المثقف - قراءات نقدية

إرهاصات الوعي والبدايات الواعدة .. سمر مع يوميات بين القصرين للشاعر المغربي المهدي أخريف

mohamad albaghoriكعادته يمتعنا الشاعر والمترجم المتميز -المهدي أخريف- هذه المرة بعمل إبداعي مبهج، ارتأى أن يجنسه ضمن كتابة اليوميات، وهو كتابة صادر عن مطبعة السليكي أخوين بطنجة (يونيو 2013).

إن صاحب هذه اليوميات أراد حصر يومياته، في زمن يرجع للحظات التي كان فيها تلميذا، سواء بالمرحلة الابتدائية أو الإعدادية والثانوية... لحظات تتوزع بين مدينتي أصيلا والقصر الكبير، فبين جنبات هاتين المدينتين، ترقد تفاصيل كثيرة وغنية، شهدتها حياة هذا الشاعر الذي حرص وقتئذ على زيارة المكتبة البلدية بكل من المدينتين. وارتاد فضاءات كانت سببا في تفتح آفاقه المعرفية، وتوجيهه على دروب القراءة والاكتشاف... ولا ينسى أن يعدد ويذكر أفضال وحسنات جملة من الأساتذة الذين رفدوه بكل ما يشجعه على مواصلة مشواره التعليمي والتثقيفي، ويغطس به في آبار المعرفة الأدبية وخصوصا في مظاهرها الشعرية المتنوعة.

في يومياته التي تؤرخ لمحطات أساسية في تكوينه الأدبي، ونشأته الشعرية، يشير للكثير من أسماء الدواوين التي أخذت بعلقه وقلبه، لشعراء كبار كان لهم الآثار البالغة على الساحة الشعرية زمنئذ، أسماء لشعراء ألقوا بحصات الإبداع الشعري في البركات التي أبت إلا أن تحدث خريرا وهديرا، قاصدة المزيد من التدفق والإشعاع، كالمتنبي، والبحتري، وشعراء الجاهلية قديما. وبدر شاكر السياب. والشابي، والبياتي، وخليل حاوي، ولوركا... وغيرهم لاحقا.

لم يكتف المهدي أخريف بالنهل من المدونة الشعرية وحدها، بل توسعت اهتمامته لتشمل حقولا أخرى: كالتاريخ الأدبي وقضايا فكرية وثقافية متنوعة.

وفي كل قراءة لم يكن يغفل تجربته في الكتابة التي كانت تزاوج بين النثر والشعر، مع الإشارة لبعض المحاولات من قصائده الأولى، التي يرسلها لبعض المنابر وتحظى بالاهتمام والنشر... علامات مشعة ضخت فيه دماء الحياة والتشجيع، رغم بعض المضايقات التي جوبه بها من طرف أصدقاء ومعارف لم تكن لديهم الشجاعة الكافية للاحتفاء بما كان يقرأه عليهم من إبداعاته ومحاولاته الأولى !... إلا أن الضربة التي تصيب المرء ولا تقتله لا تزيد إلا قوة وإصرارا....

بهذه الأريحية والتفاني في حب القراءة، وشغف بأبجدية الكتابة، واصل المهدي أخريف مسيرته في البناء والتكوين تحذوه رغبة في التألق واليناعة والمجد الأدبي.

يوميات الشاعر والمترجم المهدي أخريف، لم تنسى أو تتناسى وصف الحالة الأسرية والاجتماعية والاقتصادية التي أرخت بظلالها على عقله ووجدانه. حالة بسيطة وجد متواضعة، لا تسعف على الارتياح واليسار والتمتع بحبوحة العيش. فكم كانت سعادته هو: يقتنص فرصا لتناول وجبات لم يألفها صاحبنا بمنزل أسرته، فرص استثنائية تجعله يقبل على الحياة بشهوة أكبر، وبأحاسيس متجددة. حالة أسرية عويصة وصعبة جعلته يقبل على الدرس والتحصيل بكل قواه. مستحضرا نصب عينيه تلك الوصايا والنصائح التي كان يتزود بها من لدن أبويه، فها هو أباه الذي أعياه الزمن، وهدته مطالب العيش، يبعث له بالرسالة تلو الأخرى، مع بعض اللوازم والحوائج وهو تلميذ بداخلية ثانوية –المحمدي- بمدينة القصر الكبير موطن ولادته (بالنواحي). أيام جافة وعاصفة، لكنها حلوة وسائغة لما درته على الشاعر الذي كان يتلمس طريقه للنجاح والمجد.

في هذه اليوميات يعرفنا –المهدي أخريف- على رحلاته للبادية (بني عروس) وخصوصا في أيام العطل الصيفية: عطل ومناسبات وفرت له كل ما تلذه نفسه ويرتاح له قلبه من اللعب، والإندفان في لذائذ الأحبة من الجد والأعمام والأخوال وباقي الجوقة، تنضاف لهذه اللذائذ: لذة الرعي بنواحي "سيدي مشيش" وقرية "دار الحائط".... ولا ننسى رفقته بأبيه في رحلات القنص التي أعلن فشله فيها... لذائذ باذخة عاشها الفتى، ولحظات فاقعة الألوان لا يريد أن تغيب وتنمحي من ذاكرته.

يعرج كذلك على أبرز الأحداث التي كانت تعيشها أيامه، سواء كانت أحداث دولية أو وطنية: سياسية، وتاريخية، ورياضية، وفنية، وثقافية، وعمرانية. هذه الأخيرة التي تمنحنا صورة واضحة على الحركة العمرانية لكل من مدنية أصيلة والقصر الكبير: أصيلا بأزقتها وساحتها ومكتبتها البلدية ومطاعمها وفنادقها ومؤسساتها التربوية والتعليمية، وشخصياتها التي حركت سواكن المهدي أخريف، وأغنت خياله، وهي التي أعطته العون والمدد... عارمة المواقف، مؤثرة التوجيهات التي كان يجنيها من هذا الأستاذ أو ذاك، حرص على الامتثال لها والسير على نهجها، واعتزازه بذكراها كبير.....

بيوميات "بين القصرين" استنبت المهدي أخري فصلا قصيرا أسماه: "أشخاص عرفتهم" وفيه يسترجع خطوطا عريضة، كانت سببا في معرفته بهؤلاء. أشخاص تختلف انتماءاتهم الطبقية والمكانية والثقافية، وتعددت مشاربهم في الحياة، كما هي اهتماماتهم بالمجالات التي يحلو لهم الاسترفاد منها. فهذا الفيلسوف، وكذا الرياضي، وآخر الدكتور.... الخ. حبل متين وصداقة رائعة جمعا الكاتب بهذه الشلة الجميلة.

ليختم سفره الممتع بملحق لبعض صور الشاعر، والذي استهله بصورة شخصية له، تعود لتاريخ 12/5/1965. وصور أخرى تجمعه بجده وأبيه وبعض إخوته. كما ضم هذا الملحق صور ترجع به للفترة التي كان فيها تلميذا بالقسم الداخلي بمدينة القصر الكبير، لم يغفل أن يثبت في ملحقه هذا، مصورتين لقصيدتين تجسدان مرحلة الشعرية الأولى هما: "زمن التيه والأصفار" و"ليل وشوق وفجر"، قصيدة سبق أن نشرت بمجلة "الميدان" التي كانت تصدر آنذاك.

كتاب "بين القصرين : يوميات شاعر ناشئ" يضم بين صفحاته تجرية تستحق أن تعرف وتقرأ، فهي تجربة وإن كانت تخص صاحبها بمفرده، إلا أنها تتقاطع وتتمدد لتأخذ بعدا جماعيا، وتضحى تجربة يتشارك معها كل الأفراد الذين عايشوا تلك الفترة بقضها وقضيضها. وطورا تصبح تجربة غنية لا تخلو من إشارات وتنبيهات للبحث التاريخي، وإعمال الذاكرة في رصف شتى العناصر والنقط المغنية للفكر والثقافة، كما أنها تطلع الباحث والدارس على ما إن درس وأهمل. وتلك بعض من أبرز الوظائف التي تضطلع بها أمثال هذه الكتابة (يوميات، مذكرات، رحلات، سيرة ذاتية وغيرية....).

يوميات المهدي أخريف إضافة نوعية في محتوياتها وسائر المعلومات التي حوتها. إنها وثيقة تساعدنا على فهم مجريات الشروط التاريخية والأدبية والسوسيوثقافية والعمرانية بكل من أصيلا والقصر الكبير وحتى تطوان، لا يسعنا في نهاية هذه القراءة إلا أن نحيي مؤلفها الذي فتح نافذة أخرى على جانب من جوانب الأدب والثقافة المغربيين.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2521 المصادف: 2013-07-31 02:31:10