المثقف - قراءات نقدية

قراءة في قصائد (أزهار المعنى) للشاعر طلال الغوّار

talal algawar1- تحدّ:

تسللت مع مرارة القهوة مفردات قصيدة يطالعنا الزمن فيها -حينما- محددا لمعناها التاريخي الدقيق فعل – أحكموا

حينما

أحكموا قبضتهم على المدينة

ووزعوا الظلام

في كل مكان

 فكانت لحظة من تاريخ مجهول بدا رفض الشاعر الاعتراف بها جليا فأصبحت معلما أسيرا عائما في العتمة لان- هم- من وزعوا الظلام في كل مكان إنها لوحة مصبوغة من قاموس الظلام أكد بها الشاعر على قبح وبشاعة هذا الوجه القاتم المنبعث منه حزن الشاعر ومرارة أحاسيسه وصل إلى تعمده استعمال فعل-  وزعوا -بدلا عن نشروا ليؤكد عن براءة قيم الطبيعة من هذا الفعل السلبي للفاعل المجهول -هم- و فيه إشارة ضمنية لما يمكن أن يرافق الظلام من دسائس وخيانة وغدر –

أخذوا ينصبون الفخاخ

لقصائدي

لأنها وحدها

التي كانت تضيء

-الشاعر فعادة تنصب الفخاخ لقتل الأرواح وهنا نرى سمو القصيدة إلى مرتبة الروح وهو سمو الكلمة الحق ..الكلمة- القصيدة - لأنها وحدها التي كانت تضئ- وهنا يبين الشاعر سبب استهداف القصائد أليست هي المع مرآة عاكسة لجمال الروح والحياة والإبداع وهي النجم الذي يضئ في ظلام المرحلة يتحدى الأسر والعتمة و يكشفها فكانت القصيدة على شكلها فخا لجهلهم ونورا مضادا لظلامهم وهدما لقبضتهم ..فكأن الشاعر يقول لا خلود وسمو إلا بنشر النور وما كل موزع للظلام إلا وفيه ومعه فان بني القصيد...على ثنائية الظلام والضوء بكلمات واضحة وأسلوب شاعري سلس ..فكانت معزوفة تحد لأوجاع المرحلة بقلم الشاعر المبدع طلال الغوار

 

2- الشهيد

  حين- وجدتني برفقة الشمس أتابع تحت نورها وحرقتها مشهدا يقول إن مدينة غبارية اللون - احتضنت- فيه- شظايا الانفجار ذالك الصبي _وغابت الأم الحاضنة الطبيعية فكانت هديته من الحياة شظية وهديته من الشظية الشهادة في مشهد فزع ولوعة –

حين احتضنت-

 شظايا الانفجار

ذلك الصبي

هرع إليه الناس

لكنهم لم يجدوه

مع رغبة خفية في رؤية صورة الصبي بعد الشظية ...وهو من كان رمز الإقبال على الحياة واستمرارها والبراءة والتطلع للمستقبل وطلب العلم ..وكأن الشاعر يقول أن الشظايا تستهدف الحياة وجمالها- لكنهم لم يجدوه- هنا تتغير الصورة عن المألوف ويمتزج السرد بالحوار ليضفي الشاعر نوعا من الحياة لا تدل إلا على الحيرة المنقشعة يقول –

 قال احدهم-

 رأيت يد الشمس

تلم أشلائه

ثم أخذته إليها

 الشمس تقف مع _ الناس _ في ذهول لهذا التشخيص المميز لكوكب النور والحياة _ الشمس_ انه عنصر دلالي أراد به الشاعر لتأكيد انتصار الحق والنور والعدل و إرادة الحياة والبناء وإعادة التكوين من العبث وهي من _تلملم أشلاءه وأخذت الصبي _ الشهيد إليها _وما يد الشمس الا إشارة إلى قداسة أرواح الشهداء الخالدة هناك..وان مكانتهم دائما في الأعالي, أما شعريا فا ني أرى اتفاق الشاعر مع الشمس على إن لا موت تحت شعاعها المنير والحياة التي تحاول المفخخات والشظايا العبث بها على الأرض يعاد بعثها من نور الشمس......

 

3- أيها الحب

طالعنا الخطاب الموجه والمشحون بأنات ووجع يتجلى في التشخيص - أيها الحب _ المتعمد من قبل الشاعر إذ لا يخفي نبرة العتاب واللوم ..لينبعث من هذا البيت بخور التشويق و نحلق معه في رحلة على علو منخفض جدا في أعماق الشاعر وتطفو لنا من المفردات صراع الشاعر مع هذه القيمة المطلقة ..الحب وبحثه المستمر على كنهه وعن إرضاءه --فكم لوح _ الشاعر له بقصائد-ه-..وكم تفيدنا بالكثرة وتعدد المحاولات وكان القصيد يولد كل مرة من رحم الحب ويعود إليه مفسرا معللا مبحرا في أعماق الكلمات وجوهرها ...باحثا عن مفردات تعادل .تتناغم مع حالات الحب عاكسة للأحاسيس ولخلجات الروح ومدققة في نوع الفوضى وتضاربها في الأعماق وناقلة لنقرات النبض ..فيقول الشاعر:

 أسرفت كثيرا في تقصيك

 حتى آخر الكلمات

كي امسك بالمعنى

...-هكذا اختزل الشاعر رحلة البحث عن وجود تطابق بين اللغة الشعرية والحالة الروحية او حالة الحب التي يعيشها والتي قد لا توجد لغة تعبر عن عمق مداها ...فكانت كالمتاهة لا يمكن تحديد مخرجها تلك هي أغوار النفس الموغلة في التقلب والعتمة وهو ما يجعلها أقوى من اللغة ...بكل معاجمها ويولد مع كل حكاية جديدة معنى جديد..ونوع آخر من الأحاسيس ومن الانتفاضات الداخلية التي يعيشها الشاعر فيخاطبه معاتبا

 _ كنت تمنحني

 معارج لا تنتهي بأناشيدي

 حيث ترسم كل أنشودة حالة حب متجانسا في المطلق ومتنوع ومتضارب التفاصيل فيكون كل قصيد ة لوحة متفردة لحالة حب متفردة لشاعر متعطش ومتلهف على الإمساك بمعنى هذه القيمة الحية والملونة والمحنطة داخله ويتحول الحب من مارد زئبقي مجهول الى سجان

أحيانا تمنحي قفصا لأحلامي

 إنها إشارة ضمنية الى الخيبات واليأس انه الوجه القاتم للحب وتولد منها بداية جديدة ورحلة بحث وتقصي في تلاطم الأعماق وتكون جولة أخرى للكلمة والمعنى ومركبها القصيد ___

 وأنا أتقصاك في جدل المعنى

إن انغلاق القصيد على بدايته وكان الحب صخرة والشاعر سيزيف والقصيد سكن للأمل والبحث والتجدد في اللغة والمعنى ..ان بساطة المفردات وجمال الصور الشعرية المميزة في الطرافة والعمق جعل من القصيدة وشم على صدر اللغة العاجزة أمام الذات البشرية و بحور أحاسيسها المعقدة والمركبة انها وشم غجري في مدونة الشعر الحديث طابعها طلال الغوار

 

4- وحدها

رفرفت بتميزها وتفردها وإحساسه فكانت -وحدها -من اتخذت من الأسماء أجملها - حبيبة_الشاعر إن عمق تبصرها في أعماقه وهدوء أبحارها في كيانه جعلها بوصلة تهتدي إلى ----نجمه - رغم الظلام --في غابة الليل فيقول :

وحدها حبيبتي

من يستدّل إلى نجمي

في غابة الليل

إنها المرآة العاكسة لوجه الشاعر والوحيدة المستدلة غليه وسط كل الضباب والغموض وتشابه الحالات و تشعب السبل وتعدد النجوم فكانت المتضادات اللغوية تبرز قيمة الحبيبة الساكنة نجومية الشاعر فكانت من يستدل إلى نجمي في غابة الليل فكانت الزهرة المتفتحة والعطرة التي تنقاد إلى إحساس الشاعر وتعانق وجوده ووجدانه او ليس هي وحدها من --------ترى أحزانه- المخضبة بالفرح والحبلى بالآمال والحاضنة --للمغنى --إذ يقول الشاعر

وحدها ترى في أحزاني

أفقا مفتوحا على المغنى

فلبست الحبيبة حلة الروح المشعة على قصائد الشاعر فكانت صدى روحه المتوهجة توحدا مع القصيد فكانت الحبيبة هي القصيد اذ ---

وحدها من يرى

 قصائدي

روحا ترف على نوافذها

  وترتقي لتكون كساء لأحلام الشاعر وهي من ينبتها ويسقيها فتؤلف أعذب المعزوفات او ليس هي --------

وحدها من تعزف أحلامي

 في حنجرة الأشجار

 -بهذه الصورة البلاغية الرائعة حيث يلتقي فعل --تعزف -- مع  --حنجرة --- واسم -- الأحلام --- مع -- الأشجار - وكان الحبيبة نسائم الحياة جميلة كالأشجار مرفرفة كالأحلام ... هكذا تهت في غابة الحبيبة الملهمة ابنة القصيدة و حاضنتها والمتوحدة مع ذات الشاعر –النجم-  فكانت المفردات على قياس جمال روحها وكل القصيدة أراها محرابا لقمر ينير أحلام نجما .إنها القصيدة النجمة عند الشاعر طلال الغوار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2566 المصادف: 2013-09-14 14:27:25