المثقف - قراءات نقدية

قراءة في رواية (الحياة هي في مكان آخر) لميلان كونديرا

ahmad alhiliالشعر بوصفه آخر معاقل البراءة

مما لا ريب فيه أن عالم الكتب والمؤلفات، هو عالم فسيحٌ جداً ومتشعب الرؤى والأفكار والتصورات، بالإضافة إلى تنوع الحقول المعرفية التي يُصنف إليها كل كتاب .

بيد أن فن الرواية، يبقى الفن الأرحب والأكثر حميميةً وتفجراً بين كل هذه الفنون .

إن الذي يعنينا هنا بصفة خاصة، تلك الروايات المميزة المستوفية لشروطها العسيرة  وفي حقيقة الأمر فإن ثمة روايات شكلت منحنيات مفصلية في تأريخ الشعوب والأمم، بما انطوت عليه من محاكمة وإدانة لعصر بعينه، واضعة أمام المتلقي كماً هائلاً من الشهادات العيانية والوثائق الضرورية .

والرواية التي بين أيدينا، وهي (الحياة هي في مكان آخر) للتشيكي ميلان كونديرا، تدخل في هذا الإطار، وتشكل  أحداثها التفصيلية صفعة مدوية لجميع الآيديولوجيات الشمولية، أياً كانت مشاربها والشعارات الطنانة التي ترفعها .

وبدايةً، لا بد لنا من أن نستحضر شذرات من المقدمة القيمة التي كتبها لها الناقد الفرنسي فرانسوا ريكار، حيث جاء فيها،

* إن أعمال كونديرا، أشد الأعمال التي نقرأها اليوم تطلباً، وأستعمل كلمة " تطلب" بمعناها الجذري المطلق، أي أن هذه الأعمال تقدم للعقل والقلب تحدياً يصعب تقويمه إلى حد بعيد، ويحتم علينا البحث مجدداً عن أنفسنا ....

 * لقد أعطى الغرب لنفسه، منذ مدة  فئةً مريحة يضع داخلها عدداً من كتاب البلدان الاشتراكية هي فئة الانشقاق، وباتت ظاهرة الانشقاق معروفة اليوم ، الاضطهاد السياسي، العجز عن النشر، المنفى ....، كل هذه الظواهر تنطبق على كونديرا، الذي صنّف ضمن فئة المنشقين، أي الكتّاب الذين يشجبون الإرهاب السوفييتي ويدافعون عن شعبهم ضد اجتياح تشيكوسلوفاكيا العسكري والآيديولوجي .

* وهكذا، قد تكون رواية ( الحياة في مكان آخر) جنباً إلى جنب مع دون كيخوته ومدام بوفاري، العمل الأكثر قسوة الذي كتب ضد الشعر، الشعر كأرض تتمتع بامتيازات التوكيد والسحر والأصالة، الشعر كآخر مأوى رباني، لنقرأ هذه الرواية كهجاء للأبيات الشعرية السيئة، إذا أردنا، فتلك هي طريقة ممتازة لنحتمي من مشروع أكثر جذرية، تهديم آخر معاقل البراءة .

 

بطل الرواية

يقدم الكاتب بطل روايته هذه بطريقة فنتازية جذابة، بوصفه الشخصية المفصلية التي تتمحور حولها أحداث الرواية وجزئياتها، وهو يعرض أمامنا تحولات هذا الفتى المتقد حماسة وديناميكية بصورة بطيئة نسبياً، ولكنها حاسمة وراسخة .

اسم هذا البطل جاروميل، والذي يتم الحديث عنه عبر الرواية بوصفه الشاعر المحتفى به دائماً، وإلى جانبه هناك، أمه سليلة العائلة الثرية، وهي الشخصية المحورية الثانية التي وقعت في غرام المهندس والد الشاعر، الذي وجد أنه لا مفر أمامه إلا بالزواج منها، بعد أن تأكد له إصرارها على إنجاب الطفل الذي حبلت به منه، ثم لتجد هذه الأم نفسها، فيما بعد واقعة في غرام الرسام الذي دأبت على إرسال ابنها إليه لتعليمه فن الرسم، لتعلم بعد ذلك بوقت طويل أن زوجها كان واقعاً في غرام إحدى الفتيات اليهوديات التي تم اعتقالها مع ذويها من قبل السلطات النازية، ليتم وضعهم في  (مَجبَر) أي معسكر اعتقال . وفي إحدى المرات  يغامر المهندس ويدخل المعسكر بطريقة ما للالتقاء بعشيقته، فتعلم السلطات النازية بذلك، ليصار إلى اعتقاله وإعدامه .

نتابع بعد ذلك تطور ونمو شخصية جاروميل، بطل الرواية المحوري، حيث نراه ينشأ بين أحضان عائلته الثرية، وقد كانت علائم العبقرية بادية عليه منذ البداية .

ووسط أجواء الغزو الآيديولوجي والعسكري لبلاده والحماسة منقطعة النظير لدى الشبان الصغار لاعتناق الأفكار الثورية الوافدة، فنراه ينخرط بصورة لاواعية في أتون هذه التوجه .

وخلال ذلك، نواكب جاروميل تتقمصه شخصية الداعية الثوري، حتى أنه كان يتحدث، على الرغم من صغر سنه،  أثناء الاجتماعات والحلقات النقاشية بكل حماسة واندفاع، على الرغم من أن ذاته لم تستطع الإفلات من شخصية (الرسام) عشيق أمه، فكان يجد نبرة صوته، بل وحركات يده متطابقة تماماً معه، وفي إحدى تلك المحاورات، استند إلى فكرة ماركس التي كانت تقول إن الإنسانية كانت قد عاشت حتى اليوم عهدها الماقبل تأريخي، وأن تأريخها الحقيقي يبدأ الآن مع الثورة العمالية، التي عي العبور من حقل الضرورة إلى حقل الحرية، أما الفترة التي كانت تطابق هذه المرحلة الحاسمة في تأريخ الفن، فكانت الفترة التي كان " اندريه بروتون" والسرياليون الآخرون قد اكتشفوا النص الآلي ومعه كنز اللاوعي الإنساني ألإعجازي، وأن يتزامن هذا الاكتشاف مع عهد الثورة الاشتراكية في روسيا، وكان ذلك أمراً ذا مغزى كبير، إذ أن تحرير الخيال الإنساني كان بمثابة وثبة في حقل الحرية بالنسبة للجنس البشري، بالطريقة نفسها التي ألفى فيها متحمس شاب آخر، وصفه الروائي بـ الرجل الأسمر، نفسه  مؤيداً جاروميل في طروحاته  ولكنه اعتبر أمراً قابلاً للنقاش وضع السريالية على المستوى نفسه مع الثورة العمالية، بل أنه قال، على العكس، فإن الفن الحديث كان فناً منحطاً، وأن الفترة التي تطابق الثورة العمالية في الفن كانت مرحلة (الواقعية الاشتراكية)، فيعترض جاروميل على هذا الطرح قائلاً، إن الواقعية الاشتراكية  لم تقدم للفن أي تجديد، وأنها كانت تشبه كليشهات البرجوازية القديمة، حتى ليلتبس الأمر، ورد الرجل الأسمر على هذا بقوله، إن فناً كان يساعد في النضال من أجل عالم جديد هو وحده الفن الحديث، وهذه، من دون شك لم تكن حالة الفن السريالي، بما أن الجماهير الشعبية لم تكن لتفهمه .

بعد تجربة أو تجربتين غير ناجحتين، يجد الفتى جاروميل نفسه واقعاً في غرام شابة متواضعة يتم وصفها بـ ذات الشعر الأحمر، وكانت تعمل في أحد المتاجر .

في هذه المرحلة، لم تكن البلاد، من الناحية السياسية واقعة تماماً في قبضة الآيديولوجيا، ولكن، وبينما كان هو طريح الفراش منذ ثلاثة أيام على إثر وعكة ألمت به، واضعاً الكمادات على حلقه، عندما تدخل الجدة مسرعة إلى غرفته في الصباح، قائلة له، يا جاروميل ! إنه الذعر في الطابق الأسفل، وسأل ماذا حصل؟ وشرحت  له الجدة أن عائلة خالته في الطابق السفلي تستمع للإذاعة وأن الثورة قد اندلعت، قفز جاروميل دفعة واحدة، وهرع إلى الغرفة المجاورة، وأدار جهاز الراديو وسمع صوت (كليمان غوتوالد) معلناً الثورة ومذيعاً بلاغاتها، فهم الوضع بسرعة، لأنه قد سمع في الأيام الأخيرة، أن الوزراء اللاشيوعيين كانوا يهددون "غوتوالد" رئيس الحكومة بالاستقالة، وها هو يستمع إلى صوت " غوتوالد" وهو يفضح أمام الجماهير المحتشدة عند ساحة المدينة القديمة الخونة الذين كانوا يريدون إبعاد الحزب الشيوعي من قيادة الدولة ومنع الشعب من التقدم نحو الاشتراكية، وكان " غوتوالد" يدعو الشعب للمطالبة باستقالة الوزراء وبإنشاء تنظيمات جديدة للسلطة الثورية في كل مكان بقيادة الحزب الشيوعي .

وكان هذا الراديو القديم يمزج كلمات " غوتوالد" بهتافات الجمهور التي كانت تُلهب جاروميل وتغمره بالحماس، وكان يرتدي بيجامة ويحيط عنقه بمنشفة، وكان يزعق في غرفة الجدة، مبتهجاً، " وأخيراً ! كان لا بد من حدوث ذلك ! أخيراً .

لم تكن الجدة متأكدة تماماً من أن حماس جاروميل  مبرر وسألت بقلق، " هل تعتقد حقاً أنه عمل جيد "؟

ــ نعم يا جدتي، إنه عمل جيد، بل هو عمل ممتاز .

ثم لنشهد المواجهة الشرسة بين جاروميل وبين زوج خالته الذي يدخل الغرفة وهو يردد، " هل تسمعونهم؟ يا للفاسقين ! إنه انقلاب . فيرد عليه جاروميل: " ليس ذلك انقلاباً، إنها الثورة .

ــ وتتكلم عن ثورة؟ من السهل القيام بالثورة عندما يسند المرء الجيش والشرطة بالإضافة إلى غوغاء الناس .

ــ هذا الجيش وهذه الشرطة يريدان أن يمنعا قبضة عدد  قليل من الزقاقيين من اضطهاد الشعب، كما كان في العهد السابق .

قال زوج الخالة، " أيها الأبله الصغير، كان الشيوعيون يسيطرون على القسم الأكبر من السلطة وقاموا بهذا الانقلاب عليها كلياً، تباً لك لقد اعتقدت  دائماً أنك لم تكن سوى شاب أخرق .

ــ أما أنا فقد اعتقدت دائماً أنك تستغل الشعب وأن الطبقة العمالية ستقصف رقبتك في نهاية الأمر .

ويتطور المشهد الدراماتيكي بينهما إلى أبعد من ذلك، كان جاروميل واقفاً وهو يرتدي المنامة وتحيط منشفة بعنقه، متباعد الساقين أمام جهاز الراديو الذي كان يُسمع منه التصفيق الهائل، وكان يُخيّل إليه أنه ينتصب تجاه زوج خالته كشجرة لا تتزعزع، كصخرة تضحك، واقترب زوج الخالة الذي كان يعتقد أن فولتير هو مخترع الفولت وصفعه .

أحس جاروميل بألم مبرّح في خده، كان يعلم أنه قد أهين ولأنه كان يشعر بنفسه عظيماً وجبّاراً كشجرة أو كصخرة، كان يريد أن ينقض على زوج خالته ويرد له الصفعة، ولمّا كان يحتاج إلى بعض الوقت لتنفيذ هذا الفعل، تمكن زوج الخالة من الاستدارة على عقبيه والذهاب.

وخلال لقاء تم في مشغل الرسام يتعرف جاروميل على ثلاثة رجال وامرأتين، كان يبدو على سيماهم وهيئتهم أنهم من الطبقة الراقية، لتدور بينهم محاورة ثقافية حول مجريات الأوضاع، ففي بلدة بوهيم كان الفن الحديث يستند دائماً إلى الثورة الشيوعية، ولكن الثورة أعلنت بعد انتصارها كبرنامج الانتساب إلى واقعية شعبية يفهمها الجميع، وكانت قد رفضت الفن الحديث كمظهر ممسوخ من مظاهر الانحلال البرجوازي، وقال أحد مدعوي الرسام، " أهذا هو مأزقنا؟ أن نخون الفن الحديث الذي كبرنا في ظله أم نسند الثورة؟ قال الرسام: " إن هذا السؤال طُرح بطريقة سيئة، فإن الثورة التي بعثت الفن الأكاديمي من قبره، وتنتج ألوف النسخ من تماثيل رجال الحكم، إن هذه الثورة لم تخن الفن الحديث فحسب، بل خانت نفسها أولاً، لا تريد هذه الثورة تغيير العالم بل على العكس تماماً  تريد أن تحافظ على التفكير الأكثر رجعية في التأريخ والتعصب والانتظام والدوغمائية والإيمان الأعمى والتقاليد، ليس هناك من مأزق بالنسبة لنا، فإن كنا ثوريين حقيقيين فلا يمكننا القبول بخيانة الثورة .

يتكلم جاروميل مؤيداً كلام أستاذه ، " ليست السريالية التي تستمر منذ ربع قرن عصرية تماماً، بل أن الثورة التي تحدث الآن أمام أعيننا عصرية أكثر منها .

يلتقي جاروميل، بعد ذلك بابن البواب، وهو أحد زملاء مدرسته القدماء، والذي يعمل الآن شرطياً في إحدى مؤسسات الدولة الأمنية، كان يُحس أن ابن البواب هذا يتفوق عليه دائماً بدرجة على الرغم من تخلفه في الدراسة، وكان يتمنى أن يرتفع إلى مستواه، وكان يقول له، " أتعلم أن والدتي كانت تريدني أن أتخصص في تأريخ الفن أو الأدب الفرنسي، أو شئ من هذا القبيل، ولكن ذلك لايهمني، لا علاقة لذلك بالحياة، الحياة الحقيقية هي ما تفعله أنت .

لم يلبث جاروميل، وعلى الرغم من حداثة سنه، أن أضحى نجماً ساطعاً في المنتديات والمؤتمرات واللقاءات ذات الطابع الثقافي .

ونقتبس هنا هذا المقطع،

" كان مسرح الكلية يعج بالناس، وكان بعض الشعراء جالسين على المنبر، وكان أحد الشبان واقفاً وهو يرتدي قميصاً أزرق، كان شعره  غزيراً ووجهه منتفخاً وهو يتكلم،

ــ  ليس للشعر قط دورٌ أكبر من الدور الذي يلعبه  في العهود الثورية، لقد أعطى الشعر للثورة صوته، فحررته الثورة بالمقابل من وحدته، فيعرف الشاعر اليوم أن الجمهور يستمع إليه، وأن الشباب على الأخص يستمع إليه، لأن " الشباب والشعر والثورة هي شئ واحد " .

ثم ينهض شاعر ستيني ويخطب بصوت رخيم قائلاً ، " هو شاب من يؤيد فتوة العالم، وفتوة العالم هي الاشتراكية، هو شاب من يغوص في المستقبل ولا يلتفت لينظر إلى الوراء "

وألقى هذا الشاعر الشهير عدداً من قصائده التي صفق لها الجمهور الذي جذبه سحر شخصيته، ولم يكن يشعر بالحقد الذي يترصده من لدن الشعراء الشباب الذين باتوا مقتنعين أنهم وحدهم من يحق لهم  أن يحرسوا  أبواب الجنة الاشتراكية، إذ أن مستقبل البلاد أما أن يكون جديداً أو لايكون، أو يُصبح نقياً أو ملطخاً، صرخ جاروميل، وانضم إليه البعض،

ــ " يا لها من حماقات يريدنا أن نقبل بها، أن يزوّج الاشتراكية مع السريالية؟ يريد أن يزوّج القط مع الحصان، المستقبل مع الماضي " .

كان الشاعر العجوز يراقب الشبان الصاخبين، وفهم أنه كان في هذه الصالة وحده الذي يتمتع بامتياز الحرية، لأنه كان مسناً، فقط عندما يسن المرء يمكنه أن يتجاهل رأي القطيع، رأى الجمهور والمستقبل، وحده هو مع موته القريب .

وكانوا يصفّرون ويطلبون الكلام للرد عليه، ونهض جاروميل بدوره، كان أمام عينيه حجاب أسود ووراءه كان الجمهور، وطفق يقول، إن الثورة وحدها هي حديثة، وليس الغزل المنحط والصور الشعرية المبهمة إلا ابتذالاً شعرياً وشيئاً بعيداً عن الشعب، ووجه أسئلة إلى الشاعر الشهير، " وما الشئ العصري برأيك؟ أهي أشعارك المبهمة أم نحن الذين نبني العالم الجديد؟ وما لبث أن أجاب، وحده الشئ المطلق العصرية هو الشعب الذي يبني الاشتراكية " . 

وعند سماع هذه الكلمات دوّى المدرج بعاصفة من التصفيق .

وفي إحدى الأمسيات الشعرية التي كان يحضرها جمعٌ غفير من المستمعين، اجتمع عددٌ لا بأس به من كبار الشعراء، وكان بينهم الشاعر الستيني، الذي طالما كان جاروميل يبعث إليه برسائل الإعجاب والتودد من دون أن يحصل على رد واحد،  وبعد انتهاء القراءات، فتح باب النقاش والحوارات بين الشعراء أنفسهم والجمهور، نهضت امرأة خمسينية وسألت، " لماذا يُكتب القليل جداً عن الحب في الوقت الحاضر؟ "، فسُمعت ضحكة مخنوقة من الجمهور، وتابعت المرأة، " حتى في النظام الاشتراكي، يتحابّ الناس ويقرأون بسرور شيئاً عن الحب " .

نهض الشاعر الستيني وأحنى رأسه إلى الوراء وقال إن الرفيقة كانت على حق تماماً، وهل يجب أن أن نخجل، في نظام اشتراكي من الحب؟ هل كان ذلك شيئاً سيئاً؟

كان هو رجلاً مسناً، ولكنه لم يكن يخجل عندما يعترف أنه، حين كان يرى نساءً يرتدين فساتين صيفية رقيقة  يحزر المرء تحتها أجسامهن الفتية الساحرة، لم يكن يستطيع الامتناع عن الالتفات، وسُمعت بعض الضحكات، وتابع الشاعر، وقد شجعه هذا الضحك متسائلاً ، ما كان عليه أن يقدم لهاتيك النساء الشابات الجميلات؟ ربما مطرقة أو منجلاً، وعندما كان يدعوهن إلى منزله، هل كان عليه أن يضع منجلاً في مزهريات الورد؟ إطلاقاً، كان سيقدم لهن الورد ويقرأ على مسامعهن الشعر الغرامي .

وإزاء هذا التصاعد في الحماسة الثورية، يتم تكليف جاروميل من قبل قيادة الحزب في الجامعة  أن يكتب بعضا من شعارات المرحلة، وتحمس هو لهذا الأمر، فأمر أن يُكتب على شريط، "أن الحلم  حقيقة"، و" كونوا واقعيين وطالبوا بالمستحيل "، و " نعلن حالة السعادة الأبدية"، و" كفانا كنائس"، و" لا حرية لأعداء الحرية"، و" الموت للفاترين"، و" الثورة والسياسة والعائلة والحب"، ولوّن التلاميذ الحروف وتنقّل جاروميل بفخر بينهم كأنه مارشال الكلمة، إنه سعيد لأنه يساعد، سعيد لأن حس الكلمات عنده يجد تطبيقاً عملياً، إنه يعلم أن الشعر قد مات لاسيما وأن حائط السوربون أعلن، " لقد مات الفن، ولكنه مات لينهض من ضريحه، ليصبح فن الدعاية والشعارات المنقوشة على أشرطة وجدران المدن .

كان الموكب يسير في الشوارع وكان جاروميل يمشي بجانبه، لم يكن مسئولا عن الشعارات التي كتبت على اللافتات فحسب، بل عن  هتافات رفاقه الموقّعة أيضاً .

وبالنسبة لوضع جاروميل داخل عائلته وضمن الفيللا الكبيرة التي يمتلكونها فقد تم توجيه الاتهام إلى زوج خالته باختلاسات وهمية، كمئات التجار في ذلك الوقت، الذين تم الإيقاع بهم بسهولة وصودر متجراه اللذان أصبحا منذ ذلك الحين ملكاً للدولة وأرسل إلى السجن لبعض السنوات وطُرد إبنه وزوجته من الوظيفة واعتبرا عدوّين للشعب، فغادر كلاهما الفيللا بصمت مصممين على أن لا يغفرا يوما للأم التي كان ولدها قد انحاز إلى صف أعداء العائلة، وقد أقام في الفيللا بعض المستأجرين، الذين كانت المختارية قد خصصت لهم غرف الطابق السفلي، كانوا قادمين من مسكنٍ بائس في قبوٍ ما، وكانوا يعتقدون أنه من الظلم أن يمتلك أحدهم فيللا شاسعة ومريحة إلى هذا الحد، وكانوا يعتبرون أنهم لم يأتوا ليسكنوا هنا لمجرد السكن، بل لإصلاح ظلم تأريخي قديم، واستولوا على الحديقة، وفرضوا على الأم أن تطلب من البلدية  ترميم الغرف والممرات .

وفي إحدى المرات يوقف رب هذه العائلة أم جاروميل ذات يوم ليقول لها،، واستناداً إلى أن زوجته في انتظار أن تلد زوجته مولوداً جديداً، " أنه من الظلم أن يقيم شخصان في المساحة نفسها التي يشغلها خمسة أشخاص، وعرض عليها أن تتنازل عن غرفة من الغرف الثلاثة في الطابق الأول الذي يشغلونه، فأجابته الأم، إن ذلك لم يكن ممكناً، فقال النزيل، أنه في مثل هذه الظروف، كان على البلدية أن تتأكد من أن غرف الفيللا موزعة توزيعاً عادلاً .

وفي حوارياته الحميمية والمطولة مع صديقه القديم ابن البواب والذي أضحى الآن شرطياً في إحدى الدوائر الأمنية، يخبره هذا الأخير أن صديقهم وزميلهم في الكلية الذي أطلقوا عليه تسمية " الرجل الأسمر"، قد اعتقل، مع أنه كان يدير حركة الماركسيين الشبان في الكلية، كان جاروميل يشك شكاً غامضاً بأنه كان هناك بعض الاعتقالات، ولكنه لم يكن يدري أنه كان يعتقل عشرات الألوف، ومن بينهم الشيوعيون، وأن المعتقلين كانوا يعذبون، وأن أخطاءهم كانت في أغلب الأحيان أخطاءً وهمية، لم يكن بوسعه أن يستجيب إلا بحركة دهشة بسيطة لم تكن تعبر عن رأي أو إدانة بل عن قليل من الذهول والرأفة، بحيث أن ابن البواب شدد بقوة، " بالنسبة لمسائل كهذه المسألة يجب أن لا تتدخل العاطفة "، ذُعِر جاروميل، لأن ابن البواب  كان مرة أخرى يفلت منه ويتجاوزه قائلاً، " لا تستغرب إن كنت أشفق عليه، هذا أمرٌ طبيعي، لكنك على حق، يمكن للعاطفة أن تكلفنا ثمناً باهظاً "، قال ابن البواب، " باهظ جداً "، قال جاروميل، " ما من أحد منا يرغب في أن يكون قاسياً

وافق ابن البواب، " ما من أحدٍ منا "، قال جاروميل، " لكننا نرتكب القساوة الأعظم، عندما لا نجرؤ أن نكون قساة تجاه القساة . أيّده ابن البواب، هذا صحيح

ــ لا حرية لأعداء الحرية، أعلم أن ذلك قاسٍ، ولكن الأمر يجب أن يكون هكذا .

صاحبة الشعر الأحمر

يتعرف جاروميل على شابة حمراء الشعر تعمل موظفة مبيعات في أحد المتاجر، ويهيم قلبه بها حباً، على الرغم من أنها لم تكن على قدر عال من الجمال، وأنها تنحدر من عائلة متواضعة، وفي أحدى لحظاتهما الحميمية يقول لها متابعاً، " وأنا أيضاً لن أستطيع العيش من دونك"، وكانت تردد، إنها لا ولن تستطيع العيش من دونه، وردد كلاهما هذه الجملة، وردداها مطوّلاً إلى أن انتهى بهما الأمر إلى الاستسلام لافتتان مضبب عظيم، وكانا قد نزعا ثيابهما وفعلا الحب، وفجأة أحس تحت يده برطوبة الدموع التي كانت تسيل على وجه صاحبة الشعر الأحمر، وكان شيئاً رائعاً، لم يحدث له من قبل أن بكت امرأةٌ من حبها له، كانت الدموع بالنسبة له هذه المادة التي ينحل فيها الرجل عندما لا يكتفي بأن يكون رجلاً ويرغب في اجتياز حدود طبيعته المادية ومن كيانه المحدود، وليندمج بالأبعاد ويصبح لانهائياً، كانت رطوبة الدموع قد أثرت فيه أبعد تأثير، وأحس بغتة أنه كان يبكي هو الآخر، كانا يفعلان الحب وقد ابتل جسدهما ووجههما، كانا يذوبان حقاً، كانت أخلاطهما تمتزج وتلتقي كمياه جدولين، كانا يبكيان ويفعلان الحب، وكانا في هذه اللحظة خارج الكون، كانا كبحيرة انفصلت عن الأرض وهي ترتفع نحو السماء ... " .

غير أنه وبعد أيام قليلة، سيتملكه الغضب ويثور على عشيقته الصغيرة، لأنها جعلته ينتظر ربع ساعة أطول من الوقت، قبل أن تأتي إليه، وحين تدرك الصغيرة  حجم المأزق تتذرع بحجج مختلفة لتبرر تأخرها، ولكنه لم يشأ  أن يصفح عنها، أو بالأحرى يصدق مزاعمها، ولكنها وكمحاولة أخيرة لإرضائه تبوح له  بسر غيابها، " لقد كنت في منزل أخي، أخي الذي سكن لفترة عندي "، كان جاوميل قد ثار، " ولماذا هذه الحاجة بأن تكوني محشورة دائماً معه؟ " .

ــ لا تغضب، فهو لا يمثل شيئاً بالنسبة لي، وليس له أي حساب مقارنة بك، ولكن افهمني، إنه أخي مع كل هذا، لقد كبرنا معاً مدة خمسة عشر عاماً، إنه ذاهبٌ، ولفترة طويلة، وكان عليّ أن أودعه .

وبعد استجواب مضني، تخبره أن شقيقها قد قرر أن يجتاز الحدود سراً، وبطريقة لا شرعية، وأنه غداً سيكون خارج الوطن .

ماذا؟ هل كان شقيقها يرغب في ترك جمهوريتنا الاشتراكية الفتية؟ أكان شقيقها يرغب في خيانة الثورة ويصبح مهاجراً؟ ألم تعرف هي معنى الهجرة؟ ألم تكن تعرف أن كل مهاجر يصبح بطريقة آلية عميلاً لمخابرات تجسس أجنبية تريد تدمير بلدنا؟

كانت الصغيرة تؤيده وتوافق على كلامه، كانت غريزتها تقول لها إن جاروميل سيغفر لها ربع ساعة من الانتظار بأسهل مما يغفر خيانة أخيها، ولذلك كانت تقرّه وتوافق على ما يقول .

وأغرب ما في الأمر أن جاروميل قال لها إنه يسامحها على تأخرها، إلا أنه لا يستطيع أن يسامحها على شقيقها الذي يتهيأ للذهاب إلى الخارج ، " إن أخاك طرف المتراس الآخر، إنه عدوي الشخصي، وفي حال اندلاع الحرب، سيطلق الرصاص عليّ وأطلق الرصاص عليه، هل تدركين معنى ذلك "؟

ويطلب منها، من أجل توكيد حبها له، أن تتصل بالشرطة، فتخبره بأنها ليس في مقدورها أن تشي بأخيها .

وفي الصباح يذهب إلى مبنى الأمن الوطني الذي يعمل فيه صديقه ابن البواب، ويترك هويته عند موظف الاستعلامات، يرتقي السلم، (هنا يعلق كونديرا: انظروا إليه كيف يمشي، وكيف يقيس خطواته)، أعلن ابن البواب أنه مسرور جداً لزيارة جاروميل، وعرفت نفس جاروميل الغبطة، وجلس على الكرسي الذي قدم له وشعر للمرة الأولى أنه  أمام صديقه كرجل أمام رجل آخر، مساوْ أمام مساوٍ آخر، كرجل صلب أمام رجل صلب آخر .

وبعد أن يتحدّثا في مواضيع مختلفة، يخبره جاروميل،

" سأطلعك على مسألة بالغة الأهمية، إني على معرفة برجلٍ يستعد للعبور إلى المنطقة الغربية في الساعات القليلة القادمة، ويجب القيام بعملٍ ما " .

ويقود ابن البواب صديقه إلى مكتب آخر عبر ممر طويل، وقدّمه لرجل مسنٍ  يرتدي ثياباً مدنية، وقدمه كصديق له، مما جعل صاحب الملابس المدنية يبتسم لجاروميل بمودة، واستدعيا سكرتيرة  وكتبا محضراً رسمياً، وكان على جاروميل أن يشير إلى كل التفاصيل  بدقة ، اسم صديقته، مكان عملها، سنها، كيف تعرّف إليها، أصل عائلتها، مكان عمل والدها، وأخوتها وأخواتها، متى أعلمته عن نية أخيها بمغادرة البلاد باتجاه الغرب .... إلخ .

كان أخو صديقته يكره نظامنا ! يا لها من مأساة، كان شقيق صديقته من عائلة فقيرة جداً ومتواضعة جداً، إلا أنه كان يعمل سائقاً عند رجل سياسي برجوازي من العهد البائد، كان قد كرس حياته إلى جانب الأشخاص الذين كانوا يحيكون المؤامرات ضد نظامنا، نعم كان باستطاعة جاروميل أن يؤكد ذلك بكل يقين، كان هذا الرجل على استعداد لإطلاق الرصاص على الشيوعيين، وكان بوسع جاروميل أن  يتخيل بكل سهولة الأفعال التي سيقوم بها الشقيق عندما سينضم إلى صفوف المهاجرين، كان جاروميل يعرف أن هوس شقيقها الوحيد كان أن يزيل الاشتراكية .

وبإيجاز ذكوري، انتهى الرجال الثلاثة من إملاء المحضر الرسمي على السكرتيرة، وطلب أكبرهم سناً من ابن البواب أن يتخذ دون تأخير الإجراءات اللازمة، وعندما انفرد الرجل المسن مع جاروميل في المكتب، شكره لمساعيه، وقال له  إنه لو كان الشعب بأسره بتيقظ جاروميل، لتعذر على وطننا الاشتراكي أن يُهزم، وقال أيضاً  إنه سعيد لأن هذا اللقاء معه لن يكون الأخير، كان جاروميل ينظر إلى وجه الشرطي بحماس، وكان يبدو له هذا الوجه جميلاً وحكيماً، وجهٌ حفرته تجاعيد عميقة تشهد على حياة قاسية وذكورية .

يخرج جاروميل من مبنى الأمن، كان يهبط درجات المدخل العريضة ويرى شمس الصباح الباردة ترتفع فوق سقوف المدينة، فتنشّق الهواء البارد وشعر برجولة تطفح من جميع مسامات بشرته وتريد أن تأخذ في الغناء، وفكّر بالعودة فوراً إلى منزله والجلوس إلى طاولة عمله وكتابة قصائد جديدة .

وفي اليوم التالي يسرع إلى منزل صديقته، ليفاجئها عند وصولها من عملها، إلا أن مالك البناية يقول له إن صاحبة الشعر الأحمر لم تعد إلى المنزل منذ أن أخذها السيدان .

تأثر جاروميل كثيراً لذلك، وفي صباح اليوم التالي، يذهب إلى مقر الشرطة، وكما في المرة السابقة، يعامله ابن البواب معاملة ودية، وعندما يسأله جاروميل عن الذي حصل مع  صديقته التي لم تعد إلى المنزل بعد، يقول له أن لا يقلق، لقد أطلعتنا على درب بالغ الأهمية، سنتشدد في استنطاقهم كما  ينبغي، كانت ابتسامته بليغة .

ومن جديد يخرج جاروميل من مبنى الشرطة في الصباح البارد المشمس، ومن جديد يتنشق الهواء المثلج، كان يشعر بنفسه يكبر ويفخر بقدره، إلا أن الأمر لم يكن الشيء نفسه كأمس الأول، إذْ أنه فكّر هذه المرة، وللمرة الأولى أن عمله كان قد (أدخله في المأساة)، وفكر مع نفسه، إنه يفهم الآن لماذا لم تكن للأبيات التي كتبها منذ يومين أية قيمة، إذ أنه في تلك اللحظات، لم يكن يعرف بعد أبعاد ما كان قد فعل، أما الآن، فإنه يفهم عمله ويفهم نفسه وقدره، منذ يومين كان يريد نظم أبيات عن الواجب، إلا أنه الآن، كان يعرف عن ذلك المزيد، إن مجد الواجب يولد من رأس الحب المقطوع .

كان جاروميل يجوب الشوارع مسحوراً بقدره الخاص، وعندما عاد إلى منزله، وجد رسالة، " سأكون سعيدة جداً إذا استطعت أن تأتي في الأسبوع القادم، يوم كذا والساعة كذا إلى أمسية صغيرة تلتقي فيها أشخاصاً سيثيرون اهتمامك " .

كانت الرسالة تحمل توقيع الشابة السينمائية التي التقاها في السابق وسحرته ولكنه جعل فرصة ثمينة تفلت منه حين هرب من لقاء حميم معها  .

كانت أمسية ساحرة تلك التي قضاها في غرفته تلك الليلة، كانت أكثر إسكاراً من جميع الأمسيات الغرامية التي يمكن تخيلها، كانت أمه في الغرفة المجاورة، وعندما قرعت الباب لتسأله عما كان يفعل، قال لها بحنان، " ماما "، ورجاها أن تساعده على إيجاد الهدوء والتركيز، لأنه هكذا قال: " أكتب اليوم أعظم قصيدة في حياتي "

فابتسمت الأم ابتسامة أمومية ودودة ومتفهمة ومنحته الهدوء .

ثم استلقى على السرير وفكّر مع نفسه إنه في اللحظة نفسها، كانت صديقته صاحبة الشعر الأحمر محاطة برجال من الشرطة والمحققين والحراس، وأنه كان بإمكانهم أن يفعلوا بها ما يشاؤون، أن يراقبها الحارس من منظار الباب بينما هي تجلس على الدلو لتتبول .

 

الأربعيني

تكمن براعة كونديرا في طريقته الفريدة  في رسمه لشخصيات روايته، وتبرز لنا شخصية " الأربعيني" في  نهاية الرواية، ولكي تضفي التوازن والانسجام على أحداث الرواية بمجملها، بعد أن دخلت في منحنيات حادة وانفعالية .

والأربعيني، بنظرنا يناظر شخصية أخرى تعرفنا عليها في بداية الرواية، وهي شخصية الرسام عشيق أم الشاعر، وهما كلاهما منبوذان ومطرودان من السلك الوظيفي للتشكيك بمصداقية ولائهما للنظام الجديد، وبينما كان الرسام عشيقاً للأم ومعلماً وأستاذاً لجاروميل، كانت عشيقة جاروميل تتردد على الأربعيني بانتظام، وهي كانت مستلقية في حضنه في ذلك اليوم الذي تذرعت فيه لجاروميل عن تأخرها بأنها كانت تودع أخاها قبيل عبوره الحدود .

يتم إطلاق سراح الفتاة بعد ثلاثة أعوام تقضيها في السجن جرّاء وشاية عشيقها، وكان أو شئ يخطر على بالها بعد خروجها هو أن تذهب إلى بيت صديقها الأربعيني، حيث لم يكن لديها سواه، والأسباب واضحة، فهي تخشى الذهاب إلى أهلها خوفاً مما يمكن أن يحصل لها، لاسيما وأنهم يحملونها المسؤولية عن اعتقال أخيها وربما اختفائه إلى الأبد .

تشير الرواية إلى أنه وبالرغم من أن حياة الأربعيني الغرامية كانت متنوعة إلى حد بعيد، فقد كان في أعماقه مثالياً، وكان يحرص على هدوء غرامياته وانتظامها، وبالتأكيد فإن الفتاة كانت تدور في سماء غرامياته كنجمة متواضعة وامضة، ولكن، حتى نجمة صغيرة واحدة، حين تنتزع فجأة من مكانها، تستطيع أن تفسد بشكل مزعج  انسجام عالم من العوالم، وبالإضافة إلى ذلك  فهو كان سعيداً أن يكون للفتاة صديق تحبه، وكان  يحثها أن تحدثه عنه ويعطيها دروساً في كيفية التصرف معه .

وبعد أن تدخل، يسألها الأربعيني إن كانت تعرف بالضبط ماذا حدث لصديقها، تجيب بالنفي، فيقول، لقد مات، مات بعد قليل من اعتقالك، ابتسم الأربعيني، قائلاً، ولكن لا، لقد سقط بكل تفاهة ومات، وانتقلت أمه من الفيللا، ولن تجدي منهما أي أثر فيها باستثناء نصب كبير أسود في المقبرة الملحقة، وهو أشبه بقبر كاتب كبير، وقد طلبت الأم أن تُحفر عليه هذه العبارة، " هنا يرقد الشاعر ...، وكان مكتوباً تحت اسمه الجملة التي يقول فيها إنه يود  لو يموت  في اللهب .

 

السينمائية ذات العينين السوداوين

تظهر لنا شخصية الشابة السينمائية، كإحدى الركائز الفاعلة، التي تتحكم بمجريات الأحداث من خلف الستار، وهي تتعرف على جاروميل في بداية الرواية، من خلال أحد المهرجانات التي كانت السلطات تدأب على إقامتها بين الحين والآخر، وكان جاروميل حينها وعلى الرغم من حداثة سنه، يبرز في الأوساط الثقافية بوصفه نجماً من نجوم التبشير بالعهد الجديد، فتقدم مقترحاً إلى السلطات بأن تعمل عنه فيلماً وثائقياً، وتصطحبه إلى بيتها، ويتناجيان، وتكاد أن تمنحه نفسها، ولكنه، وفي لحظة شرود يخفق، وهكذا بقي مذعوراً أمام العينين الكبيرتين السوداوين، وأعلن في تلك الليلة  أن عليه أن يرحل، ولكن الفتاة تواصل مشروعها  بشأن الفيلم، وتلتقي به وبأمه باستمرار من أجل استكمال كتابة السيناريو وتصوير لقطات معينة .

وفي ذات يوم، تعترف السينمائية للأم بأنها تعمل في نادي مشاريع الأمن الوطني، لأنها تتحدر من عائلة ثرية وأنها تحتاج إلى حماية سياسية، والآن أصبحت الأم تدرك أن هذه الفتاة العديمة الذمة تعرف كيف تستغل كل شئ لمصلحتها، ولم تكن الأم وابنها بالنسبة لها سوى سلّم تسلقته لتتقرب من السلطات .

وفي مرحلة ما، وكما رأينا  في موضع سابق، توجّه السينمائية دعوتها الثانية لجاروميل لزيارتها في منزلها، يصل الشاعر، فيجد أن بعض الأشخاص كانوا موجودين أيضاً في الغرفة، وبعد أن يجلس، يجري الترحيب به، ويلاحظ أحدهم، وقد يكون في العقد الثالث من عمره، يصوّب نظره إليه بانتباه، ثم ليقول له،

ــ يبدو لي أني سمعت عنك !

قال جاروميل  برضى، عني أنا؟

فسأل الرجل جاروميل إن لم يكن هو الفتى الشاب الذي كان يذهب إلى منزل الرسام منذ طفولته، واستدرك الرجل، إلا أنك لم تذهب لزيارته منذ زمنٍ طويل .

ــ نعم منذ زمن طويل .

ــ ولماذا؟

ولم يكن جاروميل يعرف بماذا يجيب، فهز كتفيه .

ــ أعلم السبب أنا، قد يضر ذلك بمهنتك .

وحاول جاروميل استخدام لهجة السخرية، " مهنتي"؟؟

ــ أنت تنشر أبياتك، وتلفي أشعارك في الاجتماعات، وتخرج صاحبة المنزل فيلماً عنك لكي تُحسّن سمعتها السياسية، فيما لم يعد للرسام الحق بعرض لوحاته، هل تعلم بأنه اتهم بأنه عدو للشعب في الصحافة؟

كان جاروميل يصمت .

ــ هل تعلم ذلك، نعم أم لا؟

ــ نعم سمعت البعض يقول ذلك .

ــ يبدو أن رسوماته برجوازية .

وظل جاروميل صامتاً

ــ لقد طُرد من الثانوية التي يعمل فيها كمدرس، وهو يقوم الآن بعمل يدوي في أحد المصانع، لأنه  لا يريد التخلي عن أفكاره، ولا يستطيع الرسم إلا مساءً على الضوء الاصطناعي، إلا أنه ما يزال يرسم لوحات جميلة .

كان جاروميل يشعر بوحل الإذلال يسيل على خده، وكان يعلم أنه لم يكن يستطيع البقاء دقيقة واحدة أكثر بينهم بهذا الوجه الملطخ، وكان الآخرون يحاولون عبثاً تهدئته ومواساته، وقال، " عبثاً تحاولون التوفيق بيننا، ثمة حالة يستحيل الوفاق فيها  "، ثم نهض واستدار بعصبية نحو مخاطبه،

ــ آسف، شخصياً، أن يكون الرسام عاملاً يدوياً وأن يرسم على الضوء الكهربائي وليس ضوء النهار، إلا أنه من الجانب الموضوعي، فليس للأمر أية أهمية إن رسم على ضوء الشمعة أو لم يرسم أبداً، وأن ذلك لن يغير شيئاً، فلقد مات عالم لوحاته بأسره منذ زمن طويل، والحياة الحقيقية أضحت في مكان آخر تماماً، ولهذا السبب كففت عن الذهاب إلى منزل الرسام، ولا يهمّني أن أناقش معه مسائل لا وجود لها، فليكن في أحسن صحة، وليس لي أي عداء ضد الأموات، ولتكن الأرض خفيفة عليهم .

وأضاف موجهاً سبّابته نحو مخاطبه، وأقول لك  أيضاً الكلام نفسه، لتكن الأرضُ خفيفة عليك، إنك ميّتٌ دون أن تدري بذلك .

ونهض الرجل، وقال، " ربما كان غريباً أن نرى ما عسى أن تؤدي إليه معركةٌ بين جثة وشاعر " .

شعر جاروميل بالدم يصعد إلى رأسه، فقال، يمكننا أن نحاول، ورفع قبضته ليلكم مخاطبه، غير أن هذا الأخير أمسك بذراعه ولواها بعنف وجعله يدور حول نفسه، ثم أخذه بيده الأخرى من ياقته ورفعه من الأرض وسأل، أين أذهب بالشاعر؟

ولم يتمالك الرجال الشبان والسيدات الشابات الحاضرون الذين كانوا يحاولون مصالحة الخصمين منذ لحظات، لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك، واجتاز الرجل الغرفة مثبّتاَ في الهواء جاروميل الذي كان يتخبّط يائساً كسمكة رخوة، وحمله على هذا النحو حتى بلغا الشرفة، ثم فتح الباب وركل الشاعر .

ما إن أفاق الشاعر إلى نفسه من هول الصدمة، حتى شعر برغبة صادقة في التواري عن الوجود وفي الموت، كانت فكرة الموت تجذبه كما لو كانت صوت عندليب، وتمدد في مكانه في الجو العاصف، تاركاً جسده بين مخالب البرد والصقيع، لكي يسهّل على الموت عمله .

في اليوم التالي، كان ثمة مجهولٌ يقف أمام الأم طالباُ منها أن تسمح له بالتكلم مع جاروميل، وكانت الأم ترفض، ويذكّرها الرجل باسم صاحبة الشعر الأحمر، " لقد وشى ابنك بأخيها، وقد اعتقل كلاهما الآن، ويجب أن أكلمه "

وتفتح الأم باب غرفة ابنها، حسناً، تحدّث إليه "

رأى المجهول وجه الشاب الأحمر الذي كان يهذي من الحمى، وقالت له الأم بصوت منخفض وصلب، " أجهل عمّاذا تتحدث، ولكني أوكد  لك أن ولدي كان يعرف ماذا يفعل، وكلُّ شئ يقوم به هو لمصلحة الطبقة العاملة " .

 

خاتمة المطاف

لا يلبث كاتب الرواية، بعد هذه الأحداث الجسيمة، أن يرصع فضاء روايته ببعض التعليقات التي هي أشبه بالماسات النادرة المصنوعة من الألم والطرق الذي لاهوادة فيه، ومن بينها تعليقه الذي جاء في الصفحة 228، على إثر ذلك المهرجان الحاشد الذي تم فيه الاستهزاء والسخرية من الشاعر الشهير المسن، ونلتقط هنا هذه العبارة

" آه يا إلهي ! لو نقلنا حتى هذه اللحظة مرصدنا ! لو رحنا نزور الشعراء العشرة الذين كانوا جالسين على المنبر مع جاروميل أثناء الأمسية في مبنى الأمن ! أين هي القصائد التي ألقوها ذلك المساء؟

لا أحد، لا أحد، على الإطلاق يتذكرها وسيرفض الشعراء أنفسهم أن يتذكروها، لأنهم يخجلون منها، وهم جميعاً يخجلون منها الآن .

وفي الحقيقة ماذا  بقي من ذلك العهد البعيد؟ إنها اليوم بالنسبة للجميع سنوات الدعاوى السياسية، والاتهامات وألوان التعذيب لأدنى شبهة، والكتب الممنوعة والاغتيالات القانونية، أما نحن الذين نتذكر، فينبغي أن ندلي بشهادتنا، لم يكن ذلك فقط عهد الفظائع، بل كان أيضاً عهد الغنائية، كانت سلطة الشاعر تتحد مع سلطة السفّاح .

إن الجدار الذي كان قد سُجن خلفه رجالٌ ونساء، كان مغطى كلياً بالأشعار، وأمام هذا الجدار، كان الناسُ يرقصون، آه، كلا، ليس رقصة الأموات، بل كانت البراءة هي التي ترقص هنا، البراءة ببسمتها الدموية " .

 

أحمد الحلي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2438 المصادف: 2013-05-09 01:44:06