المثقف - قراءات نقدية

الوحدة العضوية وانسجام الموضوع في ديوان "ولادة " للشاعر المغربي أحمد حيدة

najia  jannaعن مطبعة النجاح بالدار البيضاء، صدر سنة 2013 ديوان شعري للأستاذ أحمد حيدة، يضم 29 قصيدة ينتمي بعضها للشعر الحر وبعضها لشعر التفعيلة، بوزن البحر البسيط، تراتيل واعية، ناضجة تحمل نفسا طويلا تطرزها ألفاظا مستقاة من معاجم اللغة العربية الفصيحة الرزينة، تنأى بجانبها عن العبارات اليومية المستعملة، يحمل عنوان "ولادة" لأنه مولود الشاعر الأول ولكني أثمن العنوان لأني أرى أنه ولادة جديدة بأسلوب جديد في الكتابة الشعرية المغربية الحديثة، حيث جاءت كل قصائده تنتمي إلى الشعر النثري الذي يتميز بوحدة عضوية متماسكة رغم طوله، عكس ما تعودنا عليه في شعر العصر التكنولوجي الذي يتميز ببنية قصيرة متشذرة ومعاني مبهمة رغم ما يتصف به من جرأة وحرية في التعبير .

فقصائد، أحمد حيدة،  تلامس الذات فتحيلنا على الأسلوب الرومانسي الشفاف، وتلامس الواقع فينزف قلم الشاعر مع مواضيع عديدة تهم كل شرائح المجتمع وكل قضايا الوطن العربي والكون بصفة عامة، يجعل من المرأة أيقونته الرئيسية، فمن خلال التغزل بجمالها وبعشقها يمرر أفكاره المبطنة للقارئ، فنصوص الشاعر تخاطب قارئا بسيطا يتذوق الكلمة الباذخة  فيتلذذ بجمالية الأسلوب ودفق العبارات والصور والأوصاف  ولكن القارئ الذكي سيصاب بدهشة كبيرة وهو يفك شفرات المعاني، وذلك أعتبره شيئا طبيعيا لدى محام خبر الحياة بكل مشاكلها ومآسيها ومفارقاتها.

يقول في قصيدة " ورد العشاء الأخير للقمر" ص 13-14

أشهد أيها القمر

المنير ...

أن عشاءنا الأخير

كان على ضوء

نور فؤادي

العاشق

وسواد عينيها المثير

...

ازدانت هامة الليل

...

وغنى الكون الصامت

لحن الجنائز

الشهير

...

تاه وارد العين

الحسير

يحكي بحمد

...

عن سوء العذاب

...

قتلاها من الناس

كثير

...

هذا الليل الذي

يحملني الآهات

ويرميني بالدناءات

مكير...

إن القصيدة تجسد تناقضات الواقع وبشاعته، يوظف الظواهر الطبيعية من ليل وشمس ونجوم وقمر ... لرموز دالة عن مآسي المجتمع، فيجسد صورا قاتمة عن الظلم والقهر والاستبداد .

أما قصيدة رقصة المطر ص 37-38-39 فيقول فيها:

قبلة السماء للأرض

وملائكة يتراقصون

ورسائل مقدسة

...

بعضه دمع

أطفال ينتحبون

وبعضه وجع

...

في اللوح العتيق

هذه نفخة الرب

...

ليشرق الناس

ويزهر الربيع

...

حلم صبية الكهف

حين أوردوا

واردهم

...

حين لم يعصم

الجبل

من آواه

وخاب كل

جبار عنيد

...

تعالي

وما يدريك

عل الربيع

يكون من شفتيك

أو من عيوني

يوظف التناص مع الكتب السماوية، فتأتي الألفاظ مشبعة بالقاموس الديني، (قبلة السماء والأرض، ملائكة، رسائل مقدسة، المكتوب، اللوح العتيق، نفخة الرب، صبية الكهف،...) هنا يصور الواقع العربي المزري، وخمول الشعوب العربية، واستبداد حكامه الذين استولوا على خيرات بلدانهم وتركوا الشعوب العربية للضياع والتخلف والفقر، ولكن الشاعر يحمل أملا كبيرا في تغيير الوضع .

ويستمر في وصف الثورات العربية ودائما متخذا المرأة جسرا للتعبير عن تذمره من الوضع العام في الشارع العربي فيقول في قصيدة

"امرأة الغواية "ص 52

...

ارسمي شفتيك

كما الأطفال

في كل الزوايا

...

فانا منبوذ في وطني

مجروح في بدني

ميت والقاتل زمني

حزين ومدمر

سيدتي

أما في قصيدتي " إني أموت " ص 83، 84، 85 و" ضياع"

ص 91،92 و93  فيظل يتغنى بعشقه للقصيد وكيف أنه عالمه الروحاني الخاص المسيج والذي من دونه  لا يجيد الانطلاق وحرية التعبير عن مكنوناته وذكرياته وفلسفته في الحياة، فهو يستلهم كنه الذات فيكتب مرارته وفرحه بحرقة تتوزع بين المنتاقضات العديدة يقول  في "إني أموت":

تسربلت ببياض

كأنها عابد في الحرم

وتحاملت على الكلام

وكأنها سنان

حروف الكلم

...

لا أستطيع الانفصال

عن هذا النغم

وفي قصيدة "وجع" ص 99، 100 أيضا يصور اندماجه مع الكلمة وانفعالاته وتظل ملامح المرأة (فم، شفتان، عيون،شعر، بسمات ....) رموزا انزياحية ينفذ بواسطتها إلى أعماق ذاته وانفعالاته اللاشعورية لتصبح صورة الأنثى الجميلة مفارقة صارخة تعبر عن الذكريات البئيسة والألم والحزن  كما نجد في قصيدة "ضياع":

اقسم بصوت الضحكة الأولى

....

وبلمح الدمع

....

هذه كأسي سيدتي

عليها بعض من حمرة شفتيك

وخصلة شعر لازالت تشهد

أن المدى

....

وكان البريق في عينيك

يصيبني بالعمى

...

وأكتفي فيك بالخضوع لقدري

...

نلاحظ أن بنية القصائد ارتكزت على الجمل الفعلية القصيرة وانعدام علامات الترقيم ولكن انسياب الألفاظ وأدوات الربط الكثيرة جعلت من كل سطر مكمل لما بعده  فجاء الإيقاع يحمل ريثما موزونا وسريعا، وبهذا تحقق التناغم والانسجام، رغم أن بعض الأسطر تتكون من كلمة واحدة فقط.

"وقد حدد النقاد مفهوم الوحدة العضوية والمقصود بها بأن تكون القصيدة بنية حية تامة الخلق والتكوين، كما هي بناء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وهي وإن كانت تنقسم إلى أبيات إلا أن كل بيت خاضع لما قبله، لا تحجزه عنه خنادق ولا ممرات، ليست القصيدة خواطر مبعثرة، وهي مزيج مركب من حقائق وجدانية وعقلية لا تتباين وإنما تتآلف وتتحدد يجذبها بعضها إلى بعض، إنها ذات عناصر مترابطة متداخلة، وإحساسات يأخذ بعضها برقاب بعض"1

 

بقلم الأستاذة نجية جنة

 

.........................

الهوامش : ديوان "ولادة"، مطبعة النجاح سنة 2013 ص: 13-14-37-38-39-52-83-84-85-91-92-93-99-100

1 شوقي ضيف، في النقد الأدبي، م س، ص: 153

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2447 المصادف: 2013-05-18 12:32:40