المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ديوان: لو تنصت العصافير للبشر

على بساط الأطلسي يفترش الرمل أحلام العصافير وأمنيات العشب الوليد، وضحات البحر العذراء توقظ عبير أيامنا لينتشر شذا العمر بين طيات الوقت

في هذه البيئة الطبيعية الخلابة على ضفاف الأطلسي بالمغرب الحبيب نشأ الشاعر " لحسن عايي"وفي هذه الأجواء الساحرة حيث تحتض التلال دموع البحر وصهيل الأطلسي يسبر أغوار النفس، في مدينة الرشيدية في الجنوب الشرقي على بعد ساعة من مدينة فاس  سيدة التراث والثقافة،وحاضنة حضارة الأولين، هذه البنايات الزرقاء والبيضاء، ذاك التراث العريق من الأمازيغية الضاربة في العمق إلى العروبة سيدة العرش والجمال يتحفنا هذا الشاعر الراقي 

 بمولوده الجديد "لو تنصت العاصفير للبشر" حيث الكلمات تعانق جميل المعاني، تعتكف في نور المحبة، يأتينا هذا الديوان بخلاصة تجربة الشاعر في الشعر المعاصر، ليس بمستغربا أن يخرج هذا الديوان في ثوبه المبهج والوقور في ذات الآن، روح التجديد في القصيدة، العذوبة الرقراقة كأننا أمام جدول عذب يروي ظمأ النفس، كأنها وصايا الطبيعة للمخلوقات، ترتبط معظم قصائد الديوان  بالطبيعة وحياة الفطرة الشفافة التي تمر كفراشات صيفية تمتص رحيقها من أحزان أعيننا وتنشر شذا أحلامنا لعلها تكون رهينة التحقيق، يغمرنا الديوان من الوهلة الأولى بهذا الشعور العميق، ليس بمستغرب على شاعرببقدره أن يولد من بين أنامله هذا الديوان للشاعر " لحسن عايي"ولد  بمدينة الريصاني بإقليم الرشيدية في : 14/03/1958 درس بمدن مغربية عديدة حيث كان والده  يتنقل باستمرار وذلك لطبيعة عمله، فدرس بالريصاني في الجنوب الشرقي للمغرب ثم بمدينة فاس العاصمة العلمية وانتقل والده إلى الاطلس بمدينة بولمان،ثم تنغير ثم الرشيدية، ومدينة ارفود  وتلقى تعليمه الثانوي بمدينة كولميمة والعودة الى الرشيدية ليجتاز البكلوريا سنة 1980 والتحاقه بمدرسة المعلمين في الموسم 1980/1981 وتخرج استاذا بالتعليم الابتدائي وقضيت فيه 25 سنة عمل ليتلحق فيما بعد بعمل بنيابة التعليم بالرشيدية حيث اشتغل بمصلحة تدبير الحياة المدرسية

في ديوانه الذي يعانق سحرالكلمات بأوراق الزيزفون.

 "    أضحت يتيمة في زمن العولمة لينسج وشاحا انثويا بامتياز

ينضح بالعشق والامل. وعلى اغصان الحياة ينثر دررا

تعبق بنشوة الدنيا فيصوغ ومضات مكتنزة المعاني تساير

سرعة العالم المعاصر. يتماهى الشاعر والقصيد ليسائل

نفسه عن جدوى الوجود. ورغم رهافة حس الشاعر المفعم

بشذى الرومانسية الا ان مشاعره تجيش في ضيعة الوطن

حين تغتصب الطفولة وتراق دماؤها في عرين الاسد فهو يذكر الطفل مزة الخطيب اول طفل يستشهد في سوريا الجريحة بنيران الإثم، لعل حمزة يرقد بأمان، يزف عروش الشهداء من أقرانه الأطفال،الشهداء تصعد أرواحهم العذراء

 

  .حمزة يا برعم الصباح

في ضيعة الوطن

نزلت على مهدك

تتمطق طعم الليمون

تقتات من مشاوير

عاليا تلهو مع العصافير

تعدو...تتعب

تتعلم

تخطئ...تصيب

قلبك المرح

يضخ ما يرجى من أمل

شرايين طفولتك

جذور تمضي في جذع الحياة

ما أجمل أن تعود

مساء إلى البيت

مرددا أنشودة «أمي »

فتهب إليك

وفي يدها كسرة خبز

بعبق الأمومة

يدك بيدها

تمد الوصال

وتسكب فيك

الوصايا من عيونها

 

***

حمزة,

أرضك الخرقاء...تخضبت ...

واعتصرت ما بداخلها

من دماء بريئة

انتزع الذئاب

ما ظهر من براعم

وما بطن

فنم يا حمزة الخطيب

بين المهد واللحد

لن تموت أبدا

ستحيا في ضيعة الوطن

وستلفظ الارض

كل الذئاب

ــــ

بهذه الروح الجميلة الأثيرة  يأخذنا لحسن لعوالمه الشفافة، كأنه يضع قواعد لتذوق الكون، للحب، للماء، للقمر، يظهر ذاك جليا في عناوين قصائده فهذه قصيدته

لن أخذلك يا ماء

يقول"

لكم بحثت

عنك في نفسي

 في كل شيء عذب،

في عشقي،

وعلى رموش الشجر

أخطو إليك بصحرائي،

بجذع يمشي

حفيف الرمل يستجدي

فيروز الدرر

أنت العناق

في زوايا دمعة شوقي،

 

***

ثم ينتقل إلى حبه الأكبر ومدينة أحلامه فاس

أمس تجوب

لكنة الشفق

في جنان ليلة أبهى،

عزف الفضة و الماء

يسكب

الفجر

أمداحا شجية بنبض الروح،

أصداح

فسيفساء وأقواس سامقة

تصافح الخطى يردد وقعها

سنونو السماء،

شهيق

أجساد أدرعها شموع

هكذا يتمازج السحر بالصوفية بالجمال الأثري فيحدث حالة من الدهشة للروح

 

***

أما في الحب فهو يكشف عن لغة جديدة وكأن محبوبته خلقت له وحده ونجد ذاك الإصرار حين يسمي قصيدته لن أسحب من عينيكِ فيقول

 

أنت جناحاي...

تأخذينني نحو ما لا أ عرف...

فكلما تهاوت منك ريشة،

هددني السقوط من السماء..

فأتمسك بما تخطه الريشة من رعشة،

وكلما أغمضت جفون لحظتي،

حملني نبضك إلى أعلا...

وأهمس في عنق الغسق

ساكنا بثغر الهزيع ..

أقتفي اثر أضلعي فيكِ

*** هذه اللغة الشفافة العذبة وتلك الفلسفة للحب

يعانق الأمل بلغته الرقيقة حين يقول"

خذ الفرشاة

انثر بسمتك...وأصبغ الحياة

شكل بورتريه لنا جميعا

على محيى الأيام .

ما أجمل أن نمضي سويا

لاستكمال ما بدأناه.

تمتح الفرشاة

من شراييننا

 

***

بنوع من الهروب الجميل يعانق ضوء حلم خافٍ في النفس

 

أحلق عاليا كالحمام ثم أعود لأفرد جناحي بين يديك وأحكي

على شهقة الكلمات شيئا من همس النجوم

والذي يميز الديوان أنه مزيج بين الومضات والقصائد التي تترواح بين القصير والمتوسط الطول

من الومضات التي تتحرر من القيود

سأكتب شعرا بدون رابطة عنق"

وكلماتي ستستحم في رضاب حيرتك"

****

هذه بعضا من كل همس من بحر فيض يحمل الجمال بطياته يأتي الديوان في 108 صفحة من القطع المتوسط 

صدر مدشنا لسنة 2013 في أول احتفال معلن للسنة الامازيغية 2962 يحوي ما يناهز 25 قصيدة ركيزتها نمط الشعر الحر با لدرجة الاولى، قراءة ممتعة لمن يواتيه الحظ لقراءة الديوان

 

" رونا صبري"  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2477 المصادف: 2013-06-17 00:43:33