المثقف - قراءات نقدية

علي مولود الطالبي يذيبُ ثلجَ الحروفِ بشمسِ قصائده

158-aliمنذ الوهلة الأولى لأناملك وهي تحتضن هذا الديوان .. تشعر معه أنك أمام شاعر رقيق متميز، متقن لأدواته، متمكن من اللغة، يصيغها ويطوعها على لسانه وعلى قوالب روحه الشفافة كما يروم ...

ففي كل موضوعات ديوان "شمس على ثلج الحروف" للشاعر العراقي علي مولود الطالبي تألقٌ مميز كشمس قوية تصل بضوئها لكل مناحي النفس البشرية؛ ففي الحب أنثاه لم يخلق مثلها، يحكي فيها عن لوعة كل عاشق في وجوه الحب، غزلا ورقة وأغاريد ورود لم تنبت بعد، وحين ينشد للوطن نرى العراق يلوذ بنخيله في صدر قوافيه، في عمق الروح وطنه يتخذ من ضلوعه موطنا يستريح فيه، وللأب والأم هو يصوغ أجمل مشاعره شعرا رطبا سائغا، من تراب الضفاف بدجلة نبتَ الشاعر علي مولود الطالبي من أسرة محافظة أثرت في تكوينه، فغرست فيه كل معاني القيم الجميلة، وفي "سامراء" العريقة إلتمعت خضرة عينيه على أرضها الخصبة، وُصِفت ببلاد العرب السعيد أرض الرافدين في كتب التاريخ،

في هذه البقعة التي كتبها التاريخ قبل البشر .. نشأ شاعرنا، أظلّه نخيل الجمال، شرب من مياه الحياة، وعلى لجين الأمنيات ترعرع، لا ينسَ أبدا وجيعة هذا الوطن الذي يتنفس منه، فالديوان يحمل في طياته ضوعا لصوت لوطن، بريشة فنان يحدد الملامح لوجه وطن قديسا لايشوبه الخوف أو الدمار رغم النزف ... أمنياته ودعواته بقطع يد الخراب أو بوقف بكاء أم ثكلى، كمٌ من مشاعر النبل الإنساني يغمرنا بها هذا الديوان عند عناقه والتوغل بين رياض قصائدة الرائعة،

ما يميز هذا الديوان أن الشاعر يتّبع فيه ترتيب قصائده العمودية الشعر، حسب ترتيب حروف الهجاء في لغة الضاد، فلكل حرف من حروف العربية الثملة المتألقة قصيدة متكاملة يكون "رويها" حرف من حروف العربية تبتدي بالهمزة ومن ثم الألف ومن ثم الباء فالتاء فالثاء ....... إلى الياء، كأنه يتوج الحروف بلون قصائده الرشيقة البهية المشحونة بالشاعرية .

ما إستوقفني في هذا الديوان هو أن الشاعر بالإضافة إلى جمعه الحروف وترتيبها بهذه القدرة الفنية والمقدرة الشعرية الفقائقة ؛هو أن الشاعر حاول جمع أكثر ألوان التصنيف أو اللون العمودي المتعدد الأشكال في نظمه القديم ومراحل تطوره، فكما هو معلوم أن الشعر العمودي فيه الكلاسك البحت وفيه الرومانسي وفيه الجزل وفيه البليغ وفيه الوجداني وفيه المحافظ على اللغة ومتانة التعبير وعمق الصيغة والصنعة وأيضا لا ننسَ القصيدة الحديثة التي تلبس ثوب الحداثة ولكن بحلّة عمودية، وجدتُ أن هذا الديوان قد جمع كافة تلكم الألوان وصاغها في متانة شعرية فذة ...

فنراه في قصيدة "مشهد لوحة تبكي" لا يقتصر على وجيعة الوطن بل يستند لرمزية الحب والتضحية في قلبه، نعم الحب لشهيدٍ هُدرت دمائه غدرا، الحب لروحه الصاعدة في فضاءات النور الإلاهي، فالحب لديه حالة شمولية تضم بين طياتها الكثير ويبقى الوطن هو الركيزة الأساسية لديه وقد صاغ اللغة في جزالة وقوة بنيوية مسبوكة إذ يقول :

 

أسِفَتْ منابعنا وغيَّم مشهدي

بأخي الذي لثَمَ الشهادةِ باليدِ

نطقتْ بحارٌ باسمهِ وترنمتْ

رغمَ الأسى أغصانُ بستانٍ نديْ

في لوحةِ الغيبِ ارتسمتَ مدينةً

هزَّ الدروبَ ضياؤها بالسؤددِ

وركَزْت والأبطالَ مثلَكَ مِشعلاً

في كلِ صدرٍ محبَطٍ مُتردَّدِ

لكَ من فؤادٍ تائهٍ دمعاتُهُ

تاهتْ هي الأخرى وما من مُرشِدِ

سهلانِ لكنْ أنتَ والجمعُ الذي

حصرَ النضالَ بقبضةِ المتمرِّدِ

يأسٌ ومنقلبٌ وسربُ معاركٍ

سَئِمَ الردى منها وما مِن مهتدي

ورحلتَ إذ أرضُ العراقِ أرى بها

من خدِّ روحكَ ما أرى من مَوعدِ

 

ولعلنا نلاحظ حالة الشجن العميقة في الكلمات وقوة التعبير وشحن الصورة برثاء شعري متماسك ولغة متخمة بالصلابة على روي "الدال" فهو يجعل لنفسه ومتلقيه تعزية بذلك الشهيد والرمز المثالي للتضحية فهنا الموضوع مهم أيضا حين يتطرقه الشاعر فليس هو موضوع عادي يطرقه وإنما هو شهيد ضحى بماله ونفسه، فلابد من وجود لغة قوية تلق به، بالإضافة إلى جعل الشهيد هنا مطلقا لكل الأوقات والأماكن .....

ولو تصفحنا الديوان مرة أخرى سنجد بوحه يمزج الوطن بحبه للرسول الكريم كأنه يشكو له حال وطنهه وبلاد المسلمين الذي يعز عليه ويئن في صدره ما يجري لهم، وقد ألبس هذه الشكوى والعتاب حلّة الشعر الوجداني الذي يلامس شغاف القلب ويدعو إلى تأنيب الضمير وتحفيز الهمم، وجعل القصيدة تحمل قضية سامية وخطاب صادق أن تشكو وطنك لبني الأمة وما يجري به كما قال شاعرنا لرسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، في قصيدة "نبؤة وعتاب" :

 

لنا وطنٌ، يا أخصبَ الأرضِ موطنـًا،

تذرّى هباءً نهره بتسمُّمِ

يقصونَ من وجهِ الحياةِ تحيرًا

وأوطاننا حبلى بآهٍ ومأتمِ

وأنتَ نبيُّ الحقِّ والفخر والهدى

أترضى بأرضٍ تلتظي كجهنمِ ؟

ويا مَن لديهِ الفطر حبةَ تمرةٍ

أيرضيكَ أنَّ النخل زالَ كمَعْلَمِ !؟

هذه البصمة والحالة الشجية الروحية القوية تظهر جليا في معظم القصائد، لكنها متعددة الجوانب، مختلفة التقاسيم كفاكهة متنوعة في سلة واحدة، لتنتقي منها ماشئت .....

وطنه العربي لا ينفصل عن وطنه العراق بأمل في وحدة عربية كبيرة يكتب هذه الملحمة الشعرية فائقة الروعة في نصه " خارطة مساماتي "وبلغة شعرية مركبة بتصوير حديث وفيه من مفاخرة الشعر العربي وما حمله الشعراء من تغني ببلاد العرب منذ القدم وإلى اليوم، فهو يحاول بعمق إنساني لمّ شمل الوطن العربي على حروفه التي طالما تلامس الضمير الإنساني بروح حقيقة وشغف إلى لمّ وتضميد الصفوف المتناثرة بما أحدثه الزمن من شقوق بينها، لكنه لم يكترث لذلك وإنما ضمد تلك الجراحات فنراه يذكر كل أوطاننا العربية من المحيط إلى الخليج في صدر النص يقول :

وجهي أنا عربُ الأوطان والصورُ

وكليَ الأرضُ يستلقي بها المطرُ

من قلبِ عدنانَ أو قحطان داعبنا

عصفٌ من الشوقِ لا يبقي ولا يذرُ !

أنا العراقيُّ في عمقي، ومأثرتي

وريدُ ماءٍ صبورٌ كالأُلى صَبَروا

صمتُ السماء نشيدٌ من سنا وجنىً

وصمتُ بغدادَ شعرٌ إن همو نثروا

عمّانُ جارته تعلو به قُبَلاً

سلالمَ العشق حتى يبتلي القمرُ !

هناك تمازج كبير بين الرقة في شعره والرشاقة وبين الكلاسكية التي تحفظ للقصيدة هيبتها .. لغة رصينة، ومعاني شفافة أكثر مايميزها الصدق الذي يتدفق من بين طيات القصيد .....

ويقول في مقطع آخر من خارطته :

 

وسِرْ إلى اليمنِ الميمون مَشرَبُها

وسيفُ ذي يزنٍ يزهو به الأثرُ

ولا تسائلْ إذنْ، كلُّ الكويتِ لُقىً

وقلبُ إنسانها تبرٌ لو احتفروا

 

وأرضُ مصرَ نبيلٌ مُكْرَمٌ دمُها

أليسَ نيلاً دمٌ بالنبضِ يزدهرُ ؟

وأنت يا مصرُ ما أبهاك منتسبًا

وكمْ يلذ لنا ما طيّب السَهرُ

وشعبُ سودانَ للتحريرِ كوكبة

من اللآلئ، والأنهار تنتشرُ

ويُشرقُ المغربُ المسطورُ في أدبٍ

يسمو كما بزّ ماضيهِ ويبتكِرُ

شاعر تدق الأوطان في نواقيس غيمه،، تتداعى آلآم الأوطان وأفراحها في نفسه فلا يملك سوى التعبير بكل قواه، كبحّار ينقذ سفينته من مصرع محتوم رغم مايعترضها من أخطار .

في شعره المغترب تزداد وتيرة حاسته كشاعر يلوك شحوب المنفى، ذاك النبل والرقي الإنساني يتدفق بقوة نهر لانه يتكلم عن غربته، تلك الغربة التي تكون مكانية وروحية، وقد أكتست اللغة بتصوير حديث وشاعرية تعبيرية موحية ومغزولة بصورٍ عميقة معبرة بكل جمالية عن روعة الحداثة في الشعر العمودي، فنجد نصه "وجه الحنين"يقول :

كَهفُ الجراحِ إذا دخلتُ ظلامَه

كمْ جمرةٍ فيه تُغذّي شهقتي ؟

إنّى سأشربُ سحرَ أرضي برهةً

وغـناءَ بـيـتي منشدًا في لهـفتي

مدني تجولُ على أزقةِ صمتها

وأناسها رسموا الجهات لشقوتي

قد ينحني الليلُ الكئيبُ على يدي

ويكادُ يصفعني اللهيبُ لعودتي

لا تـتركـيـني للضّياع معذّبًا

بشقاءِ يومي كي أموت بحسرتي

لا تضرمي أحزانَ قلبٍ نازفٍ

كان البديلَ يضيء لي عن شمعتي

 

ذاك الأسى الذي يجول في الكلمات فيشعل بنيرانه عتمة اليأس، حالة من الترقب والرجاء، إنسياب المعاني وجريانها كنهر قوي تارة، أو كجدول هادىء تارة أخرى، يجعلنا أمام حالة من التأمل والرزانة في مدن البوح العمودي .

ومن الموضوعات الإنسانية التي يحويها الديوان قصيدته عن الأب وحتى عتبة النص "وميض يرتل طاعته"عنوان يحتاج للكثير من التأمل أي وميض يقصده علي مولود الطابي ؟هل هو وميض فرحة والده بلقياه عندما يعود محملا بالفخر للتفوق في دراسته ؟أم وميض الأبوة الذي يحلم به يوما ما علي ؟أم وميض فضل الآباء على أبنائهم في هذه الحياة ؟ولعل وجوده خارج محيط العائلة للدراسة في القاهرة يخلق هذه الحالة من الحنين والحب للأهل يكتبه وينسق حروفه فوق العادة لترتدي القصائد هذه الثياب الموشّاة بالجمال والألبسة الحديثة التصوير، التي يمزج بها عمق الأب وأثره ودوره في الحياة مع شعره البهي، وحقيقة القول أن القليل من الشعراء مَن كتب عن الأب ولكن روح الشاعر هنا تبحث عن الشعر فكرة ومضمونا وغاية ودلالة وليس كلمات في مهب الورق، كلا وإنما لكل كلمة غاية وهدف تسعى لبلوغه يقول عن الأب في "روي" العين :

حكايا أبي مِن سنبلِ النور تسطعُ

حصادًا كأنَّ الماءَ بالنورِ يُجمَعُ

وفيضٌ لروحي من وقاركَ ماثلٌ

كسِفر ملاكٍ كلُ ما فيه يلمعُ

وميضٌ بقلبٍ وارف الخير بيدرٌ

وزورقُ أبناءٍ كما الموج مشْرَعُ

ينزِّلُ وحيًا في خيوطٍ تبارقتْ

يلبي لبابَ المخطئينَ ويشفعُ

أبي أشرفُ الراياتِ منه وروضتي

تحنَّتْ بلألاءٍ عليه فأرجعُ

سنينَ إلى جودٍ يوازي مسامَهُ

ومن خُلُقِ الآباء نبني ونبدعُ

له طعمُ ريحٍ مازج الورد تلُّها

وأعلو سجودًا في فضاهُ وأركعُ

تلينُ شفاهي نسمةً لصقَ كفهِ

وتحلمُ بالغفرانِ منه وتطمعُ

.....

وللأم نصيبها في القصيد والشاعر قد إعتاد على التنوع في قصائده، هكذا فعل أيضا في ديوانه الأول "ضوء الماء" نرى ونلمس هذه الحاسة الإنسانية الراقية، ولأمه يكتب هنا في "شمس على ثلج الحروف" نص "صلاة الجداول" وهذا العنوان أيضا يحتاج للتأمل، لماذا إرتبط شعور الأم لديه بالجداول ؟لعلّه الهدوء والصفاء الذي يجمع بينهما، لعلّه الفيض في الحنان الذي يروي الجميع بالأمل ليكملوا مسيرة الحياة، وقد رسم لغة النص بلغة رومانسية عميقة التصوير جميلة اللمح عميقة الأثر تضفي إلى دور الأم كإنسانة وليست مربية فقط وإنما كحياة تامة يشكو لها حال زماننا ومرارته وألمه وكما قال لها في "روي" الفاء :

وميمٌ وياءٌ ومن قبلُ ألفُ

حدائقُ تصحو وفي القلبِ تغفو

ترامى حنيني غطاءً دعاها

فلمَّ غطائي نسيمٌ وطيفُ

ترانيمُ دفئكِ صاغتْ حقولاً

لتعدو سَواقٍ ويصدحَ عُرفُ

فرُحماكِ حتى تلين الجبالُ

وصلّى حنينٌ وعطّر نزفُ !

ويا أمنا والزمانُ ابتهال

أيبقى تَرجًّ وبعدٌ وكهفُ !؟

ولكننا منكِ نقطفُ عزمًا

يرتّل كالشمس والوقتُ صيفُ

....

نعم ذاك الجدول المنساب في حروفه حيث ينسكب الحرف سهلا رقراقا يعكس ضوء صدقه تماما كمياه الجداول التي تصلي مهابة للأم تلك القديسة في ثقل الأيام تتحمل الكثير من المشقة كي تكمل الرحلة وتنفض غبار المشاوير .

ننتقل الآن إلى زاوية جديدة من زوايا هذا الشاعر المعاصر بثوب الكلاسكية، الذي يكتب ألحانا للمعاني فتأتي أنغامها سحبات من النغم الأنيق فاللغزل عنده شأن مختلف هو يخلق في القصيدة حالة من التشويق والرهبة أمام هذا العملاق "الحب" يكتب عنه بكل أدوات الرقة والشفافية، بلا عناء ينسج قميص الرومانسية الجميلة المشبعة بالإحساس الصادق الخارج من لب الروح كي يسكن في ذات قارئه فيقول في نصه "أنثى الماء" على "روي" الباء :

 

كل النساء دمىً في وجهكِ الرَّحبِ

يا طلةَ الحسنِ في ذا المرفأ العَجَبِ

يا نفحةً من خلودٍ لو سرتْ بدمي،

بردًا وسلمًا أرى في لجة اللهَبِ

رأيتُ أنثى على الشطين هادئةً

تشدو فمال فؤادي اليوم في طربِ

كلَّمتها حيث هزّ النبضُ رقتَها

فأينعتْ ودقًا في روضةِ السحبِ

لله دركِ من تغريدِ ساقية

يسّاقط للحن في مجراكِ كالرطبِ

وجاءَ بدرٌ مهابًا ضاحكًا بلمىً

ما كلُّ من جاء يحكي رنةَ العنبِ !

ماذا إذا صلَحتْ أو إنها جرحتْ ؟

سِيانِ عندي وموتي في الهوى طَلَبي

يا وجدَ مشيتِها الميساءِ كلَّ ضحىً

حتى المساءِ وخطوَ المنهلِ العذبِ

 

العنوان هنا أيضا يحتاج قراءة جديدة، ماهذه الرقة ؟أي ماء ذاك الذي يصنع أنثى ؟هل يقصد الرقة لتشبيهها بالماء ؟أم يقصد النعومة والعذوبة ؟فهو يعرف محبوبته فيراها كما ترى نفسها ـ يعرف ماتجيش به عواطفها فلا يحتاج لقرأتها عدة مرات .....

وفي نصوص الحداثة له قصائد عدة تخللتْ الديوان خاصة لو علمنا أن شاعرنا يكتب نصوص التفعيلة والنثر وبلغة جميلة تنعش القارئ وتلامس دواخل روحه وبموضوعات عديدة وترتيل إنساني عميق يخرج من روح ملتاعة في هذا الزمن، نعود للشعر العمودي الحديث كي نسمع حزنه المتين في نص "منديل مغترب" يقول :

خططتُ للطرقاتِ النومَ في حدقي

فلم يضمْني زقاقٌ أو سجدتُ رضا

أباتُ كل ضحى في حجلِ قافيتي

لكنَّ صبحي تشظى والمدى مرضا

ماذا سأعطي أذن للسائلينَ دمي

فيما أغصُ بملحِ الشوك منقبضا

وكيفَ أكتبُ في دربِ التشردِ عن

قلبي وكل منافينا استوتْ بُغَضا ؟

فللماذن عني قلْ أيا ودقَــًـا

إني حزين وغيمي هلًّ ممتعضا

وأبلغوا كل لوح الشكِ عن لهفي

و متُ شوقًا وليسَ العيش لي عِوضا

فلا تنوحوا إذا أسرى بقافيتي

في بيتكم شبحٌ ما ناح أو قَرَضا !

بل فاشجروا أدمعيَ زيتًا على حطبٍ

ورددوا شاعرًا قد زارنا ومضى !

في هذا النص نلحظ نضجا كبيرا في اللغة للشاعر، فهو يوازي درويش في صوفيته الجميلة، ويبتكر للقصيدة خطىً جديدة تسير عليها برشاقة تامة ...وإن كان النص يحمل المزيد من الشجن لكنه يمس النفس مساسا رهيفا دامعا . 

158-ali

ولو أردنا أن نخوض في روضة الشعر الكلاسيكي واللغة الصعبة وحروف الروي التي قلّما يكتب عنها أحدا اليوم بسبب صعوبتها وإبتعاد الناس عنها، سنجد شاعرنا لم ينسها أو يتجاهلها بالعكس حاول أن يحتفط فيها لأنها جزء لا يتجزء من كل ناطق بلغة الجنة، فقد حاول شاعرنا أن يجعل من ديوانه مرجعا مهما إلى كل من يحاول التعرّف وبمحبة على اللغة العربية الشعرية التي تصلح لكل زمان ومكان، فقد صاغ لنا على "روي الثاء" نصا عطرا يحتاج إلى تأمل كي نعيش حالته وعنونه بـــ "ضفة الريح" وهو للحبيبة وهنا لابد من قول الحق أن شاعرنا ذكي فعلا، لأنه يعرف كيف يدغدغ مشاعر القارئ، إذ يصعب على المتلقي إستقبال هذا الروي الصعب مع موضوع صعب، لكن الغزل كونه الأقرب إلى نفسية القارئ سلكَ الشاعر طريقه كي يصل لقلب القارئ وهذا بحد ذاته ذكاء وفطنة من شاعرنا الذي يقول :

وأنا محبوبتي اخترتُ غرامًا

غير ذيّاكَ الذي فينا تلوثْ

لا تلوميني فيأسي عن مزاح

فابتسامٌ منكِ جناتٍ سيورثْ

فإذا عيناكِ شوقٌ ورواءٌ

وصلاةٌ هكذا العاشق ثَلَّثْ !

فاحملي الناقوس، يجتاحكِ قرعٌ

فلنا جرحٌ وبالبوح تشبثْ

نشوةَ الجمر قبضتِ اليومَ أنّى

يقفُ الحُبِّ وقلبُ الصَّبِّ يلهثْ !

وكذلك صعوبة الخوض والإقتراب في نسج "روي الذال" لأن الشعراء يخشوا إبتعاد المتلقي عنهم، لكن هذا الأمر لم يهز ذات شاعرنا كونه يؤمن أن الشعر الجيد يبقى ما بقيت الأرض فيقول في نص "شراعٌ لحقليَ"

في حقلي أشرعةٌ تأخذْ

من حقلكَ أطيابـًا تنقذ

الليلُ سيشدو لكَ عني

ألحانـًا للسحرِ تتتلمذْ

الجرحُ غطاءٌ يخفيني عني

كي أبقى أتلذذْ

وبحارُ قصيدي أغنيةٌ

كلٌّ في سفرٍ وسأنفذْ

 

ويجدر بالذكر أن الشاعر الطالبي قد طرق الحروف بكل مقدرة وتمكن من العروض والصرف والنحو والدلالة والشعرية والشاعرية المتمكنة، فوجدنا له قصيدا متينا وقوافي مكسورة ومرفوعة ومنصوبة وساكنة، فهو يود أن يقول للمختصين أنه مقتدر على أن يثبت هويته الشعرية بكل الأشكال والطرق، ووجدنا له أيضا أكثر من بحر شعري ينثر عليه حروفه وأيضا موضوعات الديوان لم تكن موضوعات مراهقة أو مشتة أو مبعثرة أو أحادية الجانب، بالعكس وجدناها تحمل فكر نيّر وذات إنسانية تحاكي واقع الحياة بكل وجوهها،

لفتني كيف كتب عن روي الواو بذكاء كما قال في نص "نسمة وحلوى وسر"

بُتُ أشكو لخدكَ القمح وحدي

فهو صحنُ الشذا وأية شكوى !

فسلامٌ على السنين تغنّي

وعلى الجرح مشرقـًا حينَ يهوى

ولقاءٍ قد كانَ بيني وبيني

أطلقَ السرَّ منعشـًا ثم دوّى

قال لي يا فتىً سأسديكَ نصحـًا

عند تلكَ القرى المراقةِ مهوى

تقفُ الآن يا شغوفُ فتاةٌ

كالنُسَيماتِ رقةً فهي تُطوى

وأيضا شدني ما كتبه على "روي الظاء" وهو من أصعب حروف لغتنا العربية فكيف يصوغ عليه شاعرنا قصيدة من ( 13 ) بيتا عليه ؟ وهذا ما قاله في قصيدة "لفظٌ لشجنِ الفصولِ"

 

أفلا يكفي قصيدي والرؤى

أفلا تكفي القوافي واللفظْ ؟

سدرةٌ من أغنياتٍ شهقتْ

في سنى عينيكَ آهٍ من لحِظْ

ينطقُ المزمارُ عن نسكٍ بهِ

ويلوكُ الضوءُ عزفـًا يلتمظْ

ودمُ الأنهارِ سمفونٌ له

وعروقُ العودِ لمّا تتعظْ

وجدت نفسي متأملة خاشعة في "روي الكاف" لأن الكثير لا يتقن فن هذا الحرف لأنه ضمير في الغالب ما يستخدم من قبل الشعراء وليس حرف رويا أصلي في القصيد، لكن الطالبي كتبه بلغة بهية رشيقة وموضوع مهم فقد كتب القصيدة على المعلّم الذي علمه وعلمنا وسيعلم الجميع ولم يفه الحرف مهما كتب، إلا أن شاعرنا لا ينكر من له فضل عليه فكتب ذلك في نص "جهاتٌ ومرسى حرف"

 

تحياتُ السماحةِ حيث تعلو

لكلِ مُعلِّمٍ، فالعلمُ مسكُ

على شفةِ الطفولةِ لاحَ منها

سرورٌ وهي للعُبّادِ نسكُ

أيا نجلَ النبيينَ الذي لم

يقابلُ بالثناءِ وليسَ يشكو

شكوتُ تساؤلاتٍ لم تدعني

بسلمٍ واتِّزانٍ فهي شوكُ

شكوتُ الجهلَ بين الكون معنىً

وبينَ معارفي فاهتاجَ وعْكُ

هذا الحرف لا يمكن رسمه على خد القصيدة بدون إلمام تام في ماهية الشعر والصرف والمقدرة على سبكه في حديقة القصيد،

ومثله "روي الهاء" الذي كثير ما يستخدم كضمير، ولكن شاعرنا إستخدمه كحرف أصلي وهي فطنة من ذاته الشاعرية التي كتبت القصيدة في موضوعة العيد وهو موضوع يلامس العديد من القراء بالرغم من وجع العيد اليوم يقول في قصيدة

"عيدٌ للفضاءِ"

مثلما الأحمرِ غنّى شغفـًا

شفتيْ حبي ففيه شَبَهُ

فتعالي نقسمْ الأفراح

أو نشرح الحب ونجلو كنههُ

رقصاتٍ يا حياتي من دُمىً

وشموعٍ آه ما أنبَههُ !

إنما العيدُ لُقى لحظاتنا

حين نصغي، ما لهم لم يفقهوا ؟

إصغِ للوردِ تسامى أغصُنـًا

من رحيقٍ وشموعٍ رفّهُ

لحَّن الماءُ عصافيرَ ندىً

وعناقـًا خافقـًا فانتبِهوا

هذهِ من كفِ شمس نثرتْ

صوتها نايـًا عميقـًا نوِّهوا

عيدنا وافى فذا الغيم جنىً

والضلالاتُ هنا منتزهُ

وللمعنى القوي والشعر العربي الأصيل والجزالة الشعرية الفذة والصعنة الأدبية نجد لها حروف علي مولود تمسكها بقبضة وطنية كما العادة وعلى "روي الخاء" الذي يحتاج إلى صنعة تعبيرية كي يعزف لحونه على ضفة القريض وهذا ما قاله شاعرنا في قصيدة "رصيف الشمس"

بذكركَ أزهو يا بلادُ وأشمَخُ !

وأسكِبُ ذوبَ الروحِ شعرًا وأنسَخُ

وأستلهمُ الأيامَ تاريخَ موطنٍ،

لهُ الصدرُ في الأمجادِ حينَ تُؤرّخُ

تعاليتِ يا دارًا تموجُ تأبـيًا

فلسـتِ التي ترضى الهوان وترضخُ

لعينيكَ قلبي يا عراقُ متيـمٌ

قريـبـًا بعيدًا في هواكَ مُـدوّخُ

الرحلة عامرة في هذا الديوان الشجي الممتع بكل تفاصيل القول وانغام الكلِم، وقد بدأه الطالبي بقصيدة لا يتخلف شخص على جمالها، قصيدة رائعة بكل القيم والفنون تحمل الثوب الحداثوي في الشعر بكل فنونه وتقاسيمه وتبث معاناة الشاعر في غربته ... القصيدة بعتبة "سيقان الغياب" يقول فيها شاعرنا :

شـقـيّـًا

عـلى وجـهِ الـغـيـابِ

بـدا دمُــكْ

وشـاعــرةٌ تـلـكَ الـجـراحُ

وتــنـظـمُــكْ

وصـحـراءُ روحي

رغـمَ وردِ حـدائـقي

كمثلِ غناءٍ

باتَ نزفـًا يُرمِمُكْ

أؤولُ عــــشـقـي لـلـبـــلادِ قـــصـيـــدةً

ويـسـألـني الـتـأويـلُ

من ذا سيـفـهـمُــكْ ؟

وأنــتَ بـتــفـســيـرِ الـحــنـيــنِ

مـؤمـلٌ

فـــؤادَ نـبـيٍّ

غــادرَ الأهـلَ يُـلـهــمُـــكْ

رهـيـنُ غـيـابـاتِ الـجـبـابِ

وأخــوتـي

بـعـيـدونَ

بالـلا أيـنَ سـوفَ أتـرجـمُـكْ

أتـتـني قـوافـي الـدمع شعـراً

أصوغُـها

جـمالاً

وبـالـلاشيءِ

يـزخـرُ مـنـجـمُـكْ

ظـمـئـتُ

ومـــاءُ اللهِ بــيـنـي وبــيــنــهُ

زمـانٌ

وأصـقــاعٌ

فـكـيـفَ سـألـثِــمُــكْ

صروحٌ

أقـامَـتـها الـنجـومُ عـلى يــدي

تـوضّـأَ فـي لألائـها الـعـذبِ

زمـزمُـكْ

فـيـا وطـنـي

عـيـنـي تـحـاولُ أنْ تـرى

وشعـري

على بعـدِ المسافاتِ يرسمُـكْ

ودونَـكَ

ذابـت في الكـؤوسِ

قـصائـدي

ويـحـكـمُـني الدمعُ الشـقيُّ

ويَـحْـكُـمُـكْ

الملاحظ أن القصيدة عمودية، ولكن الشاعر قد رتب شكلها على نحو التفعيلة، وهو فن يحاوله شاعرنا لكسر شكل العمود الذي ربما يمله البعض لو كثر، وهذا قد نجده لدى الكثر من نصوصه، ولكنه بكل تأكيد لا يخفَ على المختص أن القصيدة عمودية، ولكن الرسم يغير قليلا من نفسية المتلقي ...

.....

السفرة لا تنقطع في جنان شمس الطالبي، ولو أردنا أن نستمر في عرض القصائد سيطول المقام، لكننا حاولنا إبراز جانب من جوانب الديوان، على أمل أن يتطرق له النقاد في قراءات عديدة لأن عوالم الطالبي متجددة وتكسي أرواحنا حلة الربيع، بذاك الأمل الذائب في عتمة الواقع لانملك إلا الوقوف على شعره النهم كي تأخدنا الدهشة لأبواب ماكان لنا أن نفتحها بلا هذه القصائد التي تغمر عباب الألم وتقودنا حيث جزر السلام البيضاء ـ تحية كبيرة لشاعرنا الصاعد، صانع الأحلام علي مولود الطالبي، شاعر آمال البسطاء من هذا الوطن، صوت الضمير وصرخة الحق في النفس السوية .

 

رونا صبري / مصر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2517 المصادف: 2013-07-27 05:59:48