المثقف - قراءات نقدية

قراءة في المجموعة القصصية القصيرة جدا: المصابيح العمياء للقاص العراقي حميد الحريزي

ahmad fadelعندما نقرأ واقعنا المأزوم بحروف قليلة: قد تكون المجموعة القصصية القصيرة "المصابيح العمياء" للقاص والروائي العراقي حميد الحريزي دافعا للحديث عن هذا الجنس الأدبي الذي تعددت الآراء والمواقف بشأنه وهي نفس الأسباب التي أثارتها قصيدة النثر وقت ظهورها في اربعينيات القرن المنصرم، ومع أن هذا الموضوع قد أشبعه الباحثون والنقاد كتابة وتحليلا منذ تعرف الشارع الثقافي عليه كوليد جديد في عائلة القصة القصيرة، لذا فإنني لن أضيف شيئا عليه سوى شذرات قليلة مرت بخاطري وأنا أحاول قراءة هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا أخص منها التعريف الذي اتفق الجميع عليه وهو تفردها بقصر حجمها وإيحاءها المكثف ونزعتها السردية الموجزة ومقصديتها الرمزية، والتلميح والاقتضاب والتجريب والجملة القصيرة الموسومة بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث .

 ومما أتذكره من تلك الشذرات أن همنغواي كتب ذات مرة قصة تتألف من ستة كلمات هي: " للبيع: حذاء طفل لم يستخدم بعد "، بعدها بعدة عقود كتب أحد النقاد الأمريكان مقالا مطولا عنها قال في نهايته:

- قد يكون همنغواي من أوائل من تناول كتابة القصة القصيرة جدا أو ما يطلق عليها بالخيال المفاجئ الذي نما وترعرع بعد ذلك وليصبح اللون الذي يفضله العديد من كتاب القصة في أنحاء واسعة من العالم مع أنه من اصعب ألوانها .

هنا في العراق برز هذا الجنس من الأدب في مستهل ثلاثينيات القرن الماضي على يد القاص نوئيل رسام ثم تبعه إبراهيم أحمد وخالد حبيب الراوي كما يذكر ذلك الناقد جمال نوري في بحثه القيم " عبد المجيد لطفي وريادة القصة القصيرة جدا في العراق "، متناولا ريادته مع تلك الأسماء عبر مجموعته " اصداء الزمن " الصادرة عام 1938، وبهذا نكون قد سبقنا المغرب مع ما قدمه هذا البلد من أسماء لامعة في هذا المجال أمثال الحسين زروق، جمال بوطيب، محمد العتروس، سعيد بوكرامي، سعيد منتسب، عبد الله المتقي وأسماء أخرى أشار إليها الدكتور جميل حمداوي في ببلوغرافيته عن القصة القصيرة جدا في المغرب .

ومنذ نوئيل رسام لم يتوقف القاص العراقي من تناوله لهذا الجنس من الأدب حتى ألفيتنا الثالثة هذه التي شهدت بروز أسماء لامعة مثل الدكتور أحمد جار الله وبولص آدم ونواف خلف السنجاري والأديب والقاص الطبيب عامر هشام الصفار ونهار حسب الله يحيى وآخرون، منهم حميد الحريزي الذي سنتوقف مع مجموعته القصصية القصيرة جدا " المصابيح العمياء " التي حظيت مخطوطتها التي أرسلها لي بكل هذا الكلام .

وحميد الحريزي أحد هؤلاء الذي لم يفته تناولها مع أنه متعدد الكتابة شعرا ومقالة ونقدا، فقدم العشرات منها والتي تميزت بوعي كاتبها المتمثل بمفردات الواقع وشخصياته وقدرته على صياغة هذه المفردات في مناسبات طبيعية غير مقحمة، مازجا فيها الجد بالهزل الذي يصل حد الكوميديا السوداء، احتوت " المصابيح العمياء " على أكثر من 50 قصة قصيرة جدا يستطيع القارئ أن يتم قراءتها في وقت قصير جدا، لكنه سيتوقف طويلا أمام معانيها وحكمتها وطرافتها إضافة إلى حبكتها القصصية ولغتها السهلة، ومع أول قصصها التي حملت عنوان " فواتير " يمكن من خلالها التعرف على الخط العام الذي انتهجه الكاتب وهو يقدم لنا هذه الباقة المختارة من قصصه، في هذه القصة يصور لنا السارد برمزية عالية ومختصرة كيف أننا نعيش ونتناسل وسط دوامة الحياة التي تريد منا أن نكون مجرد فاتورة للدفع لامجال لتأجيلها حيث ابتدأها قائلا:

" جيوبه حبلى بعدة قوائم، تتناسل بالافتقار، اضحت جيوشا من فواتير تلاحقه، ألقى اليأس القبض عليه، تطايرت علاماته الاستفهامية صوب صورة ( بو عزيزي) مستلما منه إشارة القبول."، هكذا تنتهي القصة وكأنما يريد كاتبها أن نكون بمستوى الشاب التونسي الذي أضرم النار في جسده احتجاجا على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بوزيد لعربته التي كان يبيع عليها الخضار والفواكه وهي مصدر رزقه الوحيد، المغزى نفسه يمكن التعرف عليه في قصص المجموعة الأخرى " موت مؤلف "، " الرغيف "، المحاضر "التي نقرأ فيها:

"ضمن بثها المباشر، نقلت الفضائيات محاضرته حول آليات ومفهوم حرية المرأة لاقت استحسان أنصار الحرية والمساواة، استلم مكافئته المجزية من إدارة الفضائية، عرج على سوق الحريم مبتاعا لزوجته مزيدا من (الحجابات)"، القصة أثارت بمغزاها العام سؤالا مهما حول الكيفية التي يتوجه بها المثقف أو رجل الإعلام لجمهور واسع من الناس بوجهين مختلفين أو رأيين متضادين وهذا ما نجده فعلا في بعض أقوال من هم على شاكلة أولئك الذين يمطروننا يوميا عبر مختلف الفضائيات بأحاديثهم البعيدة عن الواقع، في النهاية تبقى إثارة الأسئلة هي جزء لا يتجزء من عملية بناء القصة القصيرة جدا وهذا ما نجده في عدد كبير من قصص المجموعة منها: " أوهام " و" الصورة " و" إني صائم " و" القناع " و" المصادرة " و" صلاة الثعالب " و" ابتسامة العفن "، هذه الأسئلة سبق وان جعلها عددا من الكتاب الغربيين أساسا ووسيلة للدخول إلى عقل وقلب القارئ في جعله شريكا في أحداث العمل القصي كالروائي الإنكليزي أوزبورن وإيان ماك إيوان وبول بولز، وهذا ما سعى له الحريزي من خلال كتاباته الجريئة، الصلبة، المتحسسة المعنى ، والتي صنعها بمهارة مع تميز كاتبها باختياره المواقف المناسبة لها وباحثا فيها عن المغزى العام لأحداثها وأبطالها المأزومون دائما بصعوبة الحياة .

في انتقالة اخرى لبعض قصص المجموعة نتوقف أمام قصة " رقصة الأنا " التي دغدغت وجداننا بحكمتها ودلالاتها وعمقها النفسي نقرأ فيها:

" أنا سأفتديك بروحي، أنا أضحي بكل شيئ من أجل حبك، أنا لا أقوى على الحياة من بعدك، تهتز السفينة التي تقلهم، تحطمها الأمواج، اللوح الطافي لايحتملهما معا، يزيحها، تتلقفها الأمواج، يرقص القرش على أنغام الآنا ..."، والأنا التي استخدمها هنا القاص الحريزي هي مبعث النشاط الإرادي للفرد كما وصفها فرويد في الخير والشر، ولما كانت هي مركزا للشعور فإنها يمكن أن تتأرجح بين الرغبات وما يعترضها من " الهو " و" العالم الخارجي "، والقصة اتبعت بأحداثها ذلك الشعور القلق بين الحياة والموت حيث كانت النتيجة رمي الحبيبة في البحر، هذه النهايات المفجعة الغارقة بالبكاء والضحك متوغلة في فنية النص القصصي المفعم بالتكنيك البنائي والذي يظهر مع مجموعة أخرى منها كقصة " المصابيح العمياء " والتي منحها شرف حمل العنوان الرئيسي لمجموعته القصصية القصيرة  ومع أنها تنتمي إلى مقصديتها الرمزية الباذخة بالسخرية، لكنها تفضح بذات الوقت الرغبات الجامحة المليئة بالأنانية العاطفية حيث نقرأ فيها:

" يا ألله ما أجمل هذا القوام الرشيق، ما أشهى هذه القباب الرجراجة، ما أبدع هذه الأرجل المدمة ... ما أسعد زوجها أو حبيبها بها .. تجاوزها خدرا بعطرها الأخاذ .. التفت إلى الخلف كي يتعرف على صاحبة هذا القوام الساحر ... يا .. إنها .. إنها أم .. أطرق إلى الأرض خجلا، رافقها نحو السوق، قرر استبدال مصابيح غرفة نومه " .

 وكذلك " البكاء المزدوج " و" المفتاح " التي تنتهي بعدد من علامات الإستفهام نقرأ فيها:

" عليه الذهاب فورا لفتح شعبة المختبر استعدادا لإجراء عملية سحب وإعطاء الدم لعشرات الجرحى اللذين جلبتهم الإسعافات من الجبهة، المفتاح مفقود، فتش في كل مكان دون جدوى، عليه أن يخبر الآمر بكسر الباب وتحمل الاهانة والعقوبة، تناول جورابه للبس حذائه، ما إن سحب الجوراب الثاني حتى ظهرت المفاتيح في بطن الحذاء، تركته قافلة المجازين ...

هل حدث لكم مثل هذا ؟؟؟ "

علامات الاستفهام هذه نقرأها أيضا في قصة " الشيب الأسود " و" التفئير "، ومع انتقالنا إلى قصة " الرأس المقطوع " نكون قد ولجنا جانبا آخرا من اشتغالات الحريزي في هذا الجنس من الأدب، فهو يتناول السخرية التي تصل حد البكاء في قصص المجموعة الأخيرة خاصة في قصة " الشرف " التي نقرأ فيها:

" ندوات، محاضرات في الداخل والخارج، إيفادات، استقدام خبرات من الدول الصديقة والشقيقة للحد من ظاهرة الفساد المستشرية في البلاد .. بعد أشهر من المداولات لم تتوصل اللجنة إلى تعريف توافقي للشرف والشريف، فعلقت أعمالها لاحتلال آخر ....... "، و" الضرة " و" الإمتحان " و" العقد " و" الكشف " و" النجوم " التي نطوي بها الصفحات الأخيرة من هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا التي قالت ما لم تقله روايات طويلة مليئة بالثرثرة والسرد الجامد الجاف كما يقول عنها الناقد اليمني المعروف عبد العزيز المقالح والتي أغوت الكثير من كتاب الرواية والقصة كتابتها .

 

 

أحمد فاضل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة مهمة للأستاذ احمد فاضل عن أدب القصة القصيرة جدا في العراق ومجموعة القاص الحريزي بالذات.. أننا بأمّس الحاجة اليوم لمثل هذه الدراسات التي تحاول الغوص في واقع القصة القصيرة جدا في العراق وتوثيق نتاجاتها وقراءة دلالاتها واساليبها الفنية وبنائها الحكائي والرمزي. وهي الدعوة مني لنقاد الأدب من العراقيين للأنتباه لموضوعة القصة القصيرة جدا في العراق وكتّابها.. فكم حرّي أدب فرج ياسين القصصي الحديث وأدب القاص زيد الشهيد مثلا بمثل هذه الدراسات. ولا بد هنا من التنويه الى الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا والتي تشكلّت هذا العام في المغرب كما لابد من التنويه للمبادرات الأدبية العراقية في تلاقح الثقافات مع كتّاب القصة القصيرة جدا من دول أوربية و خاصة بريطانيا مما يتيح الأفادة من تطورات أدب القصة القصيرة جدا في العالم.. تحياتي لقلمك أستاذ أحمد فاضل وما يبدع..

عامر هشام الصفار
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2522 المصادف: 2013-08-01 02:01:29