المثقف - قراءات نقدية

ماجد الغرباوي و "مديات حلم"

abdulsattar nooraliتوغّلْ .. توغّلْ

فلذيذُ الطعنات

آلامُها


 

 

يتكرر هذا البوح بالألم، في قصيدة الباحث الأديب ماجد الغرباوي "مديات حلم". هذا التكرارُ خلاصةُ الجرح فيه، جسداً وروحاً. إنّه بيت القصيد، الذي يدور في دوامته النصّ. هو المخاضُ الذي وُلدَ من رحمه ما يحمل مضمونه من أحاسيس، وتفاصيل، وصور:

آهاتٌ تساقطتْ،

فراحتْ تـُلملم جـُرحَها،

ولمّا اقتحمت فناءكم،

كان عليَّ أن اعتذر لكم جميعا

 

هي الآهات إذن، الآهاتُ التي تساقطتْ، وهي تلملم جرحَها. جرحٌ أمطرَ في فنائنا هذا الشدو الشجيِّ، الموغلَ في عمق النفس المبدعة، لتمطرَنا بهذا البوح. إنّه القلب المضمّخ بالألم. الألم الذي يرفع الكلمة اضاءةً لما في داخل النفسِ من كلامٍ، يحمله الكاتبُ ليمرّ علينا بقنديلهِ، معتذراً لما قد يسيلُ من أنامله ما يقتحمُ قلوبنا جُرحاً فنتألم. مع أنّهُ ألم لذيذ نحتسيه. وهو الغرباوي المتوغل عميقاً. فيمَ يا تُرى؟:

 

في مدياتك القصية حلمٌ

شاسعان جناحاك

حلِّقْ ...

فلن تجدَ سوى الريح موطئا

 

هو الحلم. والتوغل ليس في عمق الأسفل، إنما هو في شاسعات الأعالي .. هناك حيث أقاصي الفضاء الرحب. والتحليقُ بجناحين، فارعين شاسعين. بامكانهما الطيران الى أعلى فأعلى .. هناك الحلم السابح في نور الشمس. هو حلم الخلاص من الجرح وآلامه، للتحليق ثانيةً الى أقصى فأقصى .. حيث المدياتُ الفسيحة. واللهفة تشدّه. وقودهُ دمُه المراقُ، الذي يحرقُ جوانحهُ ألماً ورغبةً في الخلاص، وتوقاً إلى معانقة النجوم، وإلى الطيران في الهواء والفضاء الشاسع:

 

تشدُّكَ ازرارُ اللهفة

وقودُ حناياك دمي

 

هذه اللهفة في الخلاص، مشدودةٌ الى التحدي، تحدي الجراح للتخلص منها بقوة وعزيمةٍ وعمق كأنامل الشمسِ وهي تغور عميقاً لتمزّقَ الشرنقة فينطلق الغرورُ مقتحماً المدى للوصول الى الحلم المُنتظَر. لا يعني الغرورُ هنا التكبّرَ، وإنّما الثقة العارمة بالنفس وقدرتها على تحمّل صخرة الألم الثقيلة الخانقة. الانتظارُ ليس بالاستسلام للقدر، وإنّما بالسعي الحثيث، والشجاعة الارادة الصلبة والاصرار على المواجهة، وجعل اليد سلّماً للوصول إلى النيازك لافتدائها. فاليد هنا علامة القوة والعزيمة في التصدي والمقارعة، والأمل في اقتناص الحلم:

 

عميقاً تهادت أناملُ الشمسِ

تمزّق شرنقةَ الغرورِ

 

سُلّـمٌ يدي

تفتدي

سنا النيازك

 

وهذا ما يُذكّرنا بما قاله حافظ ابراهيم :

 

مَنْ رامَ وصلَ الشمسِ حاكَ خيوطَها

سـبباـً إلى آمـالـهِ ..... وتعـلّقـا

 

روحُ التحدي للآلام وجراحها النازفةِ، ومواجهتها بالشجاعة والقوة النفسية والارادة الحديد، تعيدُنا الى الميثولوجيا الأغريقية وقصة الإله برومثيوس، التي وظّفها الكثير من الشعراء في مضامين قصائدهم لخدمة ما يرمون اليه. ومنهم أبو القاسم الشابي في قصيدته "هكذا غنّى برومثيوس"، قصيدة التحدي والمصارعة، ومقارعة الألم باشدِّ القوةِ والعزم والتحمّل، وبالاصرار على مواصلة الحياة ونشيدها، وبالانشداد الى حبِّ الانسان وحلمه في نشر النور والمعرفة والدفء، مثلما ترمز اليه قصة الإله برومثيوس، ومثلما كانت حياة الشابيّ انساناً وشاعراً:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

 

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُحْبِ ، والأمطارِ ، والأنـواءِ

 

لا أعرفُ الشكوى الذليلةَ والبكا

وضراعـةَ الأطفالِ ، والضعفـاءِ

 

كانَ برومثيوس سامقاً شامخاً، وهو يقارع آلامه متحمّلاً متحدياً قوياً، حتى خلّصهُ هرقل من عذاباته. وكذا كانَ أبو القاسم الشابيّ (برومثيوس). وهكذا هو الغرباويّ:

 

سامقا تعاقرُ آلهةَ الحبّ

مترعةٌ جداولُ الصباح

بذلك الضباب الرومانسي

 

فهل الحلم بالخلاص رومانسية ضبابية، أم هي القوة والشجاعة التي تعين على الصبر حتى مجيء الخلاص؟ وهل ننسى قصة النبي أيوب (ع) مع الصبر والتحمّل؟

 

إننا أمام برومثيوس صابراً هازئاً بالسحب والأمطارِ والأنواءِ. وعليه فهل يمكنُ لنا أنْ نسمّيَ النصَّ هذا (برومثيوس سامقاً)، وذلك لاحتوائه على اشارات السموق والترفّع عن الشكوى الذليلة. هو في أخدود نار الألم، يعاقر آلهة الحبّ خمور الحبِّ والنور والرومانسية الحالمة.

 

اعتماد أديبنا الغرباويّ على التكرار لنصٍّ داخل النصّ، هو للاشارة التأكيدية على معنىً. هذه الاشارة كما أسلفنا هي بيت القصيد. فما يدور حولها هو دخول في تفاصيلها، حسّاً، ومضموناً، وصوراً. إنّ الألم هو خالق النصِّ، بما أحدثه في النفس، لتتفجّر بما باحتْ لنا. إنه الألم الناشب أظفاره ، لكنّه مع طعناته لذيذ، لأنه يخطّ العمق والسموق واليد التي تطال النيازك، ويُفجّرُ جداول الصباح المنير مترعة بالرومانسية والقوة الذاتية. وهو الذي أبدع هذا النصَّ الزاخر بالحسّ الرومانسي الرهيف، واللغة الجميلة، والصور الشعرية الرقيقة.

 

للثقافة العميقة محيطاً شاسعاً، أثرُها في النفس وفي الفكر وفي البصر. في النفسِ فضاءً مشرقاً مفتوحاً على نوافذ عديدة. في الفكر تحليقاً بأجنحة، لا جناحين فحسب. في البصر منفتحاً على آفاقٍ بألوانٍ مختلفة. وعندما تكون الثقافة مستندة إلى جذع شجرة الموهبة والابداع، مدعومة بالقلم والكلمة، عندها نحضى بما يطيب، وبما ينفع، وبما يدهش. وهذا ما التقطناه في مبدعنا الكبير ماجد الغرباوي، المثقف المغرم بالكلمة مكتوبةً متفجّرةً، هو هذا المثقف المتعدد فنون الكلمة، ليبرزَ بحثاً وقصّاً... ثم شعراً.

 

عبد الستار نورعلي

فجر السبت 13/7/2013

 

رابط القصيدة:

http://almothaqaf.com/index.php/nesos/76400.html

  

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد والشاعر الاستاذ عبد الستار نور علي
رمضان كريم وكل عام وانت بخير وعافية .. مفاجأة جميلة، وهدية كبيرة. تمنيت لو اجد في رصيدي اللغوي ما يساعدني على شكر جهدك النقدي الثمين.
مداخلة قيمة، اضاءت فضاء النص، وسلطت الضوء على أهم مفاصلة، وانتهت الى نتائج مبهرة، حتى احببت اعادة قراءة النص في ظل ما خطته اناملك، كي اتوفر على رؤية جديدة له.
كل الشكر والتقدير لك استاذنا العزيز فقد اخجلت حروفي واربكت كلماتي، فعذرا لك ايها النبيل
مع تقدير

ماجد

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العتيد الذي لم التقه ! كم انا خجلان منك ومن نفسي ومن ماجد الغرباوي ! ارجوك دع المعنى في قلب الشاعر ! فسبب خجلي فعل ادهى من القول ! فدعنا وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍ ذمولٍ إذا صام النهارُ وهجّرى ! دعنا من الخجل ومسوغه لأقول لك مبروك للاستاذ ماجد الغرباوي بالأستاذ عبد الستار نور علي فقد وقف قبالة النصوص واختار واحدا منها ووقف قبالة النص المختار وتنخل زاوية النظر ! اصبحت السبت هذا بين جمالين : جمال النص وجمال تحليله ! ابارك لكما هذا اللقاء عبد الاله الصائغ شاعر ومحلل نص

عبد الاله الصائغ
This comment was minimized by the moderator on the site

ما اروع التمتع بالقراءة , حينما تكتمل الصورة الجميلة والرائعة بين مبدعين الشاعر والناقد , فكان الشاعر والناقد القدير الاستاذ عبدالستار نور علي رائعا في تحليله الم والمبدع والمتمكن من الغور الى الاعماق القصيدة والغوص في تبيان معانيها ودلالات حروفها وماذا يبتغي الشاعر من القصيدة , واستباط محتوياتها , واروع من كل ذلك ارتباطها بعض ابياتها ومنها
تشدك ازرار اللهفة
وقودك حناياك دمي
مرتبطة باروع اسطورة في الميثولوجيا الاغريقية بروميثيوس , الذي سرق النار من الالهة ومنحه الى البشر ، وكان عقابه من الالهة امتصاص دمه

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والناقد الكبير الاستاذ عبد الستار نور علي
رمضان كريم استاذنا العزيز .. أعاده الله عليكم باليمن والسعادة..
كم هو ممتع إبحاركم الجميل برفقة نص الاستاذ ماجد الغرباوي الرائع.. وتلك الالتفاتة الرائعة لروح النص من خلال المقاربة مع موقف بروميثيوس من الوجود.. واسئلة الوجود..

سلام كاظم فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير عبد الستار نور علي
لا يجيد استنطاق النصوص العصيّة الا الشعراء الموغلين بالحسّ الفنّي فوق العادة.
لقد خضتُ تجربة ثرّية عبر دروب خطّتها معاجم تحليلك الغائر في عمق دلالات نص الباحث والاديب القدير ماجد الغرباوي.
فككت طلاسم النص وأعدت بناءها بمفردات أضاءت مصادرها المتعدّدة.
شكراً لبهاء روحيكما المعطاء
مودتي وفائق تقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذنا الكبير عبد الستار نور علي
رمضانك خير و بركة و طاعات مقبولة و دعوات مستجابة....ابحارك عميقا في نص الباحث المفكر القاص الشاعر ماجد الغرباوي, متعة مابعدها متعة, بما تحمل من دلالات على سعة علم و واسع اطلاع , ليس غريبا على كبير مثلك, و مجرد اختيارك لهذا النص البديع, أدخل السرور الى قلوب محبيكما...تحية مودة و تقدير , و دعاء لكما في هذه الأيام الفضيلة بصحة وافرة و عافية دائمة و سلامة دائمة في الدنيا و الدين.

مصطفى المهاجر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الكبير ماجد الغرباوي،
الابحارُ على سفينة النظر البصير في بحار الكلمة ليس بالمقود السهل، إنّما على الربّان أنْ يتجمّل بالصبر وتحمّلأ الأمواج كي يصلّ إلى الأعماق، فيستخرج ما يتمكنُ أنْ يندهش به. ثمّ يحلّله إلى ما فيه منْ مخزونً مثير ونافع وبرّاق غائصاً في أغوار الصيد، فإنْ كان دسماً قدّمه الى الباحث عن الدسامةِ على طبق من الكريستال الملوّن، ليتمتع بالصيدِ والطبق. وهذا ما قامت به رؤيتي لنصكم. وبما أنّ الزارع خبير بالبذور، فينثرها في أرض صالحةِ خصبة، فإنّ الحاصدّ حتماً سيفوز بثمار جنيةٍ، وفاكهةٍ لذيذة.
وهذا ما فعلته بتواضع، وبكلِّ بساطة صيّادٍ يرمي شباكه ليصطاد السمين من النصوص.
لم أفعلْ إلا ما رأيتُ إذ رميتُ.
محبتي

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق الأعتدّ الكبير الدكتور عبد الإله الصائغ،

وها مرَّ السحابُ! أقولُ: هيّا،
إذا أمطرتني بالنورِ، أحيا

فصائغُ أرضنا ماءٌ ونورٌ
سحابٌ بالجلالِ وقد تزيّا

أنا تربٌ ظميءٌ منْ زمانٍ
لقد أمطرتني حرفاً شجيّا

فقلبي مُترَعٌ حبّاً مُصاغاً
بدُرّكمُ، فأمسكْتُ الثريا
......................
حين يمرُّ الصائغُ الكبيرُ
يكبرُ فينا حرفُنا الصغيرُ
يُغرّدُ البلبلُ والعصفورُ
تنتشرُالبهجةُ و السرورُ
والحبُّ في فضائنا يدورُ
.....................
مع كبير اجلالي ومحبتي، وأنتَ تعطّرنا برحيقك العذبِ، وكلامكَ المًضمّخ بالشهدِ، وقلبكَ العامرِ بدمِ شبابِ الكلمة النور، والمحبةِ الحبور. علمٌ يُزيّنُ بالكِبَرِ حقلَنا المتواضعَ . فشكراً لله على أنّكم حطيتم رحالكم في أرضنا العطشى إلى سحابكم المُثقَلِ بمطرٍ مصاغٍ من ماءِ الذهب.
عبد الستار نورعلي

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز القدير جمعة عبد الله،
أنْ يمرَّ على ما نقول مثقف ومبدع قدير يحترم الكلمة النابضة بالحياة من أجل الحياة، عندها يمكننا أنْ نرى إنْ كنا أصبنا هدفنا أم كانت سهامننا بعيدة. لقد غمرتمونا بفضل قراءتكم، وعبير مشاعركم، وطيب نظرتكم فيما نقول.
شكراً على وقوفك عند نظرتي.
محبتي

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز المبدع الكبير سلام كاظم فرج،
رمضانكم كريم، أعاده الله عليك وعلى العائلة الكريمة المبدعة كلّ عام بخير وعافية ونجاح متواصل.
نظرتك النقدية في نظرتي النقدية ارتقاء بما خططنا في رؤيتنا لنصّ الأخ الكبير ماجد الغرباوي. وهو نصٌّ جدير بالنظر والتحليل. مثلما قلتَ أنتَ أيضاً في تعليقك عليه.
أدعو الله أنْ يجعل أيامكم راحةً مليئةً بالصحة والفرح والابداع.
أفرحتني في صباحي هذا فرحاً ممزوجاً بنور حروفكم.
محبتي

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الرائعة ابداعاً وحواراً العزيزة ميادة أبو شنب،
رمضانك كريم كلّه يمنٌ وبركة وبهجة ونجاح.
سعادة لي أنْ ينال ما قدمتُ عن الكبير ماجد الغرباوي رضاكِ. وهو رضىً مدعوم برؤية شاعرة ومحاورة وذواقة رفيعة البصر والبصيرة.
أشكر لكِ هذا الفيض من المحبة والذوق المثقف عالياً.
محبتي

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الشاعر الكبير والانسان المنير مصطفى المهاجر،
رمضانك أكرم، داعياً المولى أنْ يغمركم بالخير والبركات والنور والحبور والنجاح.
دعائي أنْ يمنَ الله عزَّ وجلَّ عليكم بالصحة ومواصلة الابداع الكبير والخير العميم.
فضلٌ منكم أنْ تغرقونا بهذا النهر من الكلام الجميل، والمشاعر الطيبة طيبة نفسكم العطرة بالحرف المضيء. شهادتكم وسام على صدر ما قدّمنا هنا.
شكراً وأيامك كلها فرح
محبتي

عبد الستار نورعلي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2503 المصادف: 2013-07-13 13:36:49