المثقف - قراءات نقدية

خالد بو دريف .. تضاريس وجه المدينة الغائب: قراءة في قصيدة بحجم ديوان

fouad afaniمدخل: العمل الذي بين أيدينا هو قصيدة عانقت ديوانا فاستبدت به وظفرت بروحه وامتدت على صفحاته أميرةً لا يُرضيها أن تُشاركها في مساحة الشعر قصيدةٌ أخرى. إن القارئ حينما يأخذ "تضاريس وجه المدينة الغائب" يتوقع استنادا إلى المؤشر التجنيسي البارز على صفحة الغلاف الأمامي أنه سيبحر في رياض ديوان شعري متعدد القصائد قد يكون من طينة الديوان الأول لخالد بودريف الذي وُسم ب: إبحار في ذاكرة القلب" أو ما تلاه بعد ذلك من دواوين أخرى  للشاعر من جهة تعدد قصائد تلك الدواوين.. بيد أنه خلافا لتوقعنا فنحن والقارئ أمام قصيدة واحدة تمتد على اثنتين وأربعين صفحة من القطع المتوسط، إنها قصيدة/ديوان. و لا يتفرد هذا الديوان فقط من جهة كونه لباسا لقصيدة واحدة، بل أيضا لأنه توأم لديوان آخر هو "سادن الرمل" فكلا العملين قد صدرا عن مطبعة جسور بوجدة سنة 2013، وإن كانت تواريخ كتابة بعض قصائد ديوان "سادن الرمل" تعود زمنيا إلى سنة 2011.

 

تضاريس العنوان:

إن عنوانا مفعما بسحر النظم وبذخ اللغة مثل عنوان "تضاريس وجه المدينة الغائب"، يغري القارئ ويجره نحو عوالم من أسئلةٍ نأمل من خلال  استقصائِنا لها أن نقبض على جمرة المعنى المتلئلئة والمحرقة في الآن نفسه. تلتئم لبنات العنوان وفق نمط استجاب للنسق ذاته الذي شيدت عليه عناوين الدواوين الأخرى لخالد بودريف، إنه نسق التركيب الاسمي. فالأكيد أن الشاعر كان يتريث عند اصطفاء عناوينه لأنه على وعي بالقيمة السيميائية لفعل التسمية ودوره الفاعل في الإمساك بتلابيب ذائقة القارئ والإيقاع بها في شباك النص. فالعنوان مفتاح كل عمل وبه يتأتى لنا سبر أغوار العمل المقروء، إنه آلية قرائية تسمح بفك مداخل النص ومستغلقاته.. فالمتلقي حينما يقرأ "تضاريس وجه المدينة الغائب" يستغرب كيف تم ذلك الجمعُ الشيق بين كل تلك التناقضات في عنوانٍ واحدٍ (بين الجمع والمفرد وبين النكرة والمعرفة وبين حمل اللفظ على الحقيقة وعلى المجاز) بالإضافة إلى جمالية البناء التي تأسست عن طريق الجمع بين لفظتي "التضاريس" و"المدينة" المندرجتين ضمن الحقل الجغرافي والوجه المحيل على الإنسان ثم كلمة "الغائب" التي جاءت أخيرا لتكسو الجملة ثوبا من الحزن والشجن .. فما هي الحمولة الدلالية للوحدات اللغوية/الشعرية للعنوان؟

التضاريس: جمع تضريس: وهي ما يعلو الشيء من تحزيزات ونتوءات وبروز تشبه ظاهر الضرس، وبالتالي فالأمر يتعلق بلفظ يمتلك مرجعية دلالية قوية من حقل الجغرافيا، وبشكل أدق من الأرض وبنيتها التكوينية. وقد فضل خالد بودريف استخدام هذه الكلمة بدلا عن استخدام كلمة ملامح أو قسمات لما فيه من قوة وخشونة فالتضاريس نتيجة عواملَ زمنيةٍ وجيولوجيةٍ تتشكل عبر أزمنة طويلة، كما أن إخفاءها صعب المنال عكس الملامح التي يمكن للإنسان أن يداريها في كثير من الأحيان.

أما لفظة الوجه، ففي لسان العرب، يقول ابن منظور: وجه كل شيء مستقبلُه، وفي التنزيل العزيز "فأينما تولوا فتمّ وجه الله"، كما يُحمل الوجه على الذات فيُعبّر به عنها ومن هذا قول الشاعر:

أستغفر الله ذنبا لست مُحْصيَهُ       ربَّ العباد إليه الوجه والعملُ.

إجمالا، فالوجه مرآة الذات، وعليه ترتسم معالم الروح وبه نسبر أغوار الباطن الخفي، إنه أشبه بمنزلة العنوان من النص. لقد وضع الشاعر للمدينة وجها كي يهبها البعد الإنساني، فحينما يكون للمدينة وجه فهذا معناه أن بالإمكان قراءة داخله المنعكس بجلاء على مرآة هذا الوجه. ولا يمكننا في هذا السياق أن ننكر منزلة الوجه من الجسد فلقد ظل  الرسام  الهولندي رامبرنت مأسورا بسحر الوجوه فترك ثمان لوحات لوالديه واثنتي عشرة لوحة لشقيقته إليزابيت وحوالي أربعين لوحة لنفسه وعددا مهما آخر لزوجته ساسيكا. كل هذا، لأن الوجوه تملك لغة تُقرأ بأكثر من لغة، وأن ما تستبطنه الروح لا يمكن أن يكشفه إلا الوجه.

نرجع إلى كلمة "المدينة"، وهي مشتقة من الفعل "مدَنَ" بالمكان أي أقام به، واحتمال كبير أن تكون اللفظة الواردة في العنوان محمولة على هذا المعنى على أساس أن القصيدة مهداة لمدينة القدس. لكننا لا نرى مانعا من أن يكون للكلمة معنى لطيف آخر؛ وهو كما جاء في لسان العرب: ويقال للأمة مدينة أي مملوكة، والميم ميم مفعول.. وقال ابن خالويه: يُقال للعبد مدين وللأمة مدينة، وقد فسَّر قوله تعالى: "إنّا لمدينون" أي لمملوكون بعد الموت. وعلى هذا الأساس يصبح المقصودُ مدينةَ القدس المستلبة أو المحتلة.

آخر كلمة في العنوان، هي لفظ الغائب، وهي اسم فاعل للفعل غاب، أي أن وجه المدينة هو من غاب؛ أي اختفى عن العيون سواء كان محصلا في القلوب، أو غير محصل. والغياب يعني أنه كان مسبوقا بحضور كما أن انتفاء الغياب يبقى أملا واردا.. مما يفيد أن وجه القدس يمكن أن يستعيد ملامحه وقسماته الأولى لتلازم ثنائية الحضور والغياب.

إن عنوان الديوان يستمدُّ أثرَه الشعري من انزياح لغوي أغنى التكثيفَ الدلاليَّ وأوقدَ جذوة الإيحاءِ. فخالد بودريف –خلافا لكثير من الشعراء الشباب- لا يسك عبارة شعرية ويلقيها على عواهنها عسى أن يجد لها المتلقي تأويلا؛ بدعوى أن القارئ ينتج النص حتى وإن افتقد ذلك النص أبسط معايير الكتابة والمعنى. لهذا فالشاعر لم يكتف بحسن نظم كلمات العنوان بعضها إلى بعض بل أعاد توزيع عنوانه فنثره بين ثنايا القصيدة، إذ نجد جله في الصفحة الثانية عشرة حين يقول الشاعر:

وجه المدينة غائبٌ

بينما نعثر على لفظة التضاريس في الصفحة الثلاثين إذ يقول الشاعر:

نقشوا طفولَتَهم

على خد التضاريس الجديدة

إن هذا التوزيع الجديد للعنوان من شأنه أن ينير الدلالة فنقرؤها وفق المعالم التي تؤطرها بنية القصيدة لا وفق هوى التأويل المفتوح.

خالد بين غواية الشعر وسدى السرد

قبل الخوض البنية الدلالية لقصيدة "تضاريس وجه المدينة الغائب" نرى ضرورة تقطيع هذا النص إلى مقطعين أساسيين. ونؤكد هنا أن عملية التقطيع هاته لا تتم بشكل اعتباطي إنما يُستحضر فيها ما يسمى بالفواصل/ les démarcateurs، وهي فواصل تترواح بين التحول على المستوى الزمني أو الفضاء النصي أو الانفعالي.... بالنسبة لقصيدتنا فإننا سنتوسل بالمعيار التمثيلي، فمع أن النص مؤسس على نظام مونولوغي إلا أن القصيدة اتخذت شكل بناء سردي تناوب على امتلاك ناصية الحكي فيه الشاعر  والقدس. فما يمكن أن نسميه استهلالا نصيا  (ص9 إلى ص13)  يتحكمُ الشاعرُ فيه بالخطاب، فهو كمن يقدم لغزا فيخبرنا أن المستفهم عنها:

"خضراءُ

من قمم الجبال تلوح

(وهي) ....وزرقاءُ

-تحتضن البحار

كل نهر

فوق هذي الأرض-

يوشك لوْنها البرّاق أن

يستلَّ من

أبراجِ أعمدة السماء ضياءَها

(و) زيتونُها

ضوء خرافيّ

يعانق ما تبقى من

وجوه الماكثينْ.

إلى هذا الحد، فالمتحدث هو الشاعر والموضوع مجهول باستثناء الصفات التي أفصح عنها السارد الشاعر، لا لشيء سوى لأن وجه المدينة غائب . وكي يزيد النص من فضولنا فهو يشدنا بنقله عملية السرد من الشاعر إلى سارد آخر طلع علينا بعد اكتشاف الشاعر رقيما، وهكذا نتحول إلى مقطع آخر سيُسْلم فيه الشاعر لسانه للقدس كي تكشف لنا بعض خباياها، وفي هذا ذكاء شعري لأن بوح القدس عم ألمّ بها من جراح سيكون أبلغ وأعظم أثرا. يقول الشاعر في المقطع الممهد للتحول:

... وجه المدينة غائب

لكني اختلستُ

قراءة أخرى

رقيما غائرا في

منجم التاريخ

مكتوب بماء الشعلة

الأولى

ومما جاء فيه: (في آخر هذا المقطع وضع الشاعر نقطتين للدلالة على القول)

وهنا بالضبط تشرع مدينة القدس في رسم معالم هويتها؛ ويشكل هذا المقطع الثاني جوهر القصيدة لأنه يمتد على أغلب الصفحات (من ص14 إلى ص51) ولأنه يستبطن الهم الشعري كله بالنسبة للشاعر.

وقد تمت عملية تقديم القدس صورتها وفق شكلين اثنين يتمايزان عبر طبيعة الضمائر المستخدمة؛ إذ نجد تارة ضمير المتكلم، وتارة ضمير الغائب:

يجعل الشاعر القدس في الشكل الأول تميط اللثام عن وجهها القديم باللجوء إلى استخدام ضمير المتكلم، وهو ضمير يؤكد الحضور والاعتزاز بالذات مع أن الذات تظهر منهكة في بعض المقاطع ليتحول الضمير من المتكلم إلى الغائب، ومن الأمثلة الدالة على ذلك قول خالد بودريف:

لي لوحة قدسية

قمرية

في كل وجه مستنير

..... لي حسرة العذراء

فوق خريفها الممتد في

أرواح أقبية الخيول

على سنابكها القديمة

....أنا الأم التي لا تنجب

الأجساد

بل تنجب الأرواحَ

من بطن القدر

وأنا اليتيمة من  بين كل

مدائن الدهر التي اضطرت لتغزل ثوبها

من عري أزمنة البشر

....أنا يا ابن عمي القدس

أصل من فروع الدهرِ

فرع من أصول النهرْ

ما جاء بي أحد إلى

هذي الديار

أنا هنا منذ القديم

تتسم القدس في هذا المقطع بالفاعلية؛ فهي تؤكد وجودها منذ القدم وهي تنجب الأرواح وتغزل ثوبها...

خلافا للنمط الأول تظهر القدس في البنية الشعرية الثانية وجها مستباحا مسلوب الإرادة يُعاد رسمها ونقشها، لهذا يُكرر الشاعر الفعلين نقشوا ورسموا عشر مرات، يقول الشاعر:

نقشوا على بابي

بمدية جرمهم

أسوار بيت مدينة أخرى

.....

نقشوا على شفتي

كلام الله بالمقلوب

.......

رسموا على عيني

بحرا موغلا في المسْخ

......

نقشوا طفولتهم

على خد التضاريس الجديدة

ثم خروا سجدا للعجل

....

نقشوا على أنفي

أساطير القدامى

...

نقشوا على غضب

الجدار صلاتهم

....

رسموا على وجهي

تجاعيد العجائز

.....

نقشوا على

رِمش العيون سيوفهم

.....

نقشوا على وجهي

فنون القتل

....

رسموا على عيني

خارطتين.

إن جميع هذه الجمل الشعرية تم إسنادها إلى الجمع الغائب لإثبات أن الفاعل ليس فردا بل جماعة من جهة، ولم يُشر إلى هذا الغائب إلا تلميحا في بعض المقاطع، كقول الشاعر:

لعلهم من بعد تيه "الأربعين"

على يد الملك الجديد

يؤسسون مدينة المختارِ

أو بقوله:

وتعطروا بالصوم يوم

السبتِ

كي يستجلبوا حوتا

بعنبره إلى أرض السلام

كما يتبن أيضا أن في اختيار فعل النقش والرسم تأكيد على عمق الفعل وقصدية وإصرار فاعله. فعملية الرسم والنقش تمت على أعضاء بشرية (شفتي، خد، أنفي، رمش العيون، وجهي، عيني) من ذلك يتبدى لنا أن الشاعر جعل للقدس وجها بيد أنه وجه غائب ما دام قد كان فضاء للنقش والرسم لإخفاء ملامح وإبداء أخرى وكأن القدس قد تم إخضاعها لعملية تجميلية تبتغي من النموذج اليهودي غاية لها، مقابل الطمس النهائي لقسمات الوجه العربي الإسلامي. والجميل أيضا في توظيف فعلي (النقش والرسم) أن الأصل فيهما تحقيق البعد الجمالي إلا أن الشاعر يجعل منهما أداة تشويه ومسخ.

إن البنيتين معا تتبدى فيهما القدس باعتبارها عاملا ذاتا actant-sujet  وهي في حالة انفصال عن موضوع القيمة objet de valeur المتمثل في استعادة الوجه القديم بتفاصيله وذاكرته، لكن الرغبة لن تتحق لوجود عامل معيق مثله ضمير الغائب "هم" بما أحدثه من رسم ونقش غير وجه الحقيقة وجعل العامل الذات عاجزا  على الرغم من امتلاكه الإرادة والمعرفة الظاهرتان في رفض القدس الظلم والاستبداد ومعرفتها بتاريخها وواقعها.إن العامل الذات مفتقد للقدرة المتجلية في هيمنة الأفعال الماضية واقتصار دلالتها على السرد والوصف دون أي كفاءة أو قدرة فاعلة، ولا أدل على حضور الإرادة دون القوة من تشبيه الشاعر القدس مرة بالأم وتارة باليتيمة.

إن خالد بودرف جعل من مدينة القدس مدينة شبيهة بالحلم، ذلك أن طبيعة الحلم تجعل الأشياء، كل الأشياء، تنبو عن التعريف المحدد الدقيق، كما تُجاوز حدودها، وتختلط في نفس الوقت، وتعيد تنظيم ذاتها، وإن ما فيها من الأمور المطلقة والمتضادة كميا .. تتضاءل وتفقد كل دلالتها، ويتوحد النظام بعد النظام، والاستمرار بعدم الاستمرار، والمحتوم بغير المحتوم، ويصبح هذا التوحد إرضاءنا الأعظم .

ختاما، إن قصيدة تضاريس وجه المدينة الغائب نص ثري بلغته وأسلوبه وصوره غني بوصفه وسرده.. نهل من المعجم الديني واستقى من كتاب الأسطورة ليشيد عوالم جمالية رمزية تحضن القارئ وتجعله يحلق في سماوات الخيال باحثا عن تأويل ممكن أو قراءة محتملة يملأ بها ثغرات النص..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2617 المصادف: 2013-11-04 00:31:45