المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (2): لماذا الاهتمام بالشخصية الروائية؟

alhasan alkyriيقول فيليب هامون: "إن الشخصية باعتبارها مورفيما فارغا في البداية لا تملأ إلا في آخر صفحة من النص حيث تتم مجمل التحولات التي كانت هذه الشخصية فاعلا فيها. إلا أن مدلول الشخصية (...) لا يتشكل فقط من خلال التكرار أو من خلال التراكم والتحولات، ولكن يتشكل أيضا من خلال التقابل أي من خلال علاقة هذه شخصية بشخصيات الملفوظ الأخرى" (1).

نستنتج من هذا المقول أن الشخصية تلعب دورا هاما ورئيسيا إذا ما نظرنا إليها انطلاقا من المتن المحكي ككل، من مقدمته إلى نهايته، ومن جهة أخرى من خلال ديناميتها وعلاقتها مع الشخصية الأخرى.

إن الشخصيات الروائية في أي متن حكائي هي مصدر ترابطه وتماسكه انطلاقا مما تحققه من علاقات وما تساهم فيه من تطور للحدث حيث إن الكاتب يقيم عليها فعله. إنها قد تسرد لغيرها أو يقع عليها سرد غيرها، وهي بهذا المعنى قد تكون أداة وصف كما قد تكون أداة للسرد والعرض، خصوصا إذا علمنا أن الوصف والسرد في أي عمل روائي عنصران يتداخلان إلى حد كبير جدا، وذلك لأن تعيين كل مكونات بنية الرواية بما فيها من شخصيات كمكون أساس يمر عبر مخطط الوصف. إن الوصف والسرد المقدمان من طرف السارد أو الشخصيات هما إجراءان متماثلان. وهكذا تبقى مهمة الروائي منحصرة فيما يقدمه من وصف لشخصياته من جهة، ومن جهة أخرى فيما يقيم من علاقات بين حالة الشخصيات النفسية وسلوكها وعلاقاتها. ومما لا شك فيه أن الشخصية هي المحور الذي يجمع شتات باقي مكونات الخطاب المروي. ومن هنا فإن الاستكشاف في القصة لن يكون مقنعا إذ لم تقم به شخصيات تتكامل مع القصة. فالشخصية هي لولب الحادث ووسيلة الاستكشاف، وقد تكون الشخصية نفسها هي هدف الاستكشاف. وينبغي أن نشير في هذا السياق إلى أنه من غير الممكن في أي رواية أن يربط كل شخصيات المحكي نوع من النمطية وإلا سيحدث عدم التوازن في أحداث الرواية التي تنبني على وجود نوع من العلاقات بين الشخصيات لتحقيق ما يسمى بالعاملية، والتي تتجلي فيما تؤول إليها هذه الشخصيات وفيما تمثله من دلالات داخل النص المحكي.

 هذه العاملية يضمنها لنا حضور الشخصيات النامية والمتطورة والشخصيات الثابتة، وضمن هذا التباين تتجسد أفكار الروائي ورؤيته الاجتماعية. هذه الرؤية تنعكس بطريقة أو بأخرى على الشخصيات، وتتمظهر أساسا في وظائفها وعلاقتها ببعضها وفي ارتباطها بوضعيتها السوسيوثقافية أو الاجتماعية عامة. وتتحدد بالتالي مواقفها وأفكارها التي تعتبر في الواقع تجسيدا لمواقف وأفكار الروائي نفسه.

 

ذ.لحسن الكيري*

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل / المغرب

..........................

1-  هامون، فيليب: "سميولوجية الشخصيات الروائية" ترجمة سعيد بنغراد، دار الكلام، الرباط، 1990، ص 30.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2630 المصادف: 2013-11-17 00:55:46