المثقف - قراءات نقدية

عارف الساعدي .. الخارج من "جرّة التابو" بأسئلته!

152-areefلا أدري لمَ يعجبني دائماً أن أنادي صديقي الشاعر الجميل، شخصاً وشعراً وبالعكس، كلما التقيته ورحّبت به، أعني الدكتور (عارف الساعدي) بعبارة: "أهلاً بالولد الشاعر". ربّما لأن هذه العبارة واحدة من عبارات الإعجاب القليلة التي احتفظت بها في ذاكرتي، نقلاً عن أستاذي الشاعر المصري الرائد الراحل (كمال نشأت) رحمه الله، الذي كان يحرص على إطلاقها على الشبّان الشعراء من طلبة الجامعة المستنصرية، أيام كان يدرّس النقد الحديث لطلبة البكالوريوس في سبعينيات القرن الماضي، حتى إذا ما اعترض عليه أحدهم صاح به بلهجته المصرية الأبويّة المحببة : "إيه يا ابني؟.. ما أنا بوصِفك بالشاعر.. ودي كلمة مش قـُليّـلة"!

ذلك؛ إنني مُذ عرفت هذا الـ (عارف الساعدي) قبل أكثر من عشرين عاما، عرفته شاعراً ضمن نخبة من الشعراء الشبّان الرائعين : مضر الآلوسي ومحمد البغدادي ونوفل أبو رغيف وفائز الشرع وحسن عبد راضي والراحل الشهيد رشيد الدليمي وحمد دوخي وعمر هلال، وعشرات غيرهم يعذرون ـ ولا شك ـ عدم تسميتهم هنا لكثرتهم أولا، كانوا يُشكّلون أصواتاً تبتكر من القصيدة التقليديّة (العموديّة) اتجاهاً مغايراً، أطلقوا عليه (قصيدة الشعر) أو (القصيدة ـ الشعر) التي تسعى لجعل القصيدة مهما بلغ عدد أبياتها أو أشطرها، حافلة بالشعرية المدهشة، ولا تكتفي بما كان يُسمّى (بيت القصيد) عبر أبيات معيّنة منها فقط.

وفي (جـرّة أسئلة) الـولد الشاعر (عارف الساعدي) ، مجموعته الشعرية الثالثة التي أصدرها قبل أسابيع قليلة، بدا لي أنه أراد أن يكشف منذ ثريّا هذه المجموعة، أو عتبتها الخارجية بحسب المصطلح الآخر للعنوان، أن يخرج هو ذاته من "جرّة" ضاقت به وبأسئلته الكونية المُحيّرة، لا بل أن يدلق ما ظل يختزنه فيها مُكرهاً بسبب تابوات المحرَّمات الكثيرة، ولاسيما الدينية ـ الاجتماعية منها، متجاوزاً الخشية والمحاذير الكثيرة كذلك، لأنه ربما عاشها وملـّها ونزع الصبر عليها، وضجر من الخضوع لها في مرحلة مبكرة من عمره، مثلما فعل ذلك الـ (أبو العلاء المعرّي) المذهل متأخراً، في ما بعد ديوانه الأول (سِقط الزِّند).

لذلك؛ لا يُفاجئنا الساعدي بكثرة الأسئلة التي أفرغها من جرّته، بدءاً من النص القصير الأول في المجموعة (آدم) : "أبتي يا أبتي آدم/ ماذا أحسست/ وأنت تفتـِّح عينيكَ لأول يوم/ كي تكتشف العالم/ أبتي آدم/ وبماذا كنت تفكـّر يا أبتي/ أحلم أن أدخل قلبك هذا اليوم/ لأفتش عن تلك اللحظات الأولى/ حيث العالم يخرج من بيضته مغسولا/ يخرج مندهشاً وقليلا/ كيف خرجتَ إذاً يا أبتي؟/ هل كنت صَبيّاً مثلي في يوم ما؟/ هل مرّت فيك مراهقة وحشيّة؟/ هل كنت تخبّئ رأسك في حضن امرأة ما؟/ هل كنت تقبّل أمَّـكَ يا أبتي؟"(صص8و9)، ثم ليسأله بهدوء وأدب :"عفوا/ هل تعرف طعم الأمّ؟" قبل أن يفاجئ متلقيه بخلاصة ما انتهى إليه من تلك الأسئلة التي لم يُرد لها إجابات مقابلة، لأنها حملت إجابتها ضمناً، بل "جرؤ" الشاعر إذ أخبر أباه آدم :"إني أرثي وحشتك المجنونة يا أبتي/ ولهذا أنت صنعتَ جميلا/ حين أكلتَ التفاحة يا أبتي".. ليسكت، سعيداً ـ ربما ـ بما انتهى إليه، أو لما أبلغناه من نتيجة(!)

لقد عرف (عارف) كيف يُخرج متلقيّـه منذ نصِّه الأول هذا من عنق الجرّة، بهذه الأسئلة المثيرة للدهشة، التي تهز الأذهان بالحتم، وتوقظ المكامن المثيرة للقلق الإنساني في النفس، لا لتبحث عن إجابت مناسبة ومحدَّدة لها، بل لتتحوّل ـ مثلما فعل الشاعر ـ إلى مثير مقابل ولكن لراحة النفس أصلا، كونها أسئلة روحيّة وجودية أكثر منها أسئلة امتحانية أو رياضيّة (من الرياضيّات).. ثم لتتوالى أمثال هذه الأسئلة بطرق وأساليب مختلفة، منها ما جعله الشاعر في نصِّه الثاني في آخر سطور النص، الذي اختار لعتبته كلمة واحدة موحية جداً، هي (ملل) التي أضاف إليها ما يُشبه الهامش يقول : (مقطع عرّضي من الجنة)، لنقرأ العديد من التفاصيل السرديّة التي عززها الشاعر بالتكرار، واصفاً وصفاً شاء له أن يكون خارجيّاً لحال أحد ممن دخلوا الجنة، وهو عرض تفصيلي يخرج به الشاعر أصلاً من جرّة المحرّمات مثلما سبق وقلت، بمفارقات ساخرة تماما، وفيه يقول :

"هكذا قيل/ خمرة ونساءْ/ وفاكهة دانية/ هكذا قيل/ نهرُ خمر ونهرُ عذارى/ وليلٌ تخطط شمساً (أظنها : شمسٌ) بسُرّته/ فيشبّ نهارا/ وإن طال هذا النهار/ ستمسك كحلا/ وتشعل ليلاً كسولاً/ وتوقظ سربَ سُكارى/ هكذا أنتَ/ بين هذي القصور/ والصبايا العذارى تدور/ وتدور/ وتكرِّر في كل يوم برودة هذي القصور/ وتشرب نفس الخمور/ وتفتضّ جارية ً كلًّ يوم/ ثم ترجع بكرا/ لتفتضها/ وترجع بكرا/ لتفتضها/ ثم ترجع بكرا/ وترجع بكرا/ وترجع بكرا/ وترجع بكرا/ وترجع بكرا/ وتدورْ/ والقصورْ/ ليس فيها سوى ما تلمُّ النساءُ (ليته استبدلها هنا بـ : العذارى ) بكاراتِها/ ليُشبـِعن ساعتها/ عطشاً للذكور"(صص 12ـ14)، ثم ليدخل الشاعر الساعدي بعد حالة المفارقة الساخرة هذه، في عملية مخاطبة الرب ولكن بمنتهى الخشية والتهذيب (لاحظوا كيف سيدلق الشاعر المزيد من المحرّمات من جرّته) بعد أن بكى ساكن الجنة من جرّاء عبث النساء به :" لقد كبُرتْ وحشة القصر يا ربْ/ وأنا بعدُ لم أتعوّد على عيشة الأمراء/ أستحي أن أنادي على خدم القصر ياسيدي/ تعوّدتُ أن أعملَ الشاي وحدي/ وأغسلَ بعض الملابس وحدي/ تعودت بيتاً صغيرا/ أنا وصغاري/ وتذكرتُ في وحشة القصر جاري/ إنهم طيّبون/ يطبخون فنأكل من زادِهم"(ص15)، ليُطلق ههنا السؤال الذي تأخرإلى نهاية النص، سؤال الخروج من جرّة الملل :" مَن يُعيد لنا بيتنا وشوارعنا المُتربة/ وإن شاء أبدلها/ بالقصور وبالجنة المُخصبة"(!)

وأحسب أن الولد الشاعر عارفاً سيدخل في النص الثالث من المجموعة (كان لله بيت قريب على قريتي) في مواجهة مع المزيد من التابوات، ومع أسئلة أكثر إثارة، فهو بعد أن يسرد علينا تفاصيل إنسانية عن بيت الله القريب من قريته (استعمل الشاعر حرف الجر/ على/ بدلاً من / من/ ربما لضرورة الوزن الشعري الحاكمة)، وكيف كانوا يتسلقون جدرانه العالية في الليل، ليأكلوا من تمر نخلته القاسية، ويسدّوا به بعض جوع قديم، ثم يأوون إلى حزنها وينامون، حتى هرع الجندُ من نومهم في لحظة فزعين، و"يصيحونْ/ ما الذي جيء بالفقراء لبيتٍ كهذا/ فنصيحُ لماذا/ ألم يكُ للربّ عائلة ٌنحن أبناؤها/ فمن خوّل الحرسَ النتئين (أظن : النتنين) بأنْ يطردوا صِبية الله من بيتهم/ كما يُطرد العاشقون النديّون من خطب الأنبياء/ كان يا ربّ هذا كبير الحرس/ إن أعجبته المدينة حوّلها جمَلاً أو فرَس/ كان يأخذ أموالنا/ ويقول/ بأن الدراهمَ تـُثقِلُ أقدامكم في الطريق إلى الله (...)"(صص18ـ19)، لينقل عن كبير الحرس هذا وصاياه الأخرى، بأن يهبّ أهل القرية إلى الله خفافا، ويُعلـّم أبناءهم مهنة الموت، ويهمل مدرسة ويُهدِّم أخرى، زاعماً أن المدارس في وقتهم لا تليق، ليختم الشاعر نصّه بـخلاصة المحنة التي يواجهها أهل قريته :"كان يهدم مدرسة/ ويبني/ بأشلائها/ جامعاً في الطريق"(ص20).

لقد أعادني هذا النص إلى رواية الجزائري الراحل الطاهر وطـّار(الشمعة والدهاليز)، حيث يعمل مزيّفو الدين وركـّاب موجته المائجة على تجهيل الناس من جهة، وعلى أن يجعلوا من أنفسهم أوصياء عليهم باسم الربّ الرحيم، من جهة ثانية، لا بل على أن يجعلوا من أنفسهم "شرطة" الله المخوّلين بالتحدّث نيابة عنه سبحانه، لأنهم ـ مثلما وصفتهم الرواية ـ كانوا "يخافون على الله أكثر مما يخافون منه"(ص165 من الرواية) من جهة ثالثة أمرّ وأنكى(!)، وهي محنة حقيقية يعيش في مواجهتها ملايين الناس في مختلف أرجاء عالم الله الواسع.

وانطلاقاً من تلك الحالة التي بدا الشاعر في امتحان دائم بمواجهتها، سيدخل بنا في نص العتبة / أو ثريا المجموعة، أعني (جرّة أسئلة) في مواجهة مع أسئلة جديدة يستهلها بعرض اعترافه بأنه كسر على باب الله جرّة أسئلته، وصار يشكّ ويؤمن ويتساءل عمّا إذا كان هنا أو هناك، وعمّا إذا كان ـ مثلما قيل ـ يبعث مَن مات من قبره، ليؤكد له :"أحبُّكَ يوماً/ ويوماً أحسُّ بأنكَ تكرهني/ أصلـّي العشاء/ وألعن صوت المؤذن في الفجر/ أحبُّكَ جداً/ ولكنني/ أكره كلَّ القريبين منك/ القريبون منك يقولون/ أنتَ تخوِّلهم دائما/ بجباية أحلامنا/ وتخوّلهم/ بالحديث عن الموت والصالحين/ أحبُّكَ يا رب/ ولكنّ حُجّابَكَ الواقفين/ يمنعون التجوّل في الطرقات إليك/ يكسرون البريد (لاحظوا جملة يكسرون بدلاً من يفتحون وما لها من مداليل عنيفة)/ يقرأون رسائلنا الذاهبات مع الفجر/ نحو يديك"(صص23ـ24)، وأكثر من هذا كله، وألعن منه وأشدّ مدعاة للفجيعة لا لمجرّد الشعور بالأسى والألم، زعم هؤلاء بأنهم مخوَّلون "أن يبيعوا السنين القليلة من عمرنا"، ثم ليجأر الشاعر بالسؤال ـ الشكوى المرّة :"أترى أنت خوَّلتهم يا إلهي/ فلماذا إذاً/ يا إلهي"، ثم ليختم نصّه هذا بما يُشبه الصرخة المكتومة التي يزيدها التكرار قوة :"أنا حائرٌ حائرٌ حائر/ وصراطكَ يا حيرتي/ ضيّقٌ وبعيدْ/ حائرٌ حائرٌ حائرٌ/ إنها/ حَيرة الحـُرِّ بين العبيـدْ"(!)

 وثمة في مجموعة (جرّة أسئلة) نصّان شاء أن يعرضهما الشاعر بشكل تقليدي (عمودي/ بشطرين)، هما (أول أيام الخلق) و (طوفان) التي سبق أن نشرها في مجموعته الشعرية الثانية (عمرُه الماء) التي أصدرها عام 2009، وسأختصر الكلام عن الأولى على الرغم من فكرتها التداولية الرائعة، ولاسيما إذ يقدّم الساعدي خلاصة خروج أول الخلق عجولين "لم يصبروا على الطين"، فلم يُفخـّروا طويلاً في الكوانين، وقد ضمّن أبياتها الـسبع والعشرين مفردة الطين مكررة ًعشر مرات، ظهرت في بعض الأبيات في صدر البيت وعجُزه معا، ليظل الطين أصلاً محنة البشرية في مسيرتها، لأتوقف على الثانية التي أعاد نشرهاـ وحسناً فعل ـ لأنها انطوت على مزيد من الأسئلة المريرة، التي وجهها الشاعر إلى نبي الله نوح (ع) ـ متخذا من ابنه الذي رفض صعود السفينة قناعاً لتجربة النص ـ وهي فكرة بالغة الطرافة ومثيرة في آن، كانت قد لاقت إعجاباً كبيراً يوم ألقاها الصديق الشاعر عارف في ملتقى (عالم الشعر) في النجف الأشرف أواخر العام 2011.

152-areefيمكن أن نقرأ في نص (الطوفان) مستهلـّه الذي ينادي خلاله صوت مجهول بالنسبة للمتلقي ـ أول الأمر ـ مولاه يسأله عمّا إذا كان في السفينة متـّسعاً (لمن؟)، قبل أن يمنحنا ما يندلق من جرّة النص من أسئلة مثيرة فرصة أوسع لمعرفة المنادي المجهول :

"ورحتُ أسأله يا شيخ قسمة مَن/ نجوَتَ وحدكَ والباقون قد وقعوا، وهل سترتاح، هل في العُمر طعم ندى/ وأنت وحدكَ والصحراء تجتمعُ، وكيف تبدأ هذا الكون ثانية ً/ وقد تركتَ الفتى والموج يصطرعُ، أنا صغيرك أقنعني وخذ بيدي/ أم أنتَ بالوت والطوفان مقتنعُ، الماءُ يأكل أحداقي وتـُبصِرني/ كيف استرحتَ وعيني ملؤها هلعُ، وهل ستذكر قبل الموت كيف دنا/ عيني تضيق وعين الموت تتسعُ، وهل تنام وفي عينيك نابتة ٌ/ عيون طفلكَ والألعابُ والمُتـَعُ، أم سوف تنساه مزروعاً بخاصرة الطوفان يركله الطوفان والفزع"(صص36ـ37)، ليستعيد الشاعر عبر قناعه آنف الذكر شيئاً بل أشياء من تفاصيل طفولته وأحبّته : البيت والأهل والأشجار وغرامه الأول وأسئلته الأولى والقبلة الأولى التي ذاق طعمها، قبل أن يعاود أسئلة (الطوفان) اللائبة المعاتبة الأب بمنتهى الاحترام الذي فرضته على الشاعر القيم الدينية والتربوية :

"ماذا صنعتَ وهذي الناس ثانية ً/من كل ليل إلى سَوءاتهم رجعوا، صاغوا ملامح موتٍ لا يليق بنا/ وحزمة ًمن مَنـافٍ فوقنا وضعوا، وأورثوا كلَّ شيب الأرض في دمنا/ متنا كثيراً وقالوا موتكم جُـرَعُ، لأجل مَن أنت يا مولاي ترفضني/ لأجلهم أكلوا الدنيا وما شبـِعوا، ...، ماذا صنعتَ إذاً مولاي معذرة/ كلـّي سؤالٌ وشكـّي كلـُّه بُقعُ، هل اقتنعتَ بهذا الكون يا أبتي/ أم نهرُ حزن ٍلهذا الشيب يرتفع، ...، ليختم الشاعر نصّه المدهش هذا ببيتين يعبّران عن خلاصة ما انتهت إليه فكرته الطريفة عن أحوال ما بعد الطوفان (وأظنـّه طوفاناً غاية في رمزيته بل أرى ذلك شخصيا وأعتقده) :"نحتاجك الآن للطوفان ثانية ً/ فربما نصفُ طوفان وننتفعُ، فاصنعْ سفينتك الأخرى وخذ بيدي/ فإنني الآن بالطوفان مُقتنعُ"(ص40).

في نص آخر يهديه الشاعر إلى ولده الطيّب ذي الأعوام الأربعة، جعل عتبته (الصديق الوحيد)، يمنحنا فرصة تأمل لحالة إنسانية بالغة النبل ومثيرة أخرى، إذ يسرد الولد الشاعر حكاية طريفة حقا ومؤسية معا، يستهلها بـ :

" لم يتبقّ من أصدقائي القدامى أحد/ ولدي الصغير هو صديقي الوحيد/ كنت ممتلئاً بالأصدقاء/ وكنا نجوب الشوارع/ ضحكاتنا تملأ شقوق الحيطان/ وتتسرّب أغانينا مع الأنهر الصغيرة"(ص46)، لكنه سرعان ما يكتشف أن المدينة خالية من وجوههم (أولئك الأصدقاء الكثر)، وأنها غدت بلا طعم لأن  طرقاتها "حافية من ضحكاتهم"، وأن الولد الصغير صار كل مساء يصعد معه في سيارته، ويجلس في المقعد الأمامي المجاور له، وأنه "هو وحده من تبقـّى" من أصدقائه، إذ :

"نتحدث معا/ نضحك معا/ ونثرثر معا/ نشتري من السوق ما نشاء/ فهو صديقي الوحيد/ ولكنه سيكبر"(ص47)، ولخشيته من أن يكبر الولد يبدأ اندلاق أسئلته ـ هو الوالد ـ من جرّته :" كيف أقنعه يا رب/ ألاّ يكبر/ كيف لي أن أشدّ حبل طفولته/ بصخرة الزمن المتهاوي/ كيف لي أن ألهيه في البقاء صغيرا".. لكنه سيكبر لتبدأ مأساة الأب الحقيقية ـ أي أب ـ عندما "سيكبر/ وحينها/ سيُبدّل صديقه القديم/ سيكتشف أصدقاء جددا/ سيضحك معهم/ وسيملأ الشقوق/ شقوق الحيطان المتهالكة"(ص48)، ليخبرنا الشاعر مواصلاً سرديته المؤثرة، لكن عبر دور مقابل للأب الوالد مع ولده، إذ :"وسيدور الزمان/ وأصعد في المقعد المجاور له/ حين يأخذ صديقه العجوز إلى المستشفى"، فلا يتحدثان بشيء ولا يضحكان معا أو يثرثران، ليلتفت الولد الشاعر فيخاطب ولده في سطرَيْ الختام ممرورا :"وسوف لن يُعجبك من صديقكَ الشاعر العجوز اي شيء/ سوى أنك كنتَ هذه القصيدة".. ويا لها من مرارة(!)

وبالانتقال إلى جانب آخر مما تناوله الولد الشاعر الساعدي في مجموعته هذه، سيتوقف بنا على ثلاث مراثٍ ، إحداهما (لصديق حيّ)(ص52) أهداها لصديقه (مهند رحيم)، حملت الكثير من الذكريات العذبة المتناهية البساطة عن الأصدقاء الصغار الذين :"يحفظون وجوه البنات الجميلات في حيِّهم/ ولكنهم يخجلون كثيرا/ فليس لهم غير أن يكتفوا بالكلام/ عن الفتيات"، ليلتفت إلى صديقه فيحدثنا عن علاقته المفارقة به، فهو يحب الشعر ويكتبه ويتمنى عليه أن يسمع منه آخر ماكتب، وصاحبه "لا يُحبّ القصائد/.../ ولكنني كنتُ أحببته مثل أولى القصائد/.../ ولكنه كان يحفظ أسماء كلّ المغنـّين أكثر مني/ ويحفظ أفلام هوليود أكثر مني/ كان يحبّ أغاني فريد/ ويُدندن دوماً بأغنيةٍ لست أحفظها الآن"، ثم بعد مزيد ذكريات مرّ بها الزمان وضاقت بأحلام الصديقين الشاسعات المكان، يتوقف بنا على مفارقة أخيره :"كنت أسأله/ كيف أنت؟/ فيقول بخير./ وهنا ينتهي كل شيء"(ص57)، وأحسب أنه لو لم يقدّم الشاعر عبارة الإهداء المسمّاة، لأوهمنا أنه إنما يتحدّث عن حالتين متناقضتين فيه شخصيا، حالة الشاعر العاشق للشعر وحالة الكاره له بشدة.

أما المرثية الثانية (مراثي المدن الحيّة)(ص59) فتكمن مثيرات الوجع فيها في أنها :"مدن سيخنقها السكوت/ مدن تموت/ مدن تسمّى بالمدن/ مدن ضياع/ في الليل، تجّار العواصم يشربون نبيذها/ هم يشربون/ ونحن نسكر/ هم يشربون/ ونحن نسكر حيث يأخذنا الضياع"، وهي مدن على أبواب دجلة واقفة، دجلة الذي صار ساقية أو ذكرى نهر، لا بل ضاع في زحمة العطش، وظـُنّ أنه ربما تعِب "ومدّد أقدامه تحت زيتونة فغفا/ ربما/ ولكنّ كل القريبين منه يقولون/ أتى (لو قال :جاء لاستقام له الوزن اكثر) ولملم أطفاله خجلاً واختفى".. بينما انطلق الساعدي في المرثية الثالثة (للذين انتظروا وانكسروا)(ص103) التي أهداها إلى صديقه الشهيد الشاعر رشيد الدليمي، من تجربة شعور بمرارة الإنكسار في نفوس شبّان أملوا في حياة بحجم زهوهم وأكثر، فهم :"نبتوا كاللثغة الأولى على/ شاطئ المعنى ولما كبروا/ اكتشفوا أن الشواطي كِذبة ٌ/ وطويل حزنهم فاختصروا/ عمرهم نـَصّ قرأنا نصفه/ واختفى نصف قراه القدرُ/ إنهم أفصح من دمعتنا/ نزفوا أحلامهم واعتذروا".

وأخيرا؛ وبالعودة إلى الثيمة التي انطلقنا منها في قراءة هذه المجموعة الشعرية المهمة، أعني ما دلقته (جرّة أسئلة) هذا الولد الشاعر من أسئلة مثيرة للدهشة وخروج على التابوات، يعنّ لي التوقف على نص (هامش) الذي استهله بالقول :

"كنا هنا فكرة ً/ وكان ملائكة طيّبون/ يحملون الأضابيرَ لله في آخر الليل/ وفي ليلةٍ باردة/ كـُتِبنا على هذه الأرض/ في هامشٍ/ خوّل الله فيه مَلاكـَين/ كانا على عجل في صناعتنا"(ص86)، إذ سرعان ما يلتفت الشاعر هنا أيضا ليطلق أسئلته المثيرة :"فكرة مَن نحن يا ربْ؟/ مَن ترى كان يحلم فينا/ فقدّم من دون علم الجميع/ طلباً يتمنى به صنعَ بعض البشرْ/ فخرجنا بناءً على هامش في السمواتِ/ فيه الرضا والحذرْ/.../ إنها حيرة الهابطين من الله/ من فكرة رُفعَتْ في الظلامْ/ كيف نمشي؟/ كيف نأكل؟/ كيف نصحو؟/ وكيف ننامْ؟/ وكيف يُحدِّث واحدنا جارَه؟..."(صص87و88).

ولأن (جرّة الأسئلة) غنيّة بالعديد من النصوص التي تجرّ المتلقي للتوقف عليها، وجدتني أتوقف عند هذا الذي قرأت، تاركاً لغيري من المتلقين فرصة أن يقرأوا هذه المجموعة الشعرية، أو يقترحوا قراءة غيرها لنصوصها وأسئلتها، ولابد من أنهم سيدهشون كذلك، ولعلهم يُعيدون مع أنفسهم عبارة أستاذي الشاعر الراحل (كمال نشأت) :"ولد شاعر".. أعني صديقي الدكتور عارف الساعدي.

 

قرأه د. عبد المطلب محمود ـ العراق

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2511 المصادف: 2013-07-21 03:49:03