المثقف - قراءات نقدية

في ديوانه الجديد "أطفئيني بنارِك".. يحيى السماوي يعانقُ المساءات قبلَ أن يسرقَ الضوءُ خرائطَ أحلامه

intwan alkazziيحلّقُ يحيى السماوي في سماءاتِ القصيدة، ناسجاً من أكمام النخيل ثوباً لغمام قوافيه، حارساً لبوابة الضوءِ يشعلُ مناراتٍ للهزاراتِ العابرة.

"أطفئيني بنارك" ديوانُه المنذورُ للهوى الذي أثقلته الجراح، يرفل صلاةً، يستمطرُ أقباس أسحارٍ  غافلتها أجنحةٌ تحرقُ الأمداء وتنثر الخطايا قوتاً لسماسرةِ الجوع.

يطلّ يحيى السماوي وأرغفة قلبهِ مبلّلةٌ بدموعِ دجلةَ وجراحِ الفرات، يهجعُ بيَراعهِ إلى كهفٍ غريب وهناك تعبثُ الريشة بجدائلِ ظلامٍ مجنون.

"أطفئيني بنارك"، نبضٌ آخر من لواعج السماوي، تحفرُ تنهيدتُه ندوباً جدباءَ بين السماوة وحدودِ الأسى، بين بوادي العشق وخرائبِ الزمن المدجّج بالموت.

شاعرٌ يستجيرُ بالشمس ولا ضوءَ يهدي بصيرتَه، يغافلُ جفافَ الضفافِ الى تفاحةِ الفردوس، علّهُ يستعيدُ حلماً  من ليلِ شهرزاد.

هي غراسُه تنتظر ربيعاً آخر، هو ظمأهُ يساكنُ خريفَ المواسم، هي قافيتُه تملأ أكواباً خاوية إلاّ من الحنين.

159-yahiaيحيى السماوي، لا يستأذنُ الريح، يشقُّ أمواجَ الشعر، يرفعُ أشرعتَه، يبلّلُ الآفاقَ بحبرِ ذاك النهرِ الذي غافلهُ السبات.

حروفُه جزرٌ سندبادية، ومواقيتُه ترصد هجرةَ الطيور، وأرَقُه الممتدُّ كما السراب، يفتِّش عن خابيةٍ تلاحقُ عطشَ الشفاه.  يزفُّ الكلماتِ الى عرائسَ تبحثُ عن الفرح، إلى اغراسٍ تفتشُ عن جلول، والى عصافيرَ غافلتها الأغصان.

ليسَ للسماوي أن يبوح، فصمتُه المدوّي أعمقُ من جراحِ العاشقين، وليسَ لهُ أنْ يكتب، فسطورُه الولهى أمداءٌ للهاثٍ تائه، ووميضُه سراجٌ في جحورِ الذين أدمنوا الظلُمات.

هناك ترقصُ القناديل، حيث خبّأ الأمسُ حكايا الأمَّهات، وهنا تنزفُ الأبياتُ غنجاً لحوريةٍ ترسمُ رموشاً للمرايا.

هناك ساهر القيثارُ عبورَ العنادل، وهنا أيقظَ الصراخُ هجيرَ الرمال.

هناك شياطينُ الشعر تألفُ همسَ الدياجي، وهنا تنحني المناراتُ على قبورِ الأحياء.

يحيى السماوي، يشقُّ الخيالَ ليسبرَ الحقيقة، ينزفُ نداهُ بلاسمَ للأقاح، ويهزُّ بيديهِ سريرَ البردِ ليوقظَ طفلاً دفنتهُ عشتار منذ ألفي عام.

يحيى السماوي الذي أبدل "السواحل بالسواقي والكمنجة بالهديل" ،لا يبدل الشعر إلا بالشعر ولا يستلذُّ السيرَ إلاّ على نبضِ النجيع،  ولا يفترشُ الا النهَداتِ محراباً لهيولاهُ وقوتاً لعنادلِه.

هو الذي أسكنَ الأنثى في مرآةِ عينيه، نسجَ من الآسِ أهداباً للغسَق وأوقدَ للطَلِّ مواقدَ تؤمُّها الرياحين.

في ذاكَ الروضِ عصَرَ عطورَه، وفي تلك الواحةِ اعتصم بحبلِ المياه، وفي ديوانِه الجديد نذورٌ توقظُ رماد الجبال، وولاداتٌ لشواطئَ تلفظُ أكسيرَ الإنتظار.

لا تخذلُه اللغة، ولا يعتريهِ نعاسٌ ولا تسرقُه الغفلة. تؤتاهُ أجنحة القصيدةِ على رفيفِ اللذةِ لترصدَ في أناملِه خرائطَ البَوح، هو الذي طوّعَ أساطير المنافي " تعالَي أيتها الأحزان واستوطني على بستانِ صدري".

هناك يطيبُ ليحيى السماوي أن يقيمَ ، أن يكتب، أن يحصيَ الجراح، وهناك سيرورتُه تعانقُ المساءاتِ قبلَ أن تسرقَ أبوابُ الضوءِ خرائطَ أحلامه.

 

أنطوان القزي – رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية

.................

*"اطفئيني بنارك" ديوانٌ جديد للشاعر العراقي المقيم في أدلايد يحيى السماوي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

ما أروع كلماتك يحيى السماوي , هناك حيث عبق الأزهار وسنابل القمح وأسراب الطيور المهاجرة , هناك حيث رحلت في فضاء العشق الملهم لتللم شتات روحك وتبعث فيها الحياة , هناك أنت ترقد بين كلماتك وأريجها وزنبقها , لمستني بكل كلمة كتبتها , فالف تحية لك مع الف وردة عراقية لك , مودتي

حنان علي
This comment was minimized by the moderator on the site

يا ليت اصل إليك وأحصل على ديوانك من يديك أستاذ يحيى ...

حنان علي
This comment was minimized by the moderator on the site

قلم أخي الشاعر المبدع والإعلامي القدير أنطوان القزي نسيج وحده .. لا يماثله فيه إلآ هو ... أهم سمات قلم أخي أنطوان أنه يسيل شعرا حتى في مقالاته السياسية وافتتاحياته التي تتصدر صحيفة التلغراف الأسترالية .. ولا عجب بالنسبة لحامل وشاح رئاسة الجمهورية اللبنانية تثمينا لمنجزه الإبداعي ودوره الريادي في الصحافة العربية المهجرية ..

أقول صادقا : حجم الشعرية في نص أخي الشاعر أنطوان القزي عن ديواني ، أكبر من حجم الشعرية في أية قصيدة من قصائد الديوان .

قبلة بحجم فضاءات الشعر أضعها على جبين العاشق الصوفي المضاء بنور التبتل والمحبة الكونية : أنطوان القزي .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخت الجليلة حنان علي : محبتي النابضة إخاء ..

سأحمله إليك ذات غد سيدتي الأخت الجليلة ، أو : هو سيأتيك زحفا على أوراقه .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بابا نؤيلنا العراقي الكبير الشاعر يحيى السماوي يطير بعربته السحرية ...تجرها خيول حروفه النقية ...ينثر علينا هدايا عيد الميلاد الشعري الجديد...مبارك لك أيها النبيل ومبارك لنا بك .

صباح التميمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2549 المصادف: 2013-08-28 11:43:16