المثقف - قراءات نقدية

مؤامرة الكتابة وكتابة المؤامرة في مجموعة "خاتم في مياه بعيدة" للقاصة بسمة النسور

hamid irgadaاستأثرت مجموعة "خاتم في مياه بعيدة " للقاصة بسمة النسور بتناول العديد من القضايا الشائكة، لعل أبرزها كانت الكتابة، حيث تناولت اشكالاتها المختلفة ضمن قالب  " الق ق ج". باعتبارها جنسا منفلتا، وعنيدا وصعبا، نحيفا حد الضمور . لقد لا حظنا تنوع الاشتغال المفعم بشعرية كبيرة، ارتكز على التناص والمتقابلات الضدية والاستيراد المفاهيمي. ناهيك عن توظيف الكتابة الشذرية، والتكسير الأجناسي . كما رصدت القاصة واقع الأنثى في محاولة لمقاربة النوع الاجتماعي، والتنديد بالعنف ضد النساء من طرف الذكور، مع طرح إشكال صراع الأجيال، والغيرة .إضافة إلى الاشتغال على ثنائية الحب والخيانة،  وسؤال العلاقة الجنسية المضمر .

إن الانفتاح على تقنيات الكتابة وتوظيفها سيتجاوز البناء الكلاسيكي للقصة،  من خلال الارتكاز على الحلم ودلالته، ومعيقاته، وصولا إلى طرح قضايا من قبيل انشطار الشخصية، والخوف من الشيخوخة، والخبل والجنون . وهو ما أبرز نوعا من اغتراب الذات في زمن التواصل السريع .

مجموعة أبرزت اشتغالا مخالفا، ونفحت القصة القصيرة جدا بمادة دسمة، ومفارقات لافتة، فما هي أهم مرتكزاتها الابداعية والجمالية ؟ وبأية خلفية كتبت؟

وللإشارة فالمجموعة من الحجم المتوسط،  صادرة عن دار التنوخي بالرباط،المغرب سنة 2009، لوحة الغلاف من إنجاز الفنان بنيونس عميروش، مع تقديم للقاص أنيس الرافعي، وعدد نصوصها تسعة وخمسون نصا قصصيا قصيرا جدا  .

 

1) الكتابة

تميزت نصوص المجموعة بكتابة اعتمدت البناء المتوازي لحدثين، انطلاقا من زاوية رصد واحدة، باستعمال الفعل المضارع كمرتكز للدلالة على طراوة الحدث الملتقط، ومن خلال مقارنة قد تبدو للقارئ عادية،  لكنها في الواقع تؤسس لبناء نصوص بنواة واحدة مركزها ذات السارد،تدور احداثها في الشارع العام، لكن ارتدادها كان في الأعماق . كتابة عكست مرآة الذات المنزوية في تحديقها المركز، وتفسيراتها وتأملاتها، ومقارناتها الدالة على قلق وجودي حقيقي داخلي،  نتيجة تفاعل الأنا مع المحيط، دون إدراك الآخرين للمتغيرات، والنتائج  أو الأسباب .

 اتسمت العناوين بخاصية استيرادها، من مجال دلالي مختلف، لكن توظيفها  نفح النصوص بمسحة جديدة حافظت على ايقاعها،  ومضامينها،  ودلالتها . نلمس هذا التوظيف من خلال مقارنة العنوان بمضمون النص.  يقول السارد " قالت العاشقة لصديقاتها ..مطر الليلة الفائتة كان من أجلي فقط، أما بهجة الأشجار بتلك الزخات فقد كانت تحصيل حاصل " نص احتكار ص  32 .

هكذا تؤكد القاصة بسمة النسور حضورها الابداعي وقدرتها البلاغية وهي تنقل وقائع منفلتة من حياة امرأة ربما منبوذة، أو مجنونة، لكنها تصدح بحكمة من سبقوا ، تحمل معاناة الإنسانية، وتتذكر بحزن مفارقاتها، يقول السارد " يوما ما سيفتقدون كل هذا ... يوما ما كانوا يمتلكون كل هذا ..يواصل المارة طريقهم غير عابئين بما يدور في رأس تلك المرأة " .

كما أن الاشتغال على التناص القصصي،  وبالخصوص قصص الأطفال،  سيفتح القصة القصيرة جدا على أفاق رحبة ، ودخول عوالم غير مسبوقة، لكون اهتمام  الكتاب في هذا الجنس انصب على الأنسنة، والتكسير الأجناسي للأنواع الأدبية : الرواية،  القصة القصيرة، الأسطورة، المسرحية ،  والقصيدة ،  الملحمة ...وعلى مجالات الفنون التعبيرية كاللوحة ، والصورة ....وهذا ما يجعل هذا الاشتغال محاولة لإعادة بناء مفاهيم جديدة، واستلهام أشكال تعبيرية  أخرى بطرق أكثر جدة .يقول الناقد جاسم خلف إلياس حول التناص " تقنية تشترك فيها الأنواع الأدبية وتختلف تبعا لاختلاف الأنواع ذاتها، ففي القصة القصيرة جدا يستخدمها القاص لأنها تبيح له (حرية في الحركة أو القول لا يتاحان له تماما خارج التناص) فضلا عن البعد العلامي الذي ينحرف بالنص عن مساره الاخباري إلى وظيفة جمالية." (2)

فتضمين حكاية "ذات الرداء الأحمر" وقلب مضامينها ، يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في قصص الأطفال، وقراءتها بشكل مغاير من أجل الكبار،  لإبراز ما تخفيه دلالة الاشياء  المتوارية بين المعنى،  والشكل ، واللون،  فالحكاية لا ولاء لها،  ولا وطن .

إنها نصوص تحاول من خلال التناص إبراز جمالية القبح كما هو الأمر في نص " نداء وقلب أدوار الجمال،  والقبح والفضيلة، والخيانة، لأننا نبحث عن نقائص الجمال، ولا نبحث  عن جمالية القبح .  وسنلمس أمرا مماثلا في نص نوم  الذي يتناص مع قصة " الجميلة النائمة " لنجد أن تبريرات السارد ستجد تعليلاتها في تقنية القلب ودحض الثوابت، لادعاءات قابلة للنقاش، وبالتالي بؤس الحكاية التي عمرت بمدلولاتها وأحداثها لأحقاب طويلة .

هكذا تعمل الكاتبة من خلال ساردها على وضع النصوص على محك النقد،  ليتم هدمها ، وإعادة بناء معالمها المغيبة من جديد، وبالتالي درء الصفة اللصيقة تاريخيا بالشخوص التقليدية بالإكراه،  إلى مجالات، ومفاهيم جديدة، بعيدا عن " الساحرة الشرير " التي حسب السارد " لم تكن سوى امرأة مذعورة من هجمة السنين "  . وهي إشارات قوية لخلخلة توابث الحكاية ذاتها من خلال تحويلها إلى نصوص مفتوحة، بمواصفات " الق ق ج " وضمن قالب زئبقي مثير للجدل .تقول الناقد سعاد مسكين " " إن لغة القصة القصيرة جدا لغة مكثفة ومبسترة لا تقبل الزخرفة ولا الثرثرة توحي أكثر مما تحيل، هي لعوب حمالة اوجه، تغري القارئ بتوريتها الدلالية، تقول القليل وتعني الكثير سكوتها حكمة وصمتها عدم الرضى عن المعنى المطروح أرضا .(3)

لقد عملت القاصة على الاشتغال على التكسير الأجناسي والقلب الحكائي من المتناص القصصي الخاص بالأطفال بالارتكاز على توظيف  خاص بالحكاية كما في نص ( التباس ص 60 ) و  والقصص القرآني في نص بطالة 61، والرواية في نص شهية ص 62 ،  والأسطورة ( كيوبيد ص 63  والمسرح العبثي في نص تناص ص 69 ، تناص يبرز من خلال أسماء  كالغولة، إبليس، دراكولا، كيوبيد، غودو وبكيت، وهو ما يبرز نوعا من التشكيل القصصي الهادف إلى فتح النصوص،  على ممكنات جديدة،  وأفاق رحبة .

في حين نلمس تماسا مع شعرية الق ق ج، من خلال التشكيل الفضائي، والبناء الدارمي،  وتوظيف اللغة الشعرية كما في نص " الانتظار ص 18 في محاولة لإبراز مكنون الذات العاشقة الممزقة، وألمها الكبير في مواجهة وطأة الانتظار، والنسيان. وقد لاحظنا تداع العديد من الصور التي عرت عن نفسية البطلة،  وهي تكبح مشاعرها للدخول في حياد مع الزمن . يقول السارد " خبأت العاشقة الألق الساكن في عينيها، والضحكات المتوارية في أعماقها..ألقت بذلك كله في زاوية سحيقة من روحها، وراحت في سبات طويل ..العاشقة أتاحت لجثثها الحراك وسط الجموع ، غير المنتبهين إلى لوعة الانتظار "

إن هذا الاشتغال العميق يبرز تداخلا أجناسيا حد التماهي وتكسير في ذات الوقت لأجناس أخرى،  لكنها تنحى للحفاظ على مقومات  "الق ق ج  "،  وشعريتها البليغة . يقول السارد في نص " ترويدة " :

حين توشك شمسك على البزوغ

تكون شمسي قد غفت في حضن الغياب

كيف نضبط الأزمنة يا صغيرتي ؟

كما تتماس بعض نصوص المجموعة مع الشذرة في اشراقها وتوهجها إلى حدود التأمل الفلسفي أو الحكمة . نصوص ضامرة لكنها مفعمة بسؤال مفاجئ مفتوح على تعجب واستفهام أو دهشة . كما هو الأمر في كل من النصوص التالية : مأزق ص 46، ترويدة ص 47، غياب ص 43، أحلام ص 38، صراع ص 17، أدوار ص 30، وعسل ص 48 .

تبرز العلاقات الانسانية  أكثر تعقيدا،  فوقائعها تنجلي من خلال نصوص ضامرة،  وشائكة مفتوحة على بياض رهيب، وصمت مطبق . نصوص بقدر ما يلازمها التناص ويضحى أس بنائها،  تنهل من الاشتقاق اللغوي للكلمة الواحدة للدلالة على حياتها،  وتشييدها المبني على لعب مختلف، وتناول ملغوم .اعتمادا على تنوع أسلوبي،  وتشيد درامي،  في نصوص اتخذت لها أوجهها عديدة،  ومسارات جديدة،  لضخ دماء في شرايين النص الضامر . فاستعمال ضمير المخاطب بعد استئثار العديد من النصوص بضمير الغائب،  ومسخ هوية الشخوص،  سينفح نص نكران " ص 29  مثلا حلة جديدة مخالفة لما اعتدناه، هذا الأسلوب الموغل في الريبة،  والشك،  والنفي . لا يحدث إلا عن مسار تنويري في الكتابة،  بجنوحها نحو تجديد النص داخل العيار القصصي،  وقالب الكتابة . فضمير المخاطب بقدر ما يخلق أجواء الحياد الذاتي،  يبرز تورط الكاتب من خلال تحريك شخوصه فوق رقعة شطرنج كبيادق مؤهلة بامتياز لحتف وشيك . استمرارا للعبة واحدة يحكمها عامل الترقب،  أو المباغتة .

إنها مؤامرة الكتابة وكتابة المؤامرة الهادفة لتبئير  الحدث، للدفع بالشخوص نحو نهاية ماكرة، فرضها ايقاع النص الذي غابت فيه العاطفة،  وانتصرت فيه الهواجس والحسابات،  على القيم الأخلاقية الفاضلة" فالقصة القصيرة   حسب الناقد جميل حمداوي "تهدف ...إلى إيصال رسائل مشفرة بالانتقادات الكاريكاتورية الساخرة الطافحة بالواقعية الدرامية المتأزمة إلى الانسان العربي ومجتمعه الذي يعج بالمتناقضات والتفاوت الاجتماعي ..فتجعله يتلذذ والخيبة والهزيمة والفقر وتآكل الذات " (4).يقول السارد "

لم تستقل السيارة المتوجهة إلى المطار  . لم أتشبث بك في محاولة أخيرة لاستبقائك . لم أهمس باستسلام سوف أنتظرك . لم تقل وداعا، لم تلوح لي من بعيد . وأنا لم أعد أدراجي وحيدة " ص 29 .

 

2) الحب والخيانة وسؤال الجنس

 إن الايحاء الجنسي ، والاستعارة ، بقدر ما أدخلت النص في مسار التلغيز، منحاه حياة جديدة،  ونفحاه بقوة الانتصار والانتشاء .فالمبدعة بسمة النسور رامت اللعب كذلك على المتقابلات الضدية بحثا عن معنى ساخر،  بقدر ما أبرز  بشاعة اللحظة وجسامتها،  أعلنت عن حمق، وجنون شخوص يتشبثون بحبال واهية،  وهم في مسارهم نحو الحتف . كما تبرز كل من النصوص " إصرار ص 25 / وفتنة ص 26 / وجمال ص 27 /، رغية جامحة لدرء التشوه الخلقي،  وفظاعة الاحساس به . يقول السارد " في نص جمال " كانت أناقة بيته حديث المدينة . سافر إلى أجمل الأماكن، ارتبط بأغنى النساء .توفه بأرقى العبارات ...غير أن الرجل القبيح ظل قبيحا "

فالحب  يبدو كوعاء مثالي لكل المتناقضات،   أمر نلمسه من خلال سلوك الشخوص  الغريب في ميزان العقل كعامل سلبي، لكنه في الواقع ينتج عن مقدرة استثنائية معبرة على الدهاء ، والتخطيط . وهذا التناقض هو ما جعل بطل نص " بعثرة " ص 16 يقسم روحه بدقة لنيل رضا الجميع، كن في الواقع كان يعمل على بعثرة كل موازينه، عندما استثأتر به الحب،  واستبد به إلى حدود قصوى من التلاشي، تبعثر،  تمكنت سيدة واحدة من جمع أشلائه .

 

3) ثنائية الحياة والموت

تعمل الكاتبة على بناء نصوص بمفارقات غريبة بين الدال والمدلول، الحياة والموت . وهما يلفان ذات أحد شخوص قصصها . بحيث تلجأ إلى الأنسنة لإبراز الصورة الرحيمة للموت في مواجهة صورة الحياة . وهذه الأنسنة جعلت الموت تبدو في صورة الأب،  أو الأم ، أو الحبيب  وهو يمسد خصلات شعر البطلة، وقد تملكه شعورا نبيلا  مناقضا للعادة . فانتظار الموت هو إعلان عن ولادة جديدة في حياة أخرى.. 

إن رصد اللحظة بقدر ما تضع احتمالات المكان في مخيلة البطلة استعدادا لانبعاث جديد،  بقدر ما يضمر ألم الموت وتحوله إلى لحظة نوم عادية، ، مفعمة بالحب والتفاني،    والإخلاص للغريزة الأبوية . فثنائية الحياة،  والموت،  تبرز من خلال نصوص المجموعة كأحد المرتكزات الأساسية في بناء لبناتها المنفتحة على الدهشة،  وهي تفتح قوسا ضمنيا مختلفا عما ألفناه في المنظومة الدينية، أو الغريزة الانسانية الرافضة للموت ، والمتشبثة بالحياة .

 

4) الاغتراب،  والغرابة، والانشطار

تبرز عزلة الكائن اغترابه الأشد وطأ على روحه، رغم ما يحققه من إنجازات شخصية وطموحات كبيرة .فالنجاح الذي تحققه بطل نص " اغتراب " ص 58 وحبها لفنها وإعجابها به  يبرز في ذات الان كرها لنفسها، ما يعري عم حقيقتها كإنسانة تعاني في صمت اغترابا،  وعزلة  . لكون الصورة التي تقدمها عن نفسها، هي مجرد قناع من شعر مستعار، ومساحيق تجميل ..لإبراز كينونتها كإنسانة عادية . هذه الصورة  المزيفة تدخلها في دوامة الحزن،  والقلق الأبدي .  يقول السارد " تحدق طويلا في المرآة، فلا تعثر على وجهها، لتكتشف أنها خلفته سهوا مع سائر الإكسسوارات ". لقد ارتبط مفهوم الغرابة في الماضي، بالصور والإشكال المتخيلة ...أما الآن فإن الغرابة هي ذلك الموضوع الذي يمكن أن يوجد – وعلى نحو متكرر- في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية ..فالغرابة في التصور المعاصر لها، تنتمي إلى فئة العادي وغير المألوف ..يتحول بفعل آلية  التكرار إلى نقيضه" (5)  فالإحساس بالنبذ بقدر ما ما يبرز انشطار الذات يطرح في الواقع إشكال الاغتراب والانفصام في مدلولهما الواسع . وهو أمر نلمسه في مواقف أخرى ونص آخر " كاغتراب ' ص 42 (نص له نفس  العنوان) بحيث يبرز السارد أن التكنولوجيا بقدر ما ساعدت على تقريب المسافات بين الأفراد ، خلقت عزلتهم الأشد ألما في تاريخ البشرية . هذه العزلة تبرز افتقاد الفرد لروحه ، وذاته،  وهوايته، وأهله. يقول السارد " كان ضجيجهم في تلك الغرفة المكتظة عاليا ..لكن كل ذلك كان يجري من خلال أجهزة الموبايل التي ..تبثها الحاضرون على آذانهم " ص 42 . وهي عزلة ستدفعنا للحديث عن إشكال الحرية ومفهومها في نص " أجنحة " ص 15 ما يكشف جنون بطل النص في نظر أصدقائه،  هو رفضه التمتع بامتيازات داخل السجن، لكن ذكاؤه الخارق، ورغبته في تحرير الذات داخليا  وكليا كسلوك للمقاومة داخل السجن رغم مخلفات العزلة من خلال التفكير في التحليق خارج الأسوار ."يقول الباحث عبد الله العروي " يفند هيغل بشدة مفهوم الحرية الوجدانية ...يقول في مستهل فلسفة القانون : ذلك أصل الصعوبة في هذا المضمار كون المرء يتأمل في ذاته ويبحث عن الحرية وعن قواعد الأخلاق، وهذا حق له تشريف ورباني، إلا أنه ينقلب إلى ظلم إذا أنكر كل شيء سوى ذاته ولم يشعر بالحيرة إلا عندما يبتعد عن قيم الجمهور ويتوهم أنه سيكتشف قيمة خاصة به "(6)

فالحرية اختيار،  ومنظور،  وسلوك،  ورؤية في مواجهة الأزمات الكبيرة  . يقول السارد " رفض محاولات الجميع ابداء التعاطف معه، مؤكدا أنه أكثر حرية من نسر طليق .... لأنه كان مستغرقا في رسم تلك الأجنحة المحلقة فوق جدران الزنزانة " ص 15

إلى جانب الاغتراب نلمس في نص تواطؤ " ص 24 أن الحب ملاذا للجنون، فالعلاقة تبقى مضمرة في الاعجاب والانجذاب والتلذذ بالأكاذيب التي رغم بهتانها تظل ميزة من الميزات التي تزيد من عامل الارتباط . فالبطلة ورغم نصائح صديقاتها ستعمل على الاستمرار في علاقتها بعشيقها الكذاب يقول السارد " غافلتهم جميعا،  ومضت إليه منتشية بتلك الأكاذيب التي واصل تريديها مرة ثانية " ص 24

 

4) صورة الأنثى محاولة لمقاربة النوع الاجتماعي

بقدر ما يتقلص حجم النص القصصي ومساحته، يتحول إلى شذرة مفعمة بالتأمل، لكن تحمل في طياتها حكما أبلغ من الكلام . فالمتأمل لنص " أدوار" ص 30 بقدر ما يضعه النص في خانة مفتوحة هي تعدد الاحتمالات تسحبه الرؤية أبعد من حدود المصرح به ، ضمن حوار قصير جدا . أبرز هوية ملتبسة  لعلاقة شخصين يجمعهما أكثر من رابط . لكن يفرق بينهما بون شاسع ، يحفر أخاديد تعمق المسافة بينهما . لكن أحد الأطراف ( المرأة) تعمل دوما على على رأبها للحاق به .

هكذا تبدو المرأة المنكسرة التابعة لسيدها،  مقيدة بقيود غير مرئية .  لا تتقن سوى لغة الغفران،  والصفح عن خطايا رجل لن يتوقف عن اقترافها . إن هذا الطرح بقدرما يضع مقاربة النوع الاجتماعي محط انتقاد ، يجعلها في ذات الوقت واقعا مقلقا ، مغلفا  بزيف يضمر لعبة كر،  وفر،  تحقق خلود الشخصية الذكورية باستمرار .

كما نلمس هذا الطرح من خلال نص آخر " قيد " ص 45 الذي يقدم المرأة المستباحة كرمز للقهر الاجتماعي منذ فجر التاريخ إلى اليوم، وهو يختزل ذلك في كلمات معدودة يقول السارد " مثقلة، مثخنة، مستباحة، ومخذولة، ورغم كل شيء، كان المطلوب منها أن تقيد العمر  الذي مضى ضد مجهول " يقول الناقد محمد رمصيص " إن كتابة مماثلة  تتوسل الجسد لنقل حرارة الباطن ودفء الأحشاء تكشف عن غنى وثراء إيحاءاته البا نية لتواصل رمزي غاية في العمق . فضلا عن كونها تسعف الجسد على استرداد قيمته المبخسة موازاة وإعلاء مكانة الروح بإعادة التساؤل حول خطية رغبة الجسد المرح ."(7)

إننا إزاء قصص تبرز شاعرية مفعمة بالحزن والأسى وبصوت الأنثى الخافت  المنكسر دوما  من جراء رد فعل ذكرى متمرد،على  الدوام  في الحب ، والحياة  . ففي نص " رنين" ص 28 بقدر ما نلمس دهشة النهاية العاصفة،  نعيش مع البطلة الصامتة لحظات تعنيف نفسي، وكلمات مصوبة نحو الروح  . وهي تهد ما تبقى من قلاع الاخلاص، مكالمة ستحول " امرأة مسبوكة بالشوق، إلى كومة أجراس معلقة في عنق الانتظار "

كما نلمس مدى الغيرة التي تلف ذات الأم وهي ترى شابا يتودد لابنتها . تودد بقدر ما يعيد للذاكرة ألم النسيان والتجاهل من طرف الزوج، يبرز طبيعة العلاقة الزوجية الخالية من كل مسحة حب واهتمام بشخصها . فالغيرة نابعة حسب السارد من ظروف الحياة الخاصة والحميمة التي أصبحت رتابتها أشد وطأ على الروح، ولا تكشف من جبل الجليد العائم سوى جزء بارزا

وهو إحساس نابع من الخوف من الشيخوخة الذي يضحى أحد هواجس المرآة، وهي تعمل جاهدة على أن تظل في سن معينة بعدما عملت في السابق على الخروج من شرنقة الطفولة والشباب مستعجلة زمنها الرتيب ليضحى الخوف من الذبول هاجسا محيرا ومقلقا  كما جاء في نصوص عديدة  "دورة " 39 / وصراع " 57 نصوص ستكشف صراع الأجيال عاطفيا من خلال ثنائية الطفولة والكهولة . وهو صراع يعكس حقيقة تصرف الأم كما في " اختلاس " ص وهي تقرأ الرسائل الوردة التي تدسها ابنتها تحت وسادتها متعقبة زمنا ولى في محاولة  بالقبض على آخر ظل منفلتا منها دون هوادة .

 

خاتمة

ليبقى السؤال مطروحا هل باستطاعة الحب أن يحوي جمعا من المتناقضات،  ضمن علاقة بقدر ما تبرز استحالتها،  تجعل من عامل الكينونة جوهرا منيرا،  لوحده قادر على من تحقيق تناسق أعنيته الخالدة ؟..متناقضات قد تبرز ضمن جوقة سيمفونية بآلاتها المختلفة ،  لكنها تعزف نفس النوطة،  ونفس اللحن  في تناسق تام، بإشارة من عصا المايسترو  الصغيرة  جدا .  ف"النص المجدد الذي يقتضي قراءة كفأة ومبدعة، يغير باستمرار الموضوع الجمالي الذي يناسبه في التاريخ . ففي كل مرة تظهر مقاربة نقدية جديدة . فهي تولد قراءة جديدة ...(.أو بحث يساهم بدوره) في التحول اللانهائي للمواضيع الجمالية المناسبة "(8)  فكتابة المبدعة بسمة النسور امتازت بجرأة عالية،  وقدرة رهيبة على تطويع محكيات قصصها المنفلتة من عقال زمن رهيب، وهي ترسم من خلال ملامح شخوصها،  أحلاما ، وانكسارات ، ومواقف تعري عن بؤس حقيقي، وإفلاس في منظومة القيم .فرصد الملامح بقدر ما أبرز حقيقة المشاعر،  عرى عن خبث،  وجبن كبيرين في غياب مواجهة ، وإفصاح عن مكنون الذات،  ورغباتها المكبوتة .

لقد استطاعت الكاتبة فتح مساحة لتحقيقه من خلال الانفتاح على عوالم الحلم باعتبارها عوالم عجائبية تمكن من الاحساس بالوجود والكينونة وإثبات الذات المحرومة وتمكينها من ملذاتها الهاربة  . فزمن الحلم  من خلال هذه النصوص ينشطر تلقائيا ليصبح أزمنة حلم،  ويقظة، بفتحه لكوة الغرابة الدالة على الممكن ، ضد المستحيل . وإلى الحضور بدل الغياب،   واستمرار في عتمة الانتظار المفعم بالترقب .

 

.....................

هوامش وإحالات

+ حميد ركاطة كاتب وناقد من المغرب

1) بسمة النسور "خاتم في مياه بعيدة " قصص قصيرة جدا دار التنوخي للنشر والتوزيع 2009 المغرب

2) جاسم خلف إلياس شعرية القصة القصيرة جدا ص 166 دراسة  دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع سوريا دمشق 2010

3) د سعاد مسكين القصة القصيرة جدا تصورات ومقاربات  ص 46 درسة دار التنوخي للنشر ط1 / 2011 

4) د جميل حمداوي القصة القصيرة جدا بالمغرب قراءة في المتون  ص 15 منشورات مقاربات  مجلة العلوم الانسانية الطبعة الاولى 2009 أسفي المغرب

5) شاكر عبد الحميد الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب ص 75 عالم المعرفة عدد 384 يناير 2012

6)  عبد الله العروي مفهوم الحرية ص 63 دار التنوير للطباعة والنشر المركز الثقافي العربي 1984

 7) محمد  رمصيص أسئلة القصة القصيرة بالمغرب مقاربات موضوعاتية ص 98، ط 1 طوب بريس سنة 2007 المغرب

8) بيير زيما سوسيولوجية النص بين الانتاج والتلقي ترجمة د عبد الحق بتكمنتي  مراجعة د أحمد الدويري ص 70  مطبعة أنفو برانت فاس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2503 المصادف: 2013-07-13 13:12:47