المثقف - قراءات نقدية

التفسير الوجودي للنكسة في روايات برهان الخطيب

saleh alrazukإذا كانت رواية (ضباب في الظهيرة) لبرهان الخطيب قد صدرت بعد عام 1967 بعام واحد، فهذا يعني أنها تأثرت بالجو العام الذي أحبط فن الرواية، وأيقظه من سبات الحداثة. فقد مرت الرواية العربية بثلاث مراحل: 1- نهضة وتنوير (بلغة علماء الاجتماع) مع أنها كانت مرحلة اقتباس ومحاكاة. وللأسف هي أطول فترة من عمر هذا الفن الذي تطور في مخابر غريبة على المنطقة. فقد مهد له الطريق ديناميت وبارود ومطابع نابليون، ثم لعبت بعواطفه الخطط البوليسية للورنس العرب.

2- بعد ذلك عشرة سنوات من الضياع والتجريب  مع أطياف واقعية متعددة كانت اتباعية (بالمعنى الذي استعمله أدونيس في دراسة الشعر الكلاسيكي).

3- وأخيرا حداثة المعايير. وقد قامت بثورة على مستوى الأساليب من غير تسجيل ولو تبدل واحد في البنية التحتية. لقد كانت ثورة في الذهن، وتتحرك في عالم من الأمنيات.

و لم يكن فن الرواية بحاجة لشيء قدر حاجته للهزيمة وضياع الأرض ليفتح عينيه على الواقع الملموس، ولينتبه أنه فن متشرد، بلا أصول ولا ثوابت، فن متآكل، وانتحاري. وقد فتح ذلك الباب للحلقة الرابعة من عمر الرواية، وهي الحلقة الوجودية التي تلبس لبوسا عسكريا، أو ربما الأفضل أن نقول التي تهتم بمسائل التحرير وكسر قيود الاستعمار والتخلف، وما إلى ذلك من شعارات وعناوين شغلتنا لردح من الزمن.

فقد بدأت الوجودية أساسا في أوروبا لتهدي الإنسان لنفسه، ولتبعده عن شرور الحرب وخطاياها. ولكنها لدينا دخلت من الباب المعاكس. من تحليل ونقد مجتمع الهزيمة والدعوة لتحرير الأرض المغتصبة بقوة السلاح.

و هنا أراني مضطرا للتمييز بين طرفي المعادلة.

إن التفسير الوجودي للهزيمة يركز على مسائل من خارج بروباغاندا النظام المتلبك والغامض. ويتحدث عن أثر الهزيمة على الأفراد والمجتمع ولا يعرف كيف ينظر للأسباب. وبعبارة أخرى إن الوجودية تعتمد على إثارة مشاعر الشفقة والرهبة بغاية التطهر منها، كما هو مبدأ الاعتراف المسيحي أو حتى مبدأ التمثيل بالمحاكاة، والمقصود هنا الدراما كما هي عند الإغريق.

و هذه هي الصورة عند برهان الخطيب وأمثاله من البراغماتيين. لقد كانت هذه الزمرة من الشباب بعيدة عن بروباغاندا المعنى الاجتماعي والسياسي. لم ينهمك هؤلاء الشباب بالتبشير لغد ذهبي مشرق تحرسه ميليشيا لها عقيدة. ولكن من خلال شخصنة آلامهم وإسقاطها على مصير أفراد من النخبة رسموا صورة الخراب والرعب. وكان من الطبيعي أن تنظر نصوص رواياتهم للإنسان على أنه بقايا احتراق المعاناة العامة. وبالتالي إن مشاعر السخط والإحساس بالفوضى لم يكن ماديا، ولكنه يتطور داخل الذهن والنفس المتشائمة، المحاصرة بأوهامها وأنانياتها مع قليل من الشعارات.

و برأيي إن هذا هو جوهر الوجودية في أوروبا. فقد كانت المأساة بالرغم من عموميتها تترك لدى كل الأفراد إحساسا خاصا. ومن هنا سبب اندماج بقايا الفكر الرومنسي بمشاعر التأسي من الوجود.

إن الرومنسية ذات مشاهد أوسع، وعلى الرغم من عدم تحديد المعنى العاطفي ومردوده، فقد لعبت دورا هاما في تطوير الأحداث والحبكة. ولكن الوجودية ذات مشاهد ضيقة وغالبا ما يدور الحوار فيها بين أفراد متشابهين ولهم موقف موحد من الأحداث. وهم يتداولون بشؤون الساعة داخل مقهى أو غرفة العمل أو غرفة في بيت مقفل.

و هذا هو الحال في (ضباب في الظهيرة). إن للأحداث حركة بطيئة ومعدومة. تشبه حركة عقارب الساعة. ولكن وراء ذلك تقف دراما النفس البشرية التي تصارع من أجل البقاء والتطور ومن أجل الاستبصار أيضا. وغالبا تأتي النبوءات سوداء ومتعثرة وقليلة الحظ. ولا تترك أمامك مجالا لغير واحد من إثنين: الثورة وتحطيم الأصول أو التفكير بعقل الآخرين كما قال أنيس، وهو زميل بطل الرواية، في وقت مبكر من الأحداث ( ص 12).

***

إن أهم ما يميز هذه الرواية هو عدد الشخصيات. فهم ثلاثة ورديف رابع مثل أية رواية فرنسية نموذجية تتكلم عن العشق والحب الممنوع وأعباء الحياة المعاصرة. ولتكن رواية (صحراء الحب) لفرانسوا مورياك نموذجا. فعدد شخصياتها لا يزيد على أربعة. وهم الأب والابن والعشيقة التي يتنازعان عليها. مع وجود شبحي وخفيف ويكاد لا يذكر للشخصية الرابعة التي تحتمل وجهين: إنها الأم من طرف والزوجة من طرف آخر.

بالمثل عدد شخصيات (ضباب في الظهيرة) يبلغ أربعة. وهم ذات الكاتب الفنية بطل الرواية. ومعه رافد وأنيس. وفي الخلفية خيال آمال محبوبة بطل الرواية.

و كما أرى هذا هو الفرق الأساسي بين الأشكال الوجودية في الرواية. إنها موزعة بين هموم قومية وتفسير وطني. فالقوميون ينظرون للأحداث بمنظار مكبر. والشخصيات لديهم أكثر تنوعا وترتبط بخيط رفيع. وغالبا تحاول الإفلات من قبضة الواقع فتغرق نفسها في وسائل خلاص معروفة.. الموت بالانتحار، أو الشراب حتى يفقد الإنسان رشده، أو بالجنس الحرام. بمعنى الجنس وبالصدفة مع قليل من البغاء والعهر. ولا يخفى على أحد المرامي البعيدة لهذه الرموز. إنها أوضح صورة تدل على العهر السياسي قبل انهيار وسقوط الأخلاق، وتدل على ضعف حاسة الالتزام وضمور مبدأ الواجب أو التضحية. إنه لا يوجد بين الوجوديين فرسان أو نبلاء، ولكن أنت تجد نفوسا مجردة تحترق في صحراء من الحرمان وضياع الاتجاه.

أما الوطنيون فمكتوب عليهم العناية بتطوير أساليب رفض الآخر وتأنيب الذات. وينصب الاهتمام لديهم على الحراك الاجتماعي وليس على التوسع والأعمال العسكرية والأحفورات ذات المضمون العرقي.

وقد أناط ذلك بكل طرف مهمة مختلفة.. التبشير بعالم قوامه صور مستمدة من الذات القديمة للروح من جهة والدفاع عن مكتسبات الذات التي لا ترى ضرورة لربط الحاضر بالماضي من جهة أخرى، ولذلك إنها تتعامل مع مفهومنا للزمن بمنطق جدواه في هذه اللحظة.

و لقد انعكس ذلك على نوع المفردات المستعملة. ففي الاتجاه القومي كانت الكفة تميل لطرف المفردات الجسيمة والضخمة، التي تتحدث عن أهداف وخطط وشعارات. بينما في التوجه الوطني كانت اللغة خدماتية وتتحدث عن غايات ملموسة من غير الأحلام العريضة التي اعتدنا عليها في روايات المقاومة وبلا خطط بعيدة الأجل من النوع الثقيل الذي جاء مع روايات الثورة وبناء دولة المستقبل.

و حتى بالنسبة للمفردات الكبيرة (الحرية، التحرير، الثورة، إلخ...) فقد كانت غامضة وتنقل شوارد الذهن الفردي واللامنتمي، الذهن المشغول بحجم الموضوع أكثر من معناه. فما جدوى الكلام عن الثورة في مقهى وأنت تلعب النرد أو في مقصف الجامعة وأنت تتناول وجبة طعام خفيفة. مع عدم نسيان النقاش قبيل نشر الرواية الذي دار بين الشباب حول: هل نتوجه لضرب الرجعية العربية ولا إو العدو القومي مغتصب فلسطين.

على أية حال إن المفردات العامة والفلسفية غالبا ما تكون مستمرة ولا تعبر عن فترة معينة من حياة الشخصيات. بعكس المفردات الصناعية والخدماتية، فهي تربط الأحداث بفترة من عمر الشخصيات. فاستعمال مفردة مثل قرص مدمج أو موبايل، يعني أن الأحداث تدور عام 2000 وما بعد. ولذلك أكثر من دلالة تاريخية تحدد الخلفية السياسية والاجتماعية للنص. فبعد عام 2000 عاد الاستعمار القديم ليتدخل بشكل مباشر في المنطقة. وذلك يفترض أن معنى الحرية ليس كما كان في الستينات. إن لحرية الستينات مدلولا وجوديا يدعو لتحرير الأفراد من القهر والتسلط . ولكنها أصبحت بعد الألفين الثانية ذات مدلول نضالي يدعو وبشكل مباشر لتحرير الأرض واستقلال القرار السياسي.

و الفرق بين الشريحتين واسع حقا. من هموم أفراد في مجتمع لا يعرف شروط انتاج مستقرة ولا طبقة واضحة المعالم إلى هموم مجتمع وشعب متورط بمشكلة السياسات العامة على مستوى مناطقي وإقليمي أو دولي.

***

و هذا يرشح الرواية لتكون رواية أفكار لا أحداث.

لقد كان للشخصيات الأساسية نوعان من النشاط: في الواجهة الذهن وخلفه في الأعماق الحركة النفسية. ما عدا ذلك نادرا ما تندمج هذه الشخصيات بالشارع. ونادرا ما تمتزج مع الطبيعة بمشاهد مفتوحة ومنبسطة وخضراء.  وحتى المباني هي من النوع الحاضن. مباني يهيمن عليها الظلام والنور الخفيف وتشبه بعضها البعض كما لو أنها نسخ من الإسمنت ( ص116). وتكون مساحتها صغيرة وروادها لا يرتبطون بأية علاقة ذات شأن. إن العلاقات الحميمة تبدو في الرواية نوعا من الانطواء على الذات. فأقرب صديق إليك هو خبايا نفسك. يقول بطل الرواية: يتحرك الناس من حولي مغلفين بحياتهم الخاصة وكأنهم قطع خشب تطفو في تيار سريع (ص53). ثم يقول: جلست في أكثر من مقهى وشعرت كأني مشرد (ص54). ويقول أيضا عن تفاهة وسخافة الناس في الشارع: إنهم يمتزجون بأحذيتهم فقط (ص117).

أضف لما سبق بطء الحركة أو عدمها. فالجري والمشي والسيارات السريعة أو الطائرات التي تعبر السماء كلها غائبة عن الشعور تماما. إن مشاعر هذه الشخصيات مرهونة فقط لخلاصة ما تفكر به من شك وتوجس بالواقع المعاش. فهو راكد وجامد، أو أنه ميت لا يتنفس ولا يرى. يقول بطل الرواية: إن الأيام هنا تخلو من الحركة والحيوية والألوان التي تملأ الحياة ومن الأحاسيس التي تكوّن الكائن البشري (ص131). 

و لذلك إنه محكوم على مجمل الشخصيات بالفشل. وهي لا تجد حلا إلا باللامبالاة والانسحاب من معترك الحياة. وبهذا المعنى يقول نفس الشخص بطريقته الهجائية المعهودة: بقيت... وحدي تماما وسط المعمعة الخرساء، أعيش الأزمة وأتنفس الفراغ (ص 156). 

و طبعا هذا يختلف مع مبدأ الرواية الرمزية التي تبشر بحزمة من الأفكار أيضا كما في روبنسون كروزو لدانييل ديفو.

إن هذا النمط من الأعمال المعروفة يمكن أن يكون أوديبيا بامتياز. إنه نمط لرواية الابن الباحث عن حقيقته والذي يقترب من لحظة تصفية الحساب. وبعبارة مباشرة من جريمة قتل الأب والاستيلاء على الطبيعة الأم وحضنها المعطاء.

و لكن (ضباب في الظهيرة) رواية عائلية، تذكرنا بالأخوة كرامازوف حيث الخلاف يكون على طرائق التعبير وليس على امتلاك الأم. أو حتى إنها تذكرنا بأضعف أعمال تورغنيف وهي روايته الخالدة الآباء والبنون. فهي أيضا مجموعة من الحوارات التي تعرض وجهات نظر شخصيات ثورية احترقت بالإيديولوجيا وسقطت عنها ورقة التوت التي تستر بها أطماعها وأخطاءها. ونظرا لهذا التعميم الذي يلحق بالذهن وبالماكينة المنتجة للأفكار تتحول الرواية إلى تحليل بطيء لانعكاسات فهمنا للواقع. بمعنى إنها رواية لا تقرأ مسرح الأحداث ومنطق الحياة، ولكنها تتلمس وعينا وشعورنا بكل ذلك. وعليه إن العالم يكون هو الحياة التي تهدر في داخل الشخصية. إنها صورة الروح المقيدة والعاجزة عن تدبر منفذ للنجاة. وهذا يكتب على الأسلوب والحبكة نوعا من التكهنات الخاصة بفترات الهدنة وليس الاشتباك.

ومن الطبيعي أن يقف هذا الشكل المدني لبنية الرواية ومن ورائه ذلك الحوار والنقاش الرواقي وأحيانا الافلاطوني على وجه نقيض مع الشكل العسكري لروايات برهان الخطيب اللاحقة التي ظهرت على امتداد نصف قرن، بين نهاية الستينات ومطلع الألف الثالثة. وأخص بالذكر روايته الهامة (شقة في شارع أبي نواس) ثم الرواية التي صور فيها غزو الغرب للعراق وهي (على تخوم الألفين). لقد كان في هذه النماذج قريبا من اللعبة السياسية للعالم النامي، وبها ربط بين مجموعة من المستجدات.

في السياسة تفكك الفكر القومي الذي دخل عدة معارك وخسرها، وعودة دولة الميليشيات. وأرى أنه وجد في ذلك نوعا من الإبدال الاجتماع معرفي. فهو لم يبشر بالتطور ولا خروج الحضارة من طور ودخولها بآخر. بالعكس لقد رأى في ذلك عودة لمفهومنا القديم عن مجتمع البداوة ودور القبيلة والزعيم ورأس الأسرة في تحريك مجريات الحياة. ولذلك كان التعبير دمويا وعنفيا. فهو صراع بدائي على مصادر الرزق وقبل ذلك على مراكز القيادة.

و لم يختلف الحال على المستوى الفني. لقد بشر بالعودة لمجموعة ثوابت لها علاقة  بفن المسامرة والمنادمة. أن تكون هناك شخصيات أساسية تدور حولها شخصيات ثانوية. وأن يكون مسرح الأحداث محددا وقابلا للتعريف والاستيعاب والتصور. وأخيرا أن يكون للأذن دور أساسي في النص، فالمفروض أننا إزاء مستمعين في جلسة مسامرة. ولا بد من إثارة انتباههم بالتكرار وبوقفات صامتة تترك لهم حرية ملء الفراغات من خيالهم أو ربما من عالم أنانياتهم الشخصية. وقد توفر ذلك بطريقة التوازي في المشاهد. حيث أن كل مشهد يكرر بطريقته المشهد السابق. بالإضافة للإيقاع، وما يسمى بالمد والتنوين. وقد توفر ذلك عن طريق سجع خفيف طالما اهتم به العرب في كتابة وتداول السير الشعبية التي لا يوجد لها مؤلف بعينه.

و أعتقد هذا يختلف عن الموجات الصوتية المتعاقبة التي تنقل لنا هدير ومضمون الثورة الصناعية الراهنة، بما فيها صوت محرك السيارة، ودمدمة مكيفات الهواء وما شابه. فالمعاني المرتبطة بالموجات الجيبية المتكررة وفق نظام وتصميم لا محيد عنه ليس لها قلب ولا أذن. وتسبب للمستمع الكسل والتراخي ولا تدفعه للانتباه والتيقظ والمتابعة.

أما هبوب الهواء العاصف في الطرقات والفراغ وحداء الجمال في البوادي وأنين النواعير له روابط عاطفية، ويوقظ الماضي من سباته، ويضعه بمواجهة المستجدات وكل ما هو طارئ.

و لذلك من الضروري أن ننظر للظاهرة الصوتية في الروايات الأخيرة لبرهان الخطيب، على أنها علاج وليس اعتداء، على أنها اكتشاف للشخصية الدفينة تحت سطح متيبس، وليس ردما لميت فقد الإحساس بالمتغيرات.

و بقليل من الاستطراد إنه افتراق عن التفسير الأساسي للظواهر الوجودية التي تنعي لنا العالم وتتعامل معه كميت بحاجة لمقبرة.

كان السجال بين الشكلين، الرواية المدنية والعسكرية، في الأساليب وطرق العلاج للموضوع. لقد رأى الشكل المدني للرواية أن يتكلم بلغة الأعماق عما يدور من توافه ومنغصات وأحداث غير جسيمة على السطح. وقاده ذلك لتحدي المفهوم الأساسي لمعنى الرواية. ولاحقا لتدمير رؤيتنا للذهن الفني على أنه صور وأخيلة واستبداله بخواطر وهواجس، بمونولوجات وأصوات، وبتداعيات لا تسمع صوتها ولكن تتلمس آثارها على المحتوى النفسي. بينما جاءت الرواية العسكرية بشكل اختراق للأطروحة السابقة. وهكذا دمجت ميدان الأحداث الهامة بالتفسير المعاصر لمعنى الإنسان ودوره أو بالأحرى وظيفته. وبدأ المعنى الرومنسي المعروف لصورة الفارس والمخلص والمنقذ بالتآكل والتقشير، ثم سقط في فجوة الخيال المتحول. فهو لم يكسب قصب السبق بالعودة للمشاهد الكبيرة التي تحتمل عددا وفيرا من الشخصيات والنفوس والأذهان. وأيضا لم يكلل سعيه بالنجاح في التفاهم مع فضاء بلا حدود ولا قيود، وهو فضاء ثورة المعلومات. ولعل ذلك تم عن عمد ولقناعة تامة أن لكل شيء حدودا ومعنى. وهو ما تؤمن به الرواية بالحرف الواحد. فقد ورد على لسان أحد شخصياتها: يجب أن يكون هناك حدود في حياة الفرد، وإلا فهو لن يختلف عن الحيوان (ص140).

و هكذا أصبح للحوار في الروايات العسكرية نبرة إصلاحية، بل دفاعية، الغاية منها تبرير أسباب الاختلاف ثم شرح مبررات هذا الخراب والعنف.

بينما اقتصر دور الحوار في (ضباب في الظهيرة) على مزيد من الرثاء وقليل من الشتائم والسباب والنفي. لقد كان حوارا سفسطائيا ومطربا على شاكلة حوارات أفلاطون وسقراط. ما الفرق بين مخاطبات هذه الرواية وحوارية المأدبة. أعتقد أن مستوى التحاور والتهيئة النفسية لأطراف الحوار وضبط الأفكار كان على نفس الدرجة من النضوج. ان أية محاورة إغريقية تبدو بشكل قصة لا تنقصها الدراما، هذا إذا أخذت بعين الاعتبار وصف المتحاورين والطعام والشراب والأزياء وطريقة الجلوس.

فهل نقول إن النغمة الإصلاحية لروايات الحرب تحدوها إيديولوجيا تنبع الحاجة لها من الظرف الموضوعي، مقابل نغمة عبثية ومستهترة في روايات المدينة والحرم الجامعي؟!!.

***

مهما يكن من أمر، إن رواية (ضباب في الظهيرة)  مغامرة غير محسوبة العواقب. لقد جاءت لتتحدى الخطاب الفني والسياسي لنصوص نهاية الستينات. والدليل على ذلك قولها: الكتاب، قل كلهم منافقون مزيفون، إنهم يعرضون عليك سخافة ثم يكيلون الحديث عنها. حتى يخدعوك ويصورونها كمشكلة حقيقية تتطلب حلا حاسما.

و بعد ذلك تحل المعجزة ويلدون حلولهم. صدقني إن تلك الحلول التي تولد على صفحات الورق ليست إلا أماني يقنعون بها أنفسهم. ولعلهم أنفسهم لا يقتنعون ( ص 151).

لقد تحدثت الرواية عن مرحلة من حياة شباب في الجامعة دونما أي اهتمام بماضيهم ومستقبلهم. واستثمرت كل واحد فيهم لرصد وتحليل الفضاء العام بما يحمله من خيبات ثقيلة وهزائم. وبما يرتبط  بذلك مثل التفكير بالحرية والالتزام والمسؤولية المشروطة وضرورة الثورة.

و جدير بالتنويه أن كل كلمة في الوصف والحوار جاءت بمكانها كأنك إزاء قصيدة موزونة. وكان بحر الشعر هنا هو ضوابط العلاقات بين المفردات والأفكار.  ولذلك يمكن أن تنسب للرواية أكثر من نقطة تميز.

فهي رواية مضادة بلا أحداث. وقد أكد ذلك المستشرق بوريس جوكوف بدراسته عن الرواية، ومثله غسان كنفاني في مقالة نشرها في أواخر الستينات، وسعد البزاز في مقالة أخرى نشرت في أوائل السبعينات. لقد كانت هذه الرواية تلعب بالأفكار التي وضعت لتلك المرحلة حدودا متحركة، ثم جاءت العسكرتاريا لتحد من قدرتها على التخاطب  والتعاقب. فقد وقفت تلك الأفكار عند نقطة معنى وكانت بمقابلها نقطة نظام. وهكذا اختارت أن لا تنمو ولكن أن تتراكم. وأعتقد إن منطق الرواية الجديدة المؤنسن (وهو غير منطق روايات ميشيل بوتور وتلميذه إلياس خوري) وضع ثقته بالمشاعر الإنسانية. لقد كانت رواية تفاعلية، تخاطب الإنسان وتسقط أفكارها وفلسفتها عليه، وتنظر لعالم الجماد وغير العاقل وكأنه امتداد نفسي لنشاطها الذهني. وللتوضيح: كانت تضفي على الأشياء خلاصة أفكارها وما يعتمل في صدرها. ولم تسمح لها أن تكون موجودات مستقلة ذات شخصية وكاريزما. ولا ذات رؤية خاصة بها للفراغ. 

من جهة أخرى لقد أشارت للهزيمة بشكل غير مباشر. وتحدثت عن الخراب والجدب النفسي والفوضى الاجتماعية دون ذكر للحرب التي انتهت بخسارة نظيفة.

و لئن كانت الشخصيات تعيش فرادى، وتشترك بكل تصوراتها وأمانيها مع وقف التنفيذ، فهذا يبدو لي أنه من نتاج الأنظمة التي ظهرت بعد النكسة. إنها أنظمة عسكرية بثوب مدني. ممنوعة من التطور. تعيش في حالة اجترار. وتدور حول نفسها مثل دواليب الهواء.

و عن ذلك يقول بطل الرواية بما معناه: إنه لا مفر من هذا المستنقع. فالهزيمة لا مكان (بمعنى لا وطن، لا أرض) لها. ونهاية المعركة واضحة (ص149).

ثم يضيف بلسان أنيس، ما نسميه في الشعر (بيت القصيد)، فيقول: ولكن هل هناك شيء غير الهزيمة (ص 149).

و رغم هذه السوداوية الرواية الظاهرة على السطح لا تنتهي الرواية بتلك النغمة المتشائمة، فقد ورد قبيل الخاتمة: إن وجود العقبة  والعمل ضدها شيء ووجودها واليأس أمامها شيء آخر (154ص).

ثم نسمع في الخاتمة أنيس وهو يقول: تف... على العالم كله (ص 157).

و طبعا يقصد عالم الهزيمة والكذب وعدم الشفافية والأحزان والقنوط.

 

- صدرت رواية (ضباب في الظهيرة) عن مطبعة الغري الحديثة في النحف بطبعة أولى عام 1968.

  

آب 2013

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2612 المصادف: 2013-10-30 00:17:25