المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ديوان: ضفاف ملونة للشاعرة سحر سامي (2)

ديوان الشاعرة سحر سامي باقة ملونة، يجمع قصائد من ناحية الشكل بين القديم والحديث، ومن ناحية المعنى يجمع مشاعر واحاسيس وجدانية تجتمع مع بعضها لتشكل لوحة شعرية سردية فيها الجمالية والمتعة والفائدة، تعرض الشاعرة لوحاتها الشعرية بموضوعات وحيثيات متنوعة، عرضت مثلا مظلومية الشعب العراقي من خلال الهجمة الارهابية عليه، والتخريب الذي يأتي من الارهاب، اضافة للتهجير  الطائفي على يد عصابات منظمة القاعدة، وعصابات البعث المجرم، في قصيدتها (قطرات الندى) تتحدث الشاعرة عن التهجير والمهجرين، فتواسيهم بما تعرض له النبي محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم من تهجير، أذ ترك مكة وهاجر الى المدينة المنورة .

فالحال أمسى مثل حال المصطفى         يكفيكم   فخرا  فلا  تتذمروا

قاسى   عداء   من  عناد   عشيرة         عانى  حصارا ثم بات يُهجّر

لكنه    رغم     الأذى        متيقن         من نصره فمضى بذا يتصبّر

حتما   لكم   أيام    تشهد    حلمكم         قد  كنتم كفأً  لها      فتذكروا

ونحن كمتلقين نستقبل قصائد الشاعرة فنرى الالوان المختلفة، نتلمس فيها الجمالية والموضوعية، مثلا نرى بعض القصائد ذات لفتات نشعر من خلالها بروح الايمان الذي يفرض حضوره على نفسية وقلب الشاعرة، فتترجمه بكلمات تتجه فيها نحو الكون الواسع الذي يعجزالعقل البشري عن أدراك حدوده ومستواه، لتلفت أنتباهنا الى عجائب صنع الخالق وابداعاته التي لا ينتبه اليها الا أصحاب العقول المتحركة، لتشدنا الى خالقنا برباط من الايمان القلبي المبني على أساس العلم والتفكر بآيات صنعه البارعة المتقنة التي تسير في الحياة وفق القوانين الطبيعية التي أودعها سبحانه في الكون الواسع الفسيح .

تسير الشاعرة بطريقتها الشعرية السردية الممزوجة بالوصف، لتوصلك الى الغرض النهائي التي تريد أيصالك اليه، فتجد في نهاية القصيدة بوحا روحيا يجعلك تعيش الراحة والأطمئنان النفسي عندما تنقلك الى الاجواء الروحيه التي تثيرها الشاعرة، كالصلاة على النبي او تذكّرك بميلاد شخصية مقدسة او وفاة أمام او شعيرة دينية .

 في قصيدة (من وحي الهجير)  تصيبك الحسرة عندما توحي لك الشاعرة، أن الامور والمتغيرات على الارض تسير نحو الأسوأ .

بدت الارض شاحبة

لرؤيتها الغمام

في أحضان سماء ملتهبة

وسراب المروج

يخدع سرب القطاة

مرات ومرات

فأصابها الانهيار

بفقدها تباعا

بناتها الواحات

       ...

تستدرك الشاعرة وتستعيد الامل في النفس، والمؤشر على ذلك أنها تحملك الى خزين الايمان في قلبك لتنتعش من جديد بألاجواء الروحانية عندما تصلي على خاتم الانبياء محمد صلى االله عليه واله وصحبه وسلم .

أيقظت سيل الذكريات

حين كانت صبية

تنعم بنداوة أبيها البحر

سمعت نشيد الملائكة

فراحت تصلي وتسلم

معها

على خاتم الانبياء

والمرسلين

وفي قصيدة (ميلاد) تتحدث الشاعرة عن ميلاد الامام المهدي (صاحب الزمان) عجل الله تعالى فرجه،  وتتحدث عن ظاهرة ألقاء الشموع وقت الغروب على خشبة او أي شئ يطفو على سطح الماء، وغالبا ما يقوم بذلك النسوة اللواتي يطلبن (المراد) ليشفع لهن الامام الغائب (صاحب الزمان) عند ربه، كي تُلبّى مطالبهن كطلب الرزق، أو شفاء مريض، أوالفوز بالزوج الصالح ...الخ، فيعكس لنا منظر الشموع المتوقدة في وقت الغروب وهي تطفو على سطح الماء منظرا رائعا، فيه هيبة وخشوع .

 نحن نعتز بالتفاتة الشاعرة هذه وهي تذكرنا بعاداتنا وتقاليدنا التي تشدنا الى مقدساتنا وتأريخنا والى كل شئ جيد وجميل لينمو في نفوسنا ونفوس الاجيال اللاحقة، تقول الشاعرة :

أوقدت دجلة شموعا للفرات

على جناحي طائرات ماء

تتهدج بأسى شفيف

لتراقص مياه ناعسة

تنير درب رسائل حب

ضجت بالأمنيات

        . . .

ليحتفل الجميع

بيوم ميلاده

ميلاد أنسان

من مخاض عسير

لحياة مجنونة

هيا   هيا

يا صاحب الزمان

وفي قصيدة (كلما ذكر الحسين) تستعرض الشاعرة ذكرى أستشهاد ألأمام الحسين عليه السلام، التي تمر ذكرى أستشهاده هذه الايام التي نكتب فيها هذه المقالة، أذ يحتفل المسلمون وكل أنسان يعشق العدالة ويحب الانسانية ويرفض الظلم والخنوع بذكرى الثورة الحسينية التي ضحى فيها بنفسه وعائلته وأهل بيته وأصحابه من أجل أن يحيا ويسلم الدين، ومنع الانحراف فيه، الذي أراد الاميون تشويه معالمه، ومن أجل رفض الظلم، كي يعيش الانسان بانسانيته التي أرادها الله تعالى لكل أنسان، تقول الشاعرة في قصيدتها:

 كلما ذكر الحسين

تلبدت سحب النفوس وأمطرت

وعواصف تغزو القلوب وتزأر

وتكورت في الصدر جمرة

         .   .   .

عاشوراء يا برزخ الدنيا

         .    .   .

ما سرّ عشقي للدموع

كلما ذكر الحسين

أأسأل الشهباء فتبوح بالأسرار

أم أسأل الوجدان

فبيتك الوجدان

أم أسأل العيون

      .  .  .

 الشاعرة تستوحي الهامها الشعري من ذكر الحسين عليه السلام، ذكره يعطيها زخما للأبداع، وخلقا شعريا، وولادة كلمات تخفي بين الحروف الآهات والاحزان لمصاب الحسين عليه السلام، الذكرى مصدر للالهام والابداع لنفس الشاعرة، وروحها المؤمنة التي تتحرق للمصاب، فتولد كلمات تخفي بين حروفها الحزن والدموع والألم .

وكلما ذكر الحسين

يزورني الهام شعري

تتحرق الاوراق شوقا للقصيدة

كتقاتل الأحشاء في الولادة

وتفتحت سبل المواهب

بتنفس الاحساس في الخرائب

وانقشعت أوهام فكري

ولهاث روحي قد سكن

 فينزف الذهن العقيم

ليسطر الآهات بالكلمات

في ديوان ( ضفاف ملونة ) قصائد تتحدث عن نبي او امام او مناسبة دينية، قصيدتها  (على ضفاف قدسية) في كل بيت منها ذكرت شخصية نبي أو أمام أو حادثة تأريخية دينية، وهناك قصائد دينية أخرى، بين طيات حروف كلماتها تجد النفحات الايمانية للشاعرة سحر سامي،  قصيدتها (غائب) لوحة فنية رائعة، تبحث فيها عن حلمها الضائع بطريقة سردية  فنطازية، وتسأل عنه ليس مرة واحدة بل مرات كثيرة  وجهات عديدة، من خلال تكرار الفعل (سألتُ)، رغم ألحاح السؤال لم تعثر على ما تبحث عنه ولم تهتدِ اليه .

فتشتُ عنه بين وريقاتي

          .  .  . 

سألت عنه الليل والنهار

والشمس والقمر

والطير والشجر

    .  .  .

سألتُ عنه حبات المطر

سألتُ عنه قارئة الفنجان

ومن استرق السمع من الجانّ

سألتُ عنه الأذن والنظر

والحاسة السادسة والسادسة عشر

سألتُ عنه الروح

والعقل والقلب

سألتُ عنه الغسق والشفق

وأطفالهما

وهدير البحر

فلم يجبني أحد

فلا يعرفه أحد

فرضيتْ بجواب من بيده القدر

(وقل لن يصيبنا الاّ ما كتب الله لنا)

ختمت القصيدة بآية (51) من سورة التوبة ونص الاية (قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) وهذا يعني أن حرف الواو في بداية الاية في نهاية القصيدة زائد، وأظن أن هذا خطأ مطبعي، كذلك قول الشاعرة (فرضيتْ) يجب أن تكون التاء للمتكلم، وليس تاء التأنيث الساكنة، تمشيا مع سياق القصيدة والافعال التي سبقت هذا الفعل حيث التاء فيها للمتكلم .

 لو نظرنا الى الديوان نظرة كلية، لوجدنا قصائد الديوان طافحة بالشعر السردي الوجداني، وكل قصيدة فيها نكهة خاصة تجلب المتعة والمسرة الى نفس القارئ، قراءتي هذه لا يمكن أن تحيط بجميع مواطن الجمال في الديوان، ونترك ذلك للقارئ الكريم ليستوحي مايراه مناسبا من قصائد الديوان ذات الالوان الزاهية الجميلة .

 أملي أنشاء الله تعالى أن ألتقي مع الشاعرة سحر سامي في ديوان جديد، أن أبقاني ربي سبحانه على قيد الحياة، ومَنّ عليّ بالقدرة والقوة على العمل ومواصلة الطريق في القراءة والتفاعل مع ما أقرأ (وألى الله ترجع الأمور) 210، البقرة .

 وأخيرا أدعو للشاعرة سحر سامي بالتوفيق، واتمنى لها المزيد من الأبداع والتألق .

 

علي جابر الفتلاوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2615 المصادف: 2013-11-02 01:26:40