلة ذات هم واحد.

و كذلك دخل الشعر في فضاء النص المفتوح أو ما نقول عنه حاليا السيرة الشعرية.

و قل ذات الشيء عن ما يدعوه سلام كاظم فرج باسم المقاصة (و يعني بذلك النص الذي يتألف من مقالة + قصة). وهو ما أحب أن أسميه اللوحات القصصية.

***

لا شك أن كل تلك الأساليب هي مناورة للتغلب على حاجز النهايات. ونوع من التحدي الفني لمشكلة انتبه لها المجتمع العربي في بداياته. ألم ينبهنا الشاعر العربي لهذه المعضلة حين قال: هل غادر الشعراء من متردم؟!!.. وهل هنا ليست استفهامية، ولكنها تفيد الاستهلال والتنويه. وكما ورد في (تسعون أداة معربة): إنها تختص بالتصديق والإيجاب، لأنها لا تدخل على نفي ولا شرط (2). أضف لذلك إنها تعتبر مستضعفة بين حروف الاستفهام كما ورد في شرح المعلقات (3).

غير أنه إذا كانت الحكمة من الحياة متكررة ومتشابهة، فأساليب استكشافها لا تنتهي.

و هذا هو منطق اللعب في المساحة الرمادية، عند الخطوط التي تفصل بين العصور والأنماط، وبالتالي بين الأجناس.

و لكن أهم ما يميز (فرق التوقيت) عن غيرها، ليس اعتمادها على تخطي حدود الجنس، ولكن تخطي طرق الرؤية. ولئن كانت تعول كثيرا على نشاط البصر في وصف الملامح وتفاصيل المكان (شأن بلزاك وزولا من الواقعيين الطبيعيين). فهي ترفد ذلك بالدخول في ما لا يمكن تعريفه، وهو لغز الحياة أو الجانب الأسراري من الواقع، والذي لا نستطيع أن نفسره موضوعيا. ويضع في وسط هذه الدائرة أحلام اليقظة والأمنيات والحظ والساعة البيولوجية...

و هو ما يقول عنه الريماوي في قصة (سحر الحياة): إنه مصادفة. ثم يتبرع بشرح معناه فيقول: هو القانون المبهم الذي يحكم حياتنا ومصيرنا.

و حسب ما أرى كانت مجموعة (فرق التوقيت) أقرب لهذا الفهم فوق الطبيعي، وليست ملحقة، كما قد يظن الآخرون، بالتحليل النفسي للحبكة والشخصية.

لقد حاولت القصص، بحبكتها، أن ترسم الظواهر، وأن تتحفظ في نفس الوقت على تفسيرها. فهي تبدو ممكنة، ولكن من غير منطق متسلسل. والجو يبدو شعبيا ولكنه محكوم ببقايا التخلف وبالمبالغة التي تضع الواقع المادي عند حدود المعجزات.

و أعتقد أن هذه هي إحدى المحاور الأساسية التي تدور حولها كل مغامرة عبدالسلام العجيلي مؤسس القصة الفنية في سوريا. مع فارق أساسي أن العجيلي يذهب بعيدا مع اللاشعور والغرائز حتى يصل إلى الوجه المظلم للبشرية، ضمنا العرافة والشعوذة والبداوة، ويقترب كثيرا من الحالة الشيطانية والشريرة للغرائز التي تحدث عنها إدغار ألان بو في معظم أقاصيصه.

في حين يبدو محمود الريماوي مكافحا أو مألوفا ونهاريا، وإنما هو في قبضة الشك وتحت وطأة العجز والأقدار، ومتأثرا بصراع وربما تقابل الأضداد.. وهذا يعني فيما يعنيه تكامل العناصر. فالواضح لا يكون مفهوما من غير الغامض، ولا يمكن تفسير حياة البشر اذا تناسينا الجماد وغير العاقل . ولذلك قال محمود الريماوي في تعريف مفهومه للقصة: إنها عنده تتأمل ذاتها بعيون الكاتب (4). بمعنى إنها نشاط عفوي وتلقائي، ولكن خلفه تفكير وتخطيط.

إن قصص (فرق التوقيت) أكثر من أن تكون رسما بيانيا لخلجات النفس وبناء وجدان شخصياتها الواقعية، وحسب.

فهي تركز، في معظم الحالات، على الباراسايكولوجي وظواهر التخاطر ونشاط النيرفانا للنفس المفكرة حين تمر في حالة تحول، أو حالة خروج من منغصات الواقع لعالم اللاشعور. وإن البحث عن حياة موازية كان يسهل عليها تأجيل المواجهة ونقل أرض المعركة. وأظن إنه قدم لها منفذا للنجاة لم يتوفر للبشرية منذ انتهاء عصر النبوة.

فالإقرار أن للواقع نشاطا روحيا مستقلا ينسحب على الجماد والإنسان وكافة المخلوقات الأخرى قد وضع بيد الكاتب أداة لتأكيد وحدة الوجود، وأداة للخلاص لها منطق يتحرك من وراء ظروف الشخصيات العاجزة والضعيفة.

و هذا هو السبب في إشراق هذه القصص من بين طيات الهموم والنكبات والهزائم.. إنها تؤمن بفلسفة نقطة النور. ولكن المشكلة، كل المشكلة، في تحديد مكان تلك النقطة. كم تبعد عنا بالضبط. وهذه المسافة التي تصر الشخصيات على اجتيازها، هي ما تسميه بقوة الافتراض، مقاومة. وأعتقد أنه يقصد بشكل عام ومباشر معنى التحمل. أو بعبارة أوضح: المثابرة.

و لذلك لا توجد في فلسفة هذه القصص أزمة. إنها لم تحاول أن تلغي فكرة ما فوق الطبيعة التي وضعت حجر الأساس في كلاسيكيات العقل الغربي لمفهومنا عن التراجيديا (كما قال أبو بكر العيادي في معرض تحليله لأزمة الحداثة الغربية)(5). حيث القسمة بين الآلهة والبشر لا تزال حسب الصيغة المعروفة: نحن في التفكير وهم في التدبير. بالعكس لقد أعادت قصص (فرق التوقيت) تطبيع العلاقة بين الروحانيات والماديات. ووضعت كل ما لا يقبل التفسير في خانة الإرادة الإلهية الغامضة. وبهذه البداهة المبسطة والمعبرة عن حقائق الإنسان الشرق أوسطي المستسلم لمقاديره، الذي يفترض حتى في تفسيره لمعنى المقاومة أنها مسلمات لا تقبل النقاش، تبدو الأحداث في حالة توازن مع الظروف، وهو توازن يجر وراءه، مع أذيال الخيبة والسقوط، طمأنينة الرجل الضائع في الزحام والذي أصبح من فولكلور العالم الثالث.

 

صالح الرزوق

..................

هوامش:

1- منشورات أمانة عمان الكبرى - 115 ص.

2- ص 76. تأليف محمد ألتونجي. نشر وتوزيع مكتبة اليقظة. دمشق. 1960.

3- انظر موقع الملتقى الثقافي لأبناء قبيلة العوازم.

4- من رسالة خاصة بتاريخ 6 أيار 2013.

5- المقالة منشورة في الصفحة الثقافية من جريدة العرب- 3 أيار 2013- لندن.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2437 المصادف: 2013-05-08 01:57:22