المثقف - قراءات نقدية

شعرية الخطاب الروائي في رواية: فارس من حجر

428-ihsainiالخطاب الروائي يحبل دائما بالعديد من الصور الموجودة في الحياة، بل إن جنس الرواية هو صورة الحاصل فيها، المسرود من أجل المستقبل، فلا معنى لترسيم الأحداث وتدوينها وتأليفها فنيا دون أن يكون لها أثر الإفادة في الحياة وأثر التطلع إلى التخلص من ماهيات الأحداث والوقائع التي تكون متزامنة مع التصورات التي يسرد بها الروائي أحداثه، لكن تدوين الأحداث لا يكسبها طابعها الفني الروائي إلا بإضفاء الحياة الممتدة في الزمن فنيا على جميع الأحداث والوقائع الروائية كي تنتسب هذه الأخيرة إلى جنسها الروائي، وذلك بتوظيف آلية التخييل. ومن ثم فإن استشراف الرواية على المتخيَّل الشعري يطبعها بصبغة الامتداد الزمني والاشتغال على تحريك الضمائر وجعلها شريكة في التصور وشريكة في التخييل أيضا، مما يجعل المتلقي للخطاب الروائي منتجا له من جديد بشكل تأويلي / تفسيري / إفهامي.

فكل شخوص الرواية تشارك بشكل أو بآخر في صنع الأحداث والوقائع وفي توليد الأفكار والدلالات .

وكل الفضاءات الموجودة فيها تصنع أشياءها وتؤطر بِؤرة الخطابات المتعددة والمتنوعة بين ضمير المتكلم أو المخاطب مفضية إلى ضمير الجمع الذي يعنينا جميعا.

لا يهمنا الخطاب الشعري في الوقوف على نوعية الصورة فيه، وإنما يعنينا المرور عليه للإشارة إليه، وإلى تشكيله في الحكي الروائي عند الروائي محمد الإحسايني ثم الخلوص في نهاية الأمر إلى إثباته شعريا من خلال ترصيصه على شكل قصيدة تناثرت أشطرها في مختلف أجزاء الرواية لنصل إلى تأكيد ذلك بالتأليف بين أجزائها وترديدها شعريا في مختتم هذه الدراسة .

يعد الخطاب الشعري في رواية "فارس من حجر" خطابا متضمَّنا وليس صريحا إلى درجة الوقوف عنده في تجنيسه، وإنما هو مومئ بالشعرية المبطَّنَة التي تتخلل السرد الروائي تارة دون أخرى مفسحة للتجنيس الروائي أن يأخذ طابَعه التجنيسي دون التأثير عليه في أبعاده الحكائية، بل يشاركه في إظهار فنية التجنيس الروائي الفعّال والتجلي الفني.

و حين تشدنا تجليات الخطاب لا بد أن ننتبه إلى الحركية التي يعتمدها كإيقاع حكائي آسر يرتكز على الزمان والمكان في أبعادهما الوجودية؛ وهو بذلك يَلِجُ باب التحديث في الفن الروائي لكون شعرية الخطاب تتجدد وتنحو منحى الإبداع بخرق أفق التلقي، وهو النهج الذي سعى إليه الروائي بإدراكه للمزاوجة بين خطابين متباعدين تجنيسيا، متقاربين تأليفيا بالتوافق المنشود في الخطاب، وذلك من أجل الإحاطة بجميع أشكال الحياة الواقعية وإمدادها بروح فنية عالية تسبغ عليها روح الجمال التي تتجلى من خلال الصور التي تنساق مع الخطاب لترمز إلى الشعرية التي يحفل بها في إشاراته الفنية / التعبيرية.

إنه تشكيل مبتدع من أجل إحداث الجمال في النسق التعبيري الإفهامي؛ بمعنى آخر استدعاء ما هو شعري لخدمة الخطاب الروائي.إنه سرد متعدد الملامح حَكْياً وصورة بغية إعادة كتابة التفكير الإنساني إيبستمولوجيا كما هو الأمر فيما يلي من المجتزءات الحكائية الواردة في الرواية : 

- في كل أصيل، أبحث عن مفاتيح الأبواب المغلقة،لا يوجد أمامي سوى أن ألجأ إلى تفريغ أشياء تخالجني في بئر عميقة. تخلصت من سكون كان يصعب علي فهمه إلا من خلال صخب الكلمات.أستيقظ وأنا في السطح، على أصداء ترانيم تَـزُفُّ إليَّ بها نسائم المساء.ص 3

- لقلوب منكسرة أنهكها الضني ص4

-عليَّ إذن، أن أزحف في أودية المريخ، أن أصب الماء على الصخرة المتقدة . ص 4

- فهمت ذلك من نبرات غنائمهم القوية، واستوحيت أحلاما حافزة من شَعر صدورهم البادي على ظهر السفن الراسية. ص 5

 -ينبثق حلم طفولي تدريجيا في سذاجته، يمتد عبر أوهام، ومن خلال أجنحة مقصوصة تمتزج بالفناء. ص 6

- دون أن أبحث عن العزاء،انبثق حلم طفولي تدريجيا في سذاجة، امتد عبر أوهام الأجنحة المقصوصة، ليمتزج بالفناء، ويتقاطع مع استغاثة مجذوب الحي ص31

- أرمي خطوات عبثية في أعقاب ظل هارب ص32

- حاولت أن ابتعد عن الأيام السالفة، وعن زقاق مترهل …

و حصرا على ما سبق الاستدلال به تستجلي دلالات وترميزات إيقاع الحكي في أبعاده التصورية الجمالية، وفي علاقته بالشخوص والأحداث التي تؤطر "رواية فارس من حجر " ؛ وهو أمر يستدعي الملاحظة في مكمن التخييل الذي هو علامة بؤرة الإبداع.

و طبيعي أن تحبل الرواية بمجموعة من التقاطعات مع عدة أجناس أدبية نظرا لطبيعة جنسها الذي يضم جملة من الفضاءات الروائية التي تُستمد من الحياة. إن الرواية لغة الحياة في صورة ما من صورها الزمنية / المكانية، ومن ثم فهي تجمل أسرارها وتُعدد أنوارها وتكشف عن جوانب عديدة تحتوي عوالم زاخرة بالإثارة وترميزات التنبيه :

- كنت قبل، أنشد الدفء في أي خاطرة ص 62

- سوى ما تبقى من طفولة راسبة في الذاكرة، وثنايا الفضاء، طفولة تتقاذفها الأمواج، ثم تجرها بعيدا عن الناس. ص80

- محوت كل المشاهد المؤلمة الأخرى داخل بوابة الأسوار، حاولت عبثا أن أقبض بلهفة على ومضات خيالية واردة من عمود الإنارة.ص 93

- ثم تجاهلني ليخرج من المأزق، بأوداجه المنتفخة التي تكاد دماء الحيرة تنفجر منها.ص 95

 -أحلام مهربة من مكان سحيق، ورهيب للغاية، حملناها عبر السديم والسحاب ودخلتْ معنا مخترقة حواجز مراقبة الدخول.ص 95

- أحلام بدون تذاكر، سوف تستحم معنا على شاطئ مظلم.ص 96

- أخيرا، ارتسم جرم سماوي قبالتي، يسبح في العماء. وهنا جذبني إليه إحساس نبيل في طريق التكوين، عبر كثافة من سحاب.لحظات الانتظار أدفأ من كل اللحظات الباردة التي مرت خارج القاعة .ص 104/105

- وظل يسكب مزيدا من اللوم على نفسه، تفرزه تنهدات متوالية ص 107

 - اكتشفت أن الموج وحده هو الذي يخاطبني، وأن المدنية في الليل، خرجت من أسوار قلاعها لتتمدد على شاطئ ساحلي ينعش الأوصال. أواه لرجال ونساء مغروسة على الرمال، مختومة بالصمت والاستلذاذ ص.112

- أتظنين أن تلك الصفحات السود قد طويت تحت رداء النسيان ؟ ص113

- كان منغمسا في بحيرة صمت متجددة. ص113

- تواصلَ ضحكي، حتى كاد يخنق كلماتي ص120

- أن عينه مازالت تتنزه حول جيدي المطوق بسلسلة ذهبية ص 121

- يراقب بشيء من فضول، حبات الرمال التي غربلتها العواصف ص128

إن الخطاب الشعري في الرواية يحتوي على مشاهد عامة يمتزج فيها الجامد بالمتحرك والصامت بالناطق والمشتعل بالمطفإ وهلم جرا... من المتناقضات التي تحفل بها الحياة، تنطلق من استهلالات صرخة الولادة إلى سكرات الموت.

إذن كل هذه الثنائيات الضدية التي تشكل الفضاء الروائي العام تؤطر المشاهد الروائية عبر كل مقاطعها وتجزُّؤاتها وتباعدها وتكاملها في سياق خصائص التجنيس.

و ما دام الشعر هو لغة الحياة بالاستعارات التي نحيا بها حسب قول اللساني الأمريكي جورج لايكوف، فإن السرد الروائي لا يمكنه الاستغناء عنه بحكم الطبيعة الشعرية في الحياة التي تُعد بؤرة لفضاء مؤطر لحركية الإبداع الروائي، فلا ريب أنها لن تحيد عن الشعرية كخطاب ثري يغني المقاطع الروائية ويجعلها تنضح بالحياة التي تكتنزها شعرية اللحظات والمواقف الإنسانية في أبعادها الدلالية وترميزاتها الإفهامية التي تساوق المستجد في الرسالة الأدبية .

فالرواية بطبيعتها صورة من صور الحياة في زمن من أزمنتها وأماكن من أماكنها التي تعتمد الترميز بقوة لغتها اليومية التي تتضمن الشعرية في تداولات الخطاب اليومي دون أن يدرك المرء أن اللغة الشعرية تتخلل خطاباته بين الفينة والأخرى.

بيد أن الروائي محمد الإحسايني لم يسع إلى شعرنة روايته، وإنما تأتَّت له بفضل طبيعة خطاب الحياة في الرواية والتي استدعت رسم ترميزات الشعرية :

- كنت أرسم خارطة متكاملة بالبحر والمحيطات، بالصحو والعواصف، بالسهول، والجبال، والرمال، وبزرقة السماء، أعانقها في توله، علني أنسى أسطورة خروج بوحمارة المزعجة .ص 158

428-ihsaini- اتجهَ إلى غدير ليستمع إلى خرير يرتل تهاويل أسرار الكون ص 158

- ما أحوجني إلى عالم تسطر فيه النجوم مزاميرها في البحيرات والأدغال ص 174

فكل شخوص الرواية يشاركون في نسج شعرية الخطاب بحكم طبيعتهم الإنسية التي تجعل لغتهم إشارية أساسها الترميز والاستعارات التي هي أساس اللسان البشري في تواصلاته، إلا أن الخطاب قد يكتسب كثافة شعرية خاصة حسب المؤثرات التراثية في ذاكرة الروائي، ولذلك تختلف الخطابات الروائية بشعريتها تماشيا مع المكتنز لدى المبدع.

و ما دام المكتنز هو لغة، فإن البعد الإشاري يظل ضرورة مُلِحَّةً يراوح الشعرية الوجودية في تمفصلاتها الواقعية المشبعة بالتخييل .

و خلاصة القول إن الشعرية في رواية " فارس من حجر " تكمن في التوظيف الجمالي الذي يُمتح من مرجعيات ذاكرة الرواي الحبلى بالتراث في شتى أصنافه .

بيد أنها لم توظف بمقصدية شعرنة الخطاب، وإنما تشكلت بطواعية الذات واستئناسها بها دون الاكتراث بتنزيلها في ثنايا الرواية، الأمر الذي جعلها شعرية مستساغة تنهض بالخطاب وتدرجه في عالم الإبداع بتجددها وإيلافها وتأليفها وترميزاتها الدلالية التي أفضت بالنص الروائي إلى شعرية الإبداع التي تتشكل بانسيابات الحكي وجعلها ترميزا متخفَّى من أجل إحداث جماليات السرد والسموق به إلى مكمن الجمال .

و الجميل في هذا الخطاب الشعري الروائي أنه لا يرد اعتباطا من أجل ترسيخه كخطاب، وإنما من أجل إشراكه باعتباره حكيا لا يمكن الوقوف عنده إلا بتمعن دقيق وهو سر حداثته لكون الرواية احتفظت بجنسها كاملا دون أن تفصح عن الشعرية الكامنة فيها إلا للمتخصص في الخطاب الشعري؛ إنها اكتناز يفصح عن الإبداع والتحديث الروائي المتغيَّا عند الأستاذ محمد الإحسايني.

و للاستدلال على الشعرية الكامنة في هذا النص الروائي آثرنا الجمع بين الأجزاء والمقاطع الآنفة الوضع في هذه الدراسة باستعمال الحذف فقط، ثم التأليف بين الأجزاء دون أي إضافة لنخلص في النهاية إلى قصيدة رواية " فارس من حجر" المتضمَّنة عبر مختلف فصولها، تأكيدا لشعريتها وتنصيصا عليها :

في كل أصيل

ألجأ إلى تفريغ أشياء تخالجني في بئر عميقة

من خلال صخب الكلمات

على أصداء ترانيم تَزُفُّ إليَّ بها نسائم المساء

قلوب منكسرة أنهكها الضني

أن أزحف في أودية المريخ

 أن أصب الماء على الصخرة المتقدة

من نبرات غنائمهم القوية

استوحيت أحلاما حافزة من شَعر صدورهم البادي على ظهر السفن الراسية

ينبثق حلم طفولي

من خلال أجنحة مقصوصة تمتزج بالفناء

دون أن أبحث عن العزاء

أرمي خطوات عبثية في أعقاب ظل هارب

عن زقاق مترهل

أنشد الدفء في أي خاطرة

من طفولة راسبة في الذاكرة

طفولة تتقاذفها الأمواج

محوت كل المشاهد المؤلمة

حاولت أن أقبض بلهفة على ومضات خيالية

تكاد دماء الحيرة تنفجر منها

تنفجر منها أحلام مهربة من مكان سحيق

أخيرا، ارتسم جرم سماوي قبالتي، يسبح في العماء

أدفأ من كل اللحظات الباردة

يسكب مزيدا من اللوم

اكتشفت أن الموج وحده هو الذي يخاطبني

 وأن المدنية في الليل خرجت من أسوار قلاعها

 لتتمدد على شاطئ ساحلي ينعش الأوصال

أواه لرجال ونساء مغروسة على الرمال

مختومة بالصمت

تحت رداء النسيان

 في بحيرة صمت متجددة

تواصلَ ضحكي

كاد يخنق كلماتي

عينه مازالت تتنزه

من حبات رمال غربلتها العواصف

أرسم خارطة الجبال

 والرمال

أتجهُ إلى غدير يرتل تهاويل أسرار الكون

ما أحوجني إلى عالم تسطر فيه النجوم مزاميرها

 في البحيرات والأدغال

 

الدكتور عبد الرحيم كنوان

شاعر مغربي نال عدة جوائز عربية ومغربية . له عدة دواوين شعرية. أشهر مؤلفاته : "من جماليات إيقاع الشعر العربي"- دراسة تقع في 528 صفحة/ ودراسة عن "بلاغة الإيقاع في الشعر المغربي"...

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2629 المصادف: 2013-11-16 01:38:39