المثقف - قراءات نقدية

قراءة في (يوميات وادي البقر) للأستاذ أنيس السعيدي

hekmat mahdijabarقرأت ماكتبه الأستاذ أنيس عدة مرات، فوجدت أن هناك نكهة خاصة على الرغم مما قد يجد البعض فيها من بساطة. ينتمي النص الى سردية حكائية بمقاربات تتساوق الى حد ما مع ألأسلوب التراثي قصص الف ليلة وليلة.وبين الحداثة التي تتناول الترميز والتورية والتشفير..

ان طبيعة التناول تدعوننا لأن نقول ان السعيدي حاول وقد نجح الى حد كبير أن يضمن فضاءه القصصي رغم صغر مساحة العمل في القصة القصيرة (أن كان يعتبرها قصة قصيرة) أن يضمنه مدلولات رمزية بأعتبارها اقوى الأدوات المجازية في التعبير الفني.لأنه ضم مابين سطوره أيحاءات وعلامات جعلتنا أن نسيح في النص مستمتعين تغمرنا اللطافة والطرافة وكأننا نقرأ من قصص الف ليلة وليلة حوادث ووقائع سردت بطريقة لاتخلو من كوميديا مشوبة بالمأساة.

لقد وجدنا متعة في بعض العبارات المرمزة والمعَلَمة. والكاتب وهو يبني عمله القصصي قد نجح في أحداث علاقات بين أطراف وعناصر السرد عبر تضمينات جعل كل واحد منها مقتبسا أو متضمنا لدلالات الآخر.منها ماتضمن دلالات بعيدة تتوارى خلف النص لكنها سهلة على القاريء والمتلقي بسبب لطافة الأسلوب وبساطة السرد والتناول.ومنها قريبة لم تفقد لمعان قدرتها التعبيرية الفنية.

وأنت تقرأ ذلك المنجز الحكائي الجميل البسيط السهل الممتع.كأنك تشعر بأيقاع متناسق عبر تقنية حكائية خاصة بالكاتب تتجسد كلها في ذلك النص خالقة إيحاء للقاريء  وإن ثمة سردية تنسب اليه من خلال  القصة التي تروي تلك الحكاية.

ومع قلة شخصيات القصة (الحكاية) التي تتطلبها شروط القصة القصيرة والتي لاتتجاوز شخصية (حمدان) و(الزعيم) و(مرافقه) فأن  حوارات  بين شخصيات الحكاية امتلأت بالدلالات والمعاني. بطريقة مرة مسرحية ومرة فلسفية ومرة سياسية ومرة أستهجانية مستخفة بغرور الزعيم، مثلما قالت الدكتورة رباب سالم التي وجدنا لها رأيا جميلا مرفقا بالنص الحكائي.

قصة (وادي البقر) (حكاية) من زمن الطغيان.التي ظلم فيها الزمن أولئك المنحدرون من بطن التاريخ البعيد.والتي صار فيها الرعاع زعماء.والمثقفون ينوءون تحت وطأة الترقب والترصد.تشرب أولئك الهمجيون بسرعة بأبهة الملوك فاستهتروا بحياة الناس وأستخفوا بالأنسانية. استحضرها أنيس  بمكانها وتخيل الزمان الواقع فيه الحدث عندما ذكَّرنا بـ (الصالات ألرسمية الفخمة وأحتساء اقداح الشاي وتناول الفطور الصباحي) ساردا لنا قصة (حمدان الشاطر) ومحنته الكوميدية مع (الزعيم المفدى).حيث يقدمه (المرافق الأقدم) كـ (حكواتي ماهر) كما نعته بذلك (الزعيم).(يسرد الحكايات المسلية للزعماء)..

قدم لنا انيس صورة واقعية جعلتنا أن نستحضر أيام كنا نرى مرغمين احاديث ولقاءات (السيد الرئيس) من على شاشة التلفزيون كيف يتقدم اليه الناس وكيف كان يتقمص حركات وأيماءات شتى. ويبدو أن (حمدان المسكين) هذا قد تجذرت في ذاكرته تلك الصور وهو يدخل (على فخامة الزعيم غير مصدق أن قدميه تحملاه من شدة الرهبة) وقد (أدى التحية العسكرية مثل أي جندي أمضى في سلك المشاة سنينا طويلة).

كان الوصف من الدقة بحيث جعلنا نرى صورة حقيقية لملامح شخصيات القصة (الحكاية). (أنفرجت شفتا الزعيم المفدى عن نصف أبتسامة دليلا أن تلك التحية كانت بالمستوى المطلوب) وهي طريقة الزعيم عندما كان يلوي زوايا شفتيه عندما يتصنع ابتسامة. وتلك التفصيلات لم تمل القاريء ولم تشعره بالتكرار والرتابة بل أستدرجته نحو الأستغراق في كل المشاهد اللاحقة بشوق وترقب على طريقة اللقطة المثيرة.

لقد كسب (حمدان)عطف القاريء (المشاهد) وأرتبط معه بلاشعور افصحت عن قدرة الكاتب التعبيرية (التصويرية) عندما حمله (الزعيم) (مسؤولية وشرف المهمة) وتهديده بالأعدام (اذا تبين أن حكاياته سمجة ممجوجة سخيفة) حيث يشعر القاريء(المشاهد) بوقع كلام الزعيم (على رأس حمدان كالصاعقة) الذي اضطربت أحواله و(كاد أن يسقط من شدة الصدمة وهول المفاجأة).لاسيما عندما اعتبر الزعيم هذا الحال كـ (جريمة وخيانة عظمى) لأن (حمدان المسكين) سرق منه وقته الثمين الذي (سيمضيه في خدمة شعبه العظيم).

وبعد مشاهد دراماتيكية مثيرة من خلال المأزق الذي مر به (حمدان) في صالة القصر، وبعد أستعانته بالسماء وقراءة ما يحفظ من كلام الله.تعهد بأن يسلي السيد القائد وهو ليس بـ (حمدان الشاطر) أن لم يفعل ذلك؟!!

وعندما (أحس حمدان ببعض الطمأنينة المزيفة) رغم تلعثمه وأضطرابه وتناوله شربة ماء بأمر من (الزعيم المفدى) وبعد ألأيعازله بالكلام، انطلق متحدثا ليسرد له حكاية أراد أن يقدمها لنا الكاتب على طريقة حكايات الف ليلة وليلة .. (بلغني أيها الزعيم المفدى أنه ..) التي تضمنت نص يتوارى خلف حقيقة ماوقع للعراق في تلك الليلة التي وظف فيها الشخصية الأسطورية البغدادية (علاء الدين) لتحكي حكاية المأساة والمحنة التي حلت بالعراق. عبر توظيف جميل لحدث مسرود في هذه القصة (يوميات وادي البقر) الذي جاء على لسان الشخصيات (حمدان والزعيم) أعتمد فيها الكاتب مجموعة تقنيات عملت منفردة و مجتمعة، في إيقاع حكائي عن طريق السرد، من خلال استثمار الإمكانات السردية له والتي جعل منها أسلوبا قريباً من (التمثيل) والمشاهدة.مع انه قد عنونها بـ (اليوميات) التي ربما اراد من خلالها ان يقدم التعبيرالتصويري بجزئياته وتفاصيله التي عاشها نموذجه القصصي في أيامه التي امتلأت بالقلق والرعب والخوف من عيون السلطان وأبهة الحاكمين.

في صفحة واحدة، سبقت النص الحكائي، وجدنا ان هناك مايشبه المقدمة النقدية.أوضح لنا فيها الاستاذ أنيس اعترافا صريحا في أن الشعب العراقي (شعب متخصص في صناعة الطغاة، ومتفننون في خلق مناخات الأستبداد لأي حاكم مهما كان ضعيفا أو جبانا). حتى ان تطورات التاريخ وتقلباته (لم يكن شعب العراق طرفا رئيسيا في أكثرها) انما كان يصنع الحاكم المستبد ويعظمه ويبجله ويهتف له حتى ينقلب ذاك الحاكم عليه.وأمور أخرى طرحها الاستاذ الكاتب ربما أراد فيها أن يعبر عن وجهة نظره الخاصة.

ولاأدري هل كان الاستاذ أنيس السعيدي، يعزوا أن ام ما حدث للبلاد من فوضى وخراب طولا وعرضا شرقا وغربا أنما هو من صناعة الشعب لطغاته؟؟؟      

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2456 المصادف: 2013-05-27 01:44:00