المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس(5): أنواع الشخصيات الروائية

alhasan alkyriلقد كانت مسألة إيجاد نمذجة لأصناف الشخصيات الروائية من بين الاهتمامات التي شغلت المنظرين مدة طويلة. وأولى هذه النمذجات الشكلية وأبسطها تلك التي تركز على أهمية الدور المسند لكل شخصية في النص؛ مما مكن المنظرين من استخلاص أول تصنيف يقوم على مقابلة الشخصيات الرئيسة بالثانوية. فحسب أهمية الدور الذي تقوم به في المحكي، يمكن للشخصيات أن تكون إما رئيسة "البطل وخصومه"، أو ثانوية، تكتفي بوظيفة ثانوية. وهما ليس سوى طرفي نقيض، وتوجد بينهما طبعا حالات وسطية عديدة. هذا وقد حاول البعض تجاوز المستوى الكمي السطحي لهذا التصنيف، فانتقل إلى ما هو أعمق، كالحديث  عن نوعية الوظائف الموكولة لكل واحد من هذين الصنفين. وهكذا أسندوا مثلا وظائف ذات طابع تزييني "décoratif "  محض للشخصيات الثانوية مشبهين إياها في ذلك بالإطار، أو المنظر الخلفي المؤطر للصورة الرئيسة، ويمثلها هنا البطل أو البطلة باعتبارهما شخصيتين محوريتين.

أما التصنيف الشكلي الثاني، فيقسم الشخصيات إلى ثابتة مسطحة وأخرى نامية ودينامية على سبيل المعيار للتفريق بين الشخصيات التي تبقى غير متغيرة على طول المحكي وتلك التي تتغير. وهو ما دفع إدوين موير للقول، مميزا بين هذين الصنفين من الشخصيات الروائية في كتابه "بناء الرواية": "الشخصية المسطحة تجسيد للعادة في المقام الأول... أما الشخصية الدرامية فنقيض الشخصية أسيرة العادة. إنها الاستثناء الدائم، إنها تحطم العادة، أو تتحطم من أجلها العادة، إنها تكشف حقيقة ذاتها، أو هي بعبارة أخرى تنمو. إنها تحيل طبيعتها الحقيقية إلى دراما بينما لا تفعل الشخصية المسطحة ذلك إلا بطبيعتها المفتعلة أو على أحسن وجه بشيء كان حقيقيا ثم لم يعد كذلك، ولهذا فإن كلام الشخصية الدرامية حقيقي فعلا، وكلام الشخصية المسطحة مظهري أو رمزي"(1).

  ويبدو أن أول من اصطنع مصطلح الشخصية المدورة والشخصية المسطحة هو الناقد الإنجليزي فورستر في كتابه "Aspects of the Novel". وقد ترجم هذا المصطلح ميشيل زرافا إلى الفرنسية تحت عبارة (personnages ronds  et personnages plats). بينما ترجمه تودوروف وديكرو تحت مصطلح (Epais وPlats) ويشرح هذان الأخيران نقلا عن فورستر، دلالة كل مصطلح. فيذهبان إلى أن المعيار الذي بواسطته نحكم بأن شخصية ما مدورة يكمن في موقف هذه الشخصية. فأما إن فاجأتنا مقنعة إيانا فهي مدورة، وأما إن لم تفاجئنا فهي مسطحة. وهو تمييز يبدو أنه غامض في واقع الأمر. ذلك أن فورستر لم يستطع أن يعطينا أية قاعدة صارمة بواسطتها نستطيع التمييز بين صنفين اثنين مختلفين من الشخصية. إن مسألة الإقناع تحتاج هي نفسها إلى إقناعنا. إنهما ذكرا المصطلحين الذين ذكرهما فورستر نفسه، منذ زمن طويل دون تحديد. إذ كل من الناس سيقتنع أو لا يقتنع بطريقته الخاصة، وبناء على اقتناعه، أو عدم اقتناعه، سيتحدد موقفه من تعيين صنف الشخصية التي يتعامل معها. ومثل هذا السلوك لا يحمل الصرامة العلمية التي يجب أن يحدد بها المصطلح. وقد لاحظ ذلك تودروف نفسه حين ذهب إلى أن هذا التعريف لا ينبغي أن يعني شيئا ذا بال. وهو تعريف يمكن أن يسري على القارئ العادي، وأما القارئ المحترف فإنه لا يسمح لمثل هذه الشخصية بأن تفاجئه بسهولة.

ويزعم ميشيل زرافا بأن فورستر يميز تمييزا لطيفا بين هذين النوعين من الشخصيات، إذ الشخصيات المدورة يشكل كل منها عالما كليا ومعقدا في المكان الذي تضطرب فيه الحكاية المتراكبة وتشيع بمظاهر، كثيرا ما تتسم بالتناقض. بينما الشخصيات المسطحة تشبه مساحة محدودة بخط فاصل. ومع ذلك فإن هذا الوضع لا يحظر عليها، في بعض الأطوار أن تنهض بدور حاسم في العالم السردي.

  ونعتقد أن تدوير الشخصية واضح الدلالة من المعنى الذي تمنحه اللغة. وعليه فالشخصية المدورة هي تلك الشخصية المركبة والمعقدة التي لا تستقر على حال ولا تصطلي لها نار، ولا يستطيع القارئ أن يعرف مسبقا ماذا سيؤول له أمرها، لأنها متغيرة الأحوال ومتبدلة الأطوار، فهي في كل موقف على شأن. فعنصر المفاجأة لا يكفي لتحديد نوع الشخصية، ولكن غنى الحركة التي تكون عليها داخل العمل السردي وقدرتها العالية على تقبل العلاقات مع الشخصيات الأخرى والتأثير فيها، فإذا هي تملأ الحياة بوجودها، وإذا هي لا تستبعد أي بعيد ولا تستصعب أي صعب، ولا تستمر أي مر.. إنها الشخصية المغامرة والشجاعة المعقدة، بكل الدلالات التي يوحي بها لفظ العقدة والتي تكره وتحب وتصعد وتهبط وتؤمن وتكفر، وتفعل الخير كما تفعل الشر وتؤثر في سواها تأثيرا واسعا.

وأما الشخصية المسطحة فهي تلك الشخصية البسيطة التي تمضي على حال لا تكاد تتغير ولا تتبدل في عواطفها ومواقفها وأطوار حياتها بعامة. ومثل هذا التعريف متفق عليه في النقد العالمي شرقه وغربه. ولكن مصطلح الروائي والناقد فورستر وارد تحت طائفة من المصطلحات الأخرى. فالشخصية المدورة مثلا هي معادل مفهوماتي للشخصية النامية. بينما الشخصية المسطحة هي مرادف للشخصية الثابتة، التي لا تكاد تختلف عن الشخصية المسطحة في اصطلاح فورستر. في حين أن الشخصية الإيجابية كما يفهم ذلك من بعض هذا المصطلح غير الأدبي، هي تلك التي تستطيع أن تكون واسطة أو محور اهتمام، لجملة من الشخصيات الأخرى عبر العمل الروائي، فتكون ذات قدرة على التأثير، كما تكون ذات قابلية للتأثر أيضا. في حين أن الشخصية السلبية يعرفها اسمها، ويحددها مصطلحها، فهي تلك التي لا تستطيع أن تؤثر، كما لا تستطيع أن تتأثر. بيد أن الشخصيات السلبية أو المسطحة أو الثابتة (وهذه المصطلحات الثلاثة تكاد تعني شيئا واحداً منها)، لا يمكن أن ترد في العمل الروائي من دون غناء بل كثيرا ما تتوهج الشخصية المدورة أو ما يعادلها في الاصطلاح (النامية/ الإيجابية) بفضل هذا الضرب من الشخصيات. كما لا يمكن أن تكون الشخصية المركزية في العمل الروائي إلا بفضل الشخصيات الثانوية التي ما كان لها لتكون هي أيضا لولا الشخصيات العديمة الاعتبار. فكما أن الفقراء هم الذين يصنعون مجد الأغنياء فكأن الأمر نفسه ها هنا.

 

ذ. لحسن الكيري

كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

 

................

 1-  موير: إيدوين: "بناء الرواية"، ترجمة إبراهيم الصيرفي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، طبعة يونيو 1965، ص 139

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2640 المصادف: 2013-11-26 23:43:15