المثقف - قراءات نقدية

تجليات الواقع والخيال في رواية طوفان صدفي

rahman khodairabasرواية طوفان صدفي للكاتب العراقي سعدي عوض الزيدي، تتمرد على الصيغ المألوفة في السرد . فهي لاتمنح نفسها  بسهولة . لتقدم لنا بانوراما شاسعة الأبعاد، متعددة المشاهد،مختلفة في صياغاتها الزمنية والمكانية، وكأنها تُنتج على صفائح اسطوانية لخداع البصر . حيث يتكثف السرد، وتتراكم الصور ضمن اطار اللوحة . ولعل الأنغمار في فكرة الطوفان والتركيز عليه في بناء الحدث وسيرورة ابعاده . ومسيرة ابطاله تجعل منه مفهوما شاملا . لذالك فالأحداث تستعير ميثولوجيا الطوفان ولاتلتزم بها،حيث يطرح الكاتب سلسلة من الطوفانات تجتاح ذالك المكان غير المعلن في زمن غير معروف . ولعل اكثر هذه الطوفانات همجية هو الطوفان الصدفي الذي اغرق البلاد والعباد .كما تتكأ الرواية على ميثولوجيا البطولة الفردية لأبراهيم  جد البشرية وكذالك اسماعيل ولكنه يجردهما من صفاتهما المعروفة ويضفي لهما صفات اخرى، وهذا الأمريندرج ضمن الفهم الأفلاطوني للأسطورة باعتبارها (طريقة للتعبير عن الرأي وليس عن الحقيقة)، في عملية من التكثيف الرمزي، الذي ينفذ الى عمق الفكرة اويطفو على سطحها . فهناك ايقاع سردي مكثف يحاول ان يتجاوز الأمكنة، ويخترق الأزمنة في ميكانيكية الغزو وتلقيه، الأنتصار والهزيمة، الشعوب الغازية والشعوب المغزوّة . انه  ليس ذالك الطوفان الماحق الذي غمر الأرض من اجل ولادة جديدة، معيدا فكرة الأثم البشري الذي عولج بهذا اليم الهائل من اجل تطهيره. فالرواية تستعير من الأنثروبولوجيا قدرة الطوفان التدميرية وليس التطهيرية، وهكذا يتحول الى حالة من الصراع الأبدي بين القاتل والضحية .

لقد بنى الكاتب لأبراهيم ألأنقطاعي قدرات ملحمية فذة . فها هو يحمي القرية من الأنكشارية في طوفانهم الأول، كما يحتج على غمر الوادي، ايام ما سمته الرواية عام العطونة، وذالك نتيجة للتحلل الأخلاقي الذي مورس ضد الأطفال . ويبقى هاجس ابراهيم هو الحفاظ على على سيوف الأجداد "إنّ مدينة الأجداد ستندثر والسيوف الموضوعة على جدران الغرف سيطمرها الماء.. ص11" ومع انه يتمرد على سليمان القانوني مؤكدا على ان العدل يبدا وينتهي عند حمورابي . وحينما يعلن الوالي هدر دم ابراهيم، يغادر المدينة التي خسرته " خسرت المدينة ابراهيم، ولكن ابراهيم لم يخسر فرسه ..ص13"  ولكنه يبقى حاملا الوصايا التي اسرّها له الشيخ . يهرب من المدينة ويعود اليها  . يضاجع كل النسوة من اجل زرع بذرة الذرية التي يجب ان تتواصل . ابراهيم اختار نائلة بنت الشيخ وفرسه الأصيلة، وظل يظهر في المدن ويغيب عنها، ساهرا على الوصايا وعلى مقاومة الغزاة . ومع انهم انتصروا عليه لكنهم لم يكسروا شوكته .. وهكذا نجد ان الكاتب يؤكد على صيانة القيم الموروثة، مقدما لنا نموذج غير قابل للوجود وهو ابراهيم الأنقطاعي وكأنه يستله من الأساطير القديمة، ولكنه يسعى الى بناء شخصيته وما يتلائم مع فحوى النص . فقد جعله يعيش دهورا، كما ان بطولاته وصولاته تتجاوز الرقعة الزمنية المرسومة للبشر، وكأنه كلكامش ولكنه لايبحث عن الخلود، بل عن خلود الموروث المتمثل بالذريّة وبصيانة ماتركه السلف من آثار ووصايا ولقى وسيوف . هذا الموروث الذي كان يخشى عليه من الغرباء . وحين رزق بولده الوحيد إسماعيل، احس بعودة الحياة اليه .

اما اسماعيل فرغم انه خليفة ابيه في استلهام الوصايا ومحاربة الغزاة . ولكن اسماعيل لاينضج . يبقى طفلا على مدى الدهور . ان طفولته الأزلية تجعله ساذجا، غير قادر على استنتاج المخاطر .لقد استمر الراوي على ذات النسق السردي، من خلال طوفانه الصدفي الأخير الذي يلبس حلة الغزاة البرص والذين يرطنون بلغة غير مفهومة، ولكنهم يبحثون عن الآثار - عصارة الفكر الأنساني القديم - ويحاولون ان يدرسوا هذه الشعوب البدائية . اسماعيل الطفل تنضجه المحن والكوارث والهزائم . فقد كان امينا على اخفاء الوصايا، أمينا على صونها . اسماعيل الطفل يقفز الى شيخوخة متزنة ويحمي تراث ابيه . وتراث القرية التي اغرقها الطوفان والقتل والتدمير ." بدأ إسماعيل يتجلى شيخا كبيرا وتحول من ذالك الطفل الساكن الى روح سامقة  ص73 "

لقد كان الكاتب ملما في تصعيد الأحداث حتى تبلغ الذروة .كما انه يختزن الرمز ويكثفه من اجل نثر دلالاته على متن النص . ورغم لغة الأعادة التي تقتضي شيئا من الضغط على المتن اللغوي من اجل ان يبقى اقل شحنة . ولكنه - اي الكاتب - كان متأزما، لم يستطع كبح طوفان اللغة التي كانت تتحرك كالأعصار . ومع انه كتب هذه الرواية خلال مراحل زمنية مختلفة . زمن الكتاتورية وزمن الغزو والتغيير . لكنه حاول أنْ يحافظ على نسقية النص وكشف مدلولاته . ولكن كثافة الرمز كانت اقوى في المرحلة الأولى . اما المرحلة الأخيرة، فقد انطوى النص على دلالات مغلفة بغلالة شفافة من الرمز . ومع ذالك فالنص في مجمله يشكل رفضا للغزو الأخير الذي اغرق البلاد في فوضى قاتلة . ولأن الكاتب يمتلك مهارة في ادارة دفة النص فلم يسقط في فخ المباشرة او اللغة الهتافية . وانما استمرفي تألقه حتى تشرب النص بلغة اشبه بالشعر او النثر المركز، وذالك من خلال حالة التجلي في روح النص الذي ينبني على حقائق او اوهام ." ما قيل عن ابراهيم الأنقطاعي ليس حقيقيا، وليس هناك من قرية غمرتها المياه.. ص29" هذا ما ورد في نص الرواية مما يحيل القاريء الى معنى الخطاب الروائي . هل هو نقل الوقائع  كما وردت في كتب التأريخ الموروثة، ام دفعها الى دائرة المتخيل من النص ؟ كان يسرد المتن وبعد ان يغرقه في متاهات واخيلة يعود الى نفيه مرة اخرى، ولكنه يستمر في لعبة السرد من خلال القبض على الحلم متلبسا بالوهم . حتى يصل الى درجة السخرية من حركة التلقين التي أخفت الحقائق، واستندت الى اكاذيب .هذا ما باح به معلم القرية الذي كان قرينا لاسماعيل " خسرنا إسماعيل إذ لم يصدق حقيقتنا الواهنة، فقد كان يخوض في لجة الخلاص،  وهذا السر في انه واباه حرما من ايضاح التدوين ..ص69" .

الرواية في مجملها تؤسس لذات مقهورة . ليس القهر فرديا وانما قهر عام شامل . كما ان ليس له سقف زمني وانما يمتد من سقوط بغداد الأول على يد المغول،الى سقوطها الثاني على ايدي رعاة البقر.والمفارقة بين الأثنين ان المغول كانوا رعاة بقر ايضا ولكن بغداد - قرية الرواية - كانت ترفل بالعلم والمعرفة انذاك، اما الطوفان الصدفي الأخير فقد أجهز على القرية اياها ،وهي مجردة الآ من مخزون المعرفة القابع في دهاليز ابراهيم . كما ان الرواية قد اشارت بشكل مباشر الى سقوط النظام، وهروب جنوده من المعركة " مثلما حدث في قريتنا، في أنه نظرت الى جنود السلطان بشماتة تصل احيانا الى السخرية من اولئك الذين يمضون في الأحراش حفاة وبعضهم عراة بلا هيبة او نياشين..واحد من البقالين تحول دكانه الى مشجب للسلاح الذي استبدله الفارون بثياب عربية..ص72" لذا فلهزيمة تبدا من داخل الروح، وهي التي تستقطب الغزاة . كما أنّ ديمومة الوجع عبر الدهور ستستمر اذا لم نتبين هذه المعادلة: الوعي بالعالم والقدرة على ادراك متطلباته، ام الأنفصال عنه، والا مافائدة احتفاظنا بموروث الوصايا ان لم نكن قادرين على ترجمته الى واقع؟. هذا في تقديري ما ارادت الرواية ان تحمله في عملية وصفية متأنية لملحمة من الأوجاع والمآسي والموت والقتل والعذاب .

كان مفهوم الفحولة  الذكورية مقرونا بالبطولة، لذالك كان ابراهيم الأنقطاعي فحلا في كونها ضاجع كل نساء القرية، من اجل زرع ذريّة جديدة بعد ان مات رجال المدن . المضاجعة الجنسية هنا تشبه عملية تخصيب الأرض، والمرأة هي موضوع الجنس، وهي المتلقية له وغير المشاركة، وحتى نائلة بنت الشيخ كانت اهميتها الأنجاب ايضا . واهميتها تأتي متأخرة عن اهمية الفرس . ورغم ذالك فان النسوة كنّ يرفضن ذهاب ازواجهن الى الحرب ألم تحاول احداهن أنْ تبصق على الشيخ ؟، كما كانت المرأة وسيلة لكسر شوكة الشعوب المهزومة من خلال اتخاذ النساء سبايا او خليلات . اما اسماعيل الفاقد لبلوغه فقد اصبح نكتة، لأنه بقي طفلا وتأخر عن سن الفحولة . ولكن حدة الطوفان الصدفي هي التي انضجته، ولكن بعد فوات الأوان فقد تحجر والتف الصدف على جسده ليحوله الى تمثال لاحول له ولاقوة .

لقد كانت رواية الكاتب سعدي عوض الزيدي مكتنزة بطاقات نثرية عالية، ومخزون لغوي رائع حتى تقترب من الشعر في كثير من مقاطعها .اضافة الى انها مفتوحة على احتمالات وتأويلات مختلفة . ولكن ما يعاب عليها هو اهماله للفواصل بين الجمل، حيث تحتمل الجملة معنى مختلف مما يتطلبه السياق .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2523 المصادف: 2013-08-02 01:31:58