المثقف - قراءات نقدية

جواد الحطاب يعزز تجربته الشعرية بديوان جديد .. نصب الحرية شعراً

zayd alheliشاء حظه، ان يولد في العام 1961 بولادة قيصرية، صعبة على يد جراح مبدع وطموح وأن يتنقل بين إيطاليا وفرنسا، قبل تحتضنه بغداد ..

زاره وقبلّه وهو ما يزال في المهد، رموز العراق في ذلك الوقت : عبد الكريم قاسم، الجواهري، بدر شاكر السياب، د. مصطفى جواد، هاشم الخطاط البغدادي، عبد الوهاب البياتي، محمد بهجت الاثري، عمو بابا، القبانجي، نازك الملائكة وغيرهم بالعشرات..

ولم تمض، مدة وجيزة على ولادته، حتى توفى الله والده، فظل هذا الغض اليتيم يداري يتمه بالصبر الجميل، رغم الاحداث الجسام التي عاش في إتونها، والمتمثلة في الصراعات السياسية المريرة والثورات والانقلابات والمظاهرات والاحتجاجات وايضا الافراح والاحزان ورقصات الجوبي !

ومع نموّه وكبرّه، ظل متواضعا، تواضع الكبار، واستمر يلج الليل بالنهار، غير آبه ببرودة الشتاء وحر الصيف .. ظل شاخصا، بحنو، منكبا على تسجيل تلك الاحداث بحيادية عجيبة، كاتما غيظه للمرّ منها " وما اكثرها " مبتهجا للمفرح فيها "وما اقلها "!

أكمل اكثر من نصف قرن .. كان خلالها نعّم الحارس الامين، ولم يغمض له جفن على الاطلاق .. هذا الرائع بكل شىّ ظل يشكو غدر الزمان وانفضاض الابناء والاحفاد عنه وهو الذي اعطى دون ان يفكر بالأخذ ..إنه يعاني من أمراض عدة . تهدد حياته، وتنخرجسده الشامخ فيما أبناءه يتفرجون على إحتضاره، دون إتخاذ اية خطوة إسعاف او معاينة لجسده المديد الذي أتعبتة السنون ونكران الجميل!

إن إبن الـعقود الخمسة ونيف، المريض، هو "نصب الحرية " في بغداد، المهدد حاليا بالانهيار في أية لحظة، فهناك معلومات، تشير الى إن ارضية النصب اصبحت لا تقوى على حمله، نتيجة الضربات العسكرية التي طالت بغداد في 2003 وماسببته، وتسببه سرفات الدبابات الثقيلة جدا التي تجوب مقتربات النصب وشوارع منطقة الباب الشرقي في قلب بغداد وما تحدثه من إرتجاجات ضخمة، وايضا وجود من جار على هذا النصب ممن لم يقدروا رمزيته، فغمروا اسسه بالمياه ولصقوا على أعمدته الرخامية الشعارات والصور . بل قام البعض بدهانها بالوان قوس قزح وهي الوان، يأنفها حتى الاطفال، وأصبحت أرضيته مأوى للسراق وقاطعي الطريق و..و !

نصب الحرية، هز وجدان من كان سميّ نحاته الكبير جواد سليم .. وهو الشاعر العذب جواد الحطاب فأصدر تنوعيات على النصب، ضمها ديوان جديد في سياقه الشعري اسماه (بروفايل للريح .. رسم جانبي للمطر) بـ 110 صفحات انيقة، ومن قراءة لمعاني تنويعات الحطاب، تيقنت بأن الذي يستمرأ حياة الظلام والعبودية، لايمكن أن يدرك مجد الحرية او رمزها، وان " نصب الحرية " ليس، لقيطا ولا إستعارة وليس سلعة تغيب وتحضر حسب الطلب ... إنه رمز عراقي إستحق العالمية بجدارة عالية .

 

جواد الحطاب نحاتاً

وجواد سليم شاعراً

قرأت الديوان مرة، واعدتً قراءته ثانية، فثالثة، فوجدتُ جواد سليم امامي، وهو يضع رسومات نصب الحرية على الورق، ثم وهو يراقب انجازه في المصهر، وحتى اتمام اخر مراحله، عجيب امر الحطاب، يحوّل الحرف الى كلمة ناطقة، والكلمة الناطقة الى جملة موسيقية، وهذه الجملة الى صورة بحر، والبحر الى لغز، واللغز الى مشاعر، والمشاعر الى تأمل، والتأمل الى قناعة و.. و.. إنه ساحر أمتهن لعبة الدخول الى احاسيسنا بخيط حرير .. يجرنا بدعة الى حيث يريد، دون ان يفسح لنا مجالاً لسؤال اواستفسار ..!

قرأت في مفتتح الديوان، سطورا للحطاب سماها (مقدمة لا بد منها) عن ديوانه وتداعيات فكرته ما نصه : في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، عاد من بيروت التي اجتاحتها الحرب الاهلية، الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري ليعمل في مؤسسة (آفاق ــ فنون عربية) .. هناك سعيت الى صداقته حتى مغادرته العراق ثانية .

مرة، حدّثني عن تجربة بينه وبين جواد سليم، قال : اتفقنا على ان يرسم هو، وأنا اكتب قصيدة عمّا يرسم .. ثم تمتدّ ضحكة بلند بتجعداتها إلى عموم صلعته المميزة، ويضيف: فشلت التجربة، فجواد كان يقول لي قصيدتك بائسة، وانا اقول له رسومك غير موحية !!

وهذه المرة .. أنا (جواد الحطاب) قررت أن اغامر مع (جواد سليم) واكتب عن تكويناته الراسية في ساحة التحرير . قد تتطابق القصائد مع النحات، ومن المؤكد انها ستختلف .. فالابداع بكل ثيماته ليس سوى مغامرة تحتمل التأويلات .

فلأغامر إذن..

وإذا فشلت ..

سأدعي ما ادعاه الحيدري بلند .

قصائد بلا عناوين

الجديد في ديوان الحطاب، خلوّه من العناوين الداخلية، حيث استعان بصور لأجزاء من النصب، لتكون عناوينه الداخلية .، فعن قطعة شهيرة في النصب، تبين ثائراً رافعاُ يديه بقوة وعنفوان، كتب جواد :

 

كان لبغداد ... اربعة ابواب

0 باب الشام

0 باب الكوفة

0 باب البصرة

0 و.. باب خراسان

.. وكان للمنذر .. يومان *

 

لبغداد أبواب أربعة

0 باب كلواذا

0 باب الظفرية

0 باب السلطان

0 و.. باب الطلسم

الآن لبغداد باب واحد

باب الـ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآهـ

 

0 الجمعة الدامي ..

الاحد .. الثلاثاء .. السبت ... الاربعاء..

امتلأ الاسبوع دماً

فمن أين سنستأجر أياماً بيض..

وهمرات / فتاوى / الاحزاب

سجّلتنا : (زائدة) حياتية ...

.........

.........

يسير الانبياء على الماء

وتسير على اللهب..

فهل اخترنا الله

لتبليغ رسالته الجديدة ؟؟

*(المنذر ابن ماء السماء الذي حكم الحيرة والبحرين وعمان)

في هذه القصيدة، وغيرها في الديوان، يطلع علينا الخطاب، بمعنى مؤثر، بأسلوب خاص به، وعندي ان الاسلوب هو الطريقة الخاصة في اختيار الالفاظ وكتابة القصيد .. والاسلوب خلق مستمر، خلق الالفاظ بواسطة المعاني، وخلق المعاني بواسطة الالفاظ، فليس المعنى وحده، ولا اللفظ وحده، إنما هو مركب من عناصر مختلفة يستمدهما الشاعر من ذهنه ومن نفسه ومن ذوقه، وتلك العناصر هي الافكار والصور والعواطف ثم الالفاظ المركبة والمحسنات المختلفة .

الشعر استعداد واجتهاد وقريحة، وإذا لم يمتلك البعض تلك الحقائق فعليه الابتعاد الى ضفة اخرى ... سهلة منقادة !

وتحت، قطعة اخرى من النصب، كتب الخطاب :

أأخيراً

أأخيرا ايتها " الفالة "

تمكّنت المجنّدات

من ارحام أبائنا..؟؟

.. من بيرسي كوكس

إلى بول بريمر

.. من مس بيل

إلى باربرا بوداين

..القديسون الكومندوز

.. الكهنة المخلوطون بالوثائق

.. اللاهوت المدجّج بالارقام

معاذ الربّ

.. هذا ليس كلام شعراء

فالـ (الرحّالة) قد تركوا في الـ (اليوميات)

..خرائط .. تنتشر بهوامش

ودبابيس ملوّنة!!

..........

.........

يتسلّل من كتب التاريخ، لرجال الدين النجفيون

(الجذر التربيعي لعشائر زوبع)

لا تنقصهم الأسطورة

" مكوار " أعزل

يقترب (في صينية مدفع) نجوماً للفالات

ويتكوكب في الأبدية

..........

.........

كأني رايت المشاهد ــ من قبل ــ في السينما

: جنود من تنك

وجنرالات تصفر فيها الريح !!

.........

........

لن تمشي السيارات

بعكس السير هنا .

 **********************

هل نحن امام نمط جديد من الشعر؟

وكما ذكرتُ في كتابات سابقة، فأن شعر الخطاب، خاص به، لايشبهه شعراً قرأته، بل اكاد اقول ان نمطاً شعرياً مستنبطاً بهذا الشكل، لم يمر عليّ، انه من آلية غير مطروقة، والزمن هو من سيحدد آفاقه المستقبلية .. و في شعر جواد اجد أسلوباً لا ينقصه التشويق الصوري، فهو يسعى الى صنع فن الحياة، لجعلها أكثر نشاطا وحيوية، مشعة دوما بالأصرار، رغم ما فيها من خبايا وانتكاسات، إنه يرشدنا إلى كيف نكون واعين ومفعمين بالأمل، وشعره يتحرك عبر الزمان والمكان، حاملاً قوى مستديمة في الروح، وتلك سمة لا يجيدها إلا المبدعون، وجواد احدهم، بل في مقدمتهم، فالخطاب لم يستهويه الجلوس، بانتظار الفرصة، لكنه صنعها بنفسه معتداً بذاته، متسلحاً بموهبته وبقراءاته المبكرة، لذلك انتج قصائد، اشبهها بالنسور التي لاتطير اسراباً، وعلى الذي يريد قراءتها ان يبحث عنها، واحدة تلو الاخرى .

عن اليدين المسبلتين في النصب، كانت فكرة لقصيدة اخرى، قال فيها الحطاب :

من يزن الصرخة في ميزان الألم ؟

الشراشف البيضاء،

لم تعد مكوية

لون غامض..

على الشراشف !!

0 فتحت الطلقات (غاراً) له في جسده..

فـ دخل

وأعشوشبت وراءه المقدسات

ــــ .. يأمناء سرّ الجرح

ارفعوا الأفق .. لتراه

فلا غياب يزوّر دم ابنها

وأطمئنوا ..

سرّها في النبع

لن تلوّث رحم الارض

امطار الفجيعة ..

حبة دمع واحدة

من عين أم..

كافية لتعقيم الملائكة.

 

مرآة الحطاب ومنحوتات جواد

هل اشبه جواد الحطاب، بالمرآة وهي تتجول بين منحوتات نصب الحرية ؟ اقول، نعم فهو يلتقط الصورة التي يريد اظهارها لمتلقيه وتسليط الضوء عليها بسلاسة، مخبوءة تحت رداء فلسفي، انه شاعر من طراز خاص يحرص على تلوين العبارة وتنويع االافكار بما ينفي الملل عن قارئه ويشركه معه في الرؤية والبحث في عبارات عذبة، قوية،جزلة، يمتزج فيها المبهم بالواضح ..قصيدته هي فعل التناقض، والقصيدة عنده عمل فني وولادة جمالية مستخلصة من واحات الفكر والتأمل والخيال، مغذاة بحس شعوري رهيف .

أخيرا، اقول ان الشاعر الحطاب اثبت بأقتدار ان صوره الشعرية بمضامينها العميقة، جاءت من مقاتل عنيد في تطويع الحروف والكلمات والجمل، ونحويلها الى حديقة ملأى بالرياحيين والزهور الشعرية، ذات مسلك غير مسبوق ... قصائده ليست مجرد تفعيلات محددة معروفة، بل هي موسيقى خفية تنساب في شعره، فنحسها دون ان نحددها .. هي موسيقى من الحروف والالفاظ والعبارات والمعاني .. فالشعر الذي يصدر عن نبض الحياة يحتاج الى لغة نابضة والى جرأة من الشاعر في تعامله مع الكلمة، وهكذا فعل الحطاب ..

وللشاعر ست مجاميع، صدرت اولها في عام 1978 وهي (سلاما ايها الفقراء) و(يوم لإيواء الوقت) و(شتاء عاطل) و(ديوان الشعر العرقي " مشترك ") و(مختارات) و(إكليل موسيقا على جثة بيانو) الى جانب مجاميع للأطفال وكتابات نثرية عديدة .. وقد ارفق مع ديوانه (بروفايل للريح ... رسم جانبي للمطر) دراسة مهمه لشعره بعنوان " بجماليون يبتكر قصيدته " للسيد فضل خلف جبر وقال عنه الشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري (واحدا من اهم شعراء العراق المعاصرين) فيما وصفه الناقد صلاح فضل (شاعر من سلالة المتنبي الباقية)

تحياتي لجواد الحطاب، البصراوي الاصيل ... عراقي الهوى !

  

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

اقرأ للاستاذ زيد الحلي منذ زمن ، وللحق اقول انني لم اجد في قلمه انحيازا لعاطفته ، بل اجده في توأم الموضوعية ، وهذا ما لمسته في مقالته الجميلة عن صديقه الشاعر العذب جواد الحطاب ...
لهما محبتي واعجابي

منتهى العيدروسي / جامعة بغداد
This comment was minimized by the moderator on the site

ممنون لحسن تعليقك وحسن تهذيبك
والحق معك في ما يخصّ الاستاذ زيد الحلي
ففضلا عن ثقافته العالية ؛ يتمتع بذائقة تجعل رأيه النقدي مما يعتز به
اي مكتوب عنه او منقود منه

احتراماتي

جواد الحطاب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2439 المصادف: 2013-05-10 11:32:41