المثقف - قراءات نقدية

محمد أنقار رائـــد مشروع الصـــورة الروائية في الوطن العربي

jamil hamdaouiالمقدمة: يعد الباحث المغربي الدكتور محمد أنقار سباقا إلى رسم معالم الصورة الروائية أو بلاغة الصورة السردية أو البلاغة النوعية على المستوى العربي، والدليل على ذلك كتابه القيم  (صورة المغرب في الرواية الإسبانية)1، وقد أتبعه الدارس أيضا بكتاب آخر يندرج ضمن التصور البلاغي نفسه هو (ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية (نقطة النور) لبهاء طاهر)2 . وقد ساهم محمد أنقار، بكتاباته القيمة، وندواته النيرة، ودروسه الهادفة والبناءة، وإشرافه على كثير من الرسائل والأطروحات الجامعية، في تأسيس حلقة تطوان في مجال الصورة الروائية، وقد تبعه في ذلك مريده الدكتور محمد مشبال الذي يشرف، إلى يومنا هذا، على تأطير هذه الحلقة وتسييرها تكوينا وتوجيها وتدريسا. إذاً، ما أهم التصورات النظرية والتطبيقية التي يطرحها محمد أنقار في كتابه (صورة المغرب في الرواية الإسبانية)؟ وإلى أي مدى يعتبر معيار الصورة الروائية مشروعا نقديا عربيا جديدا؟ هذا ما سوف نرصده في النقط التالية:

 

التصــور النظـــري والمنهجــي:

يتأسس مشروع محمد أنقار النقدي على معيار الصورة الروائية الذي يتكئ، بطبيعة الحال، على عدة حقول معرفية، مثل: البلاغة، والنقد، والفلسفة، والتشكيل، والسينما، والفوتوغرافيا، والعمارة...بيد أن الصورة التي يتناولها محمد أنقار هي صورة سردية، وليست صورة شعرية أو أية صورة أخرى. بمعنى أن أنقار يؤسس دعائم البلاغة السردية أو البلاغة النوعية. ومن ثم، تصبح الصورة لديه موسعة تشمل ما تعارفت عليه البلاغة الكلاسيكية من صور مجازية ومحسنات، وما تنتجه النصوص السردية من صور داخلية خاصة بها،  انطلاقا من مكوناتها التجنيسية  الثابتة، وسماتها النوعية المتغيرة التي تحضر وتغيب. علاوة على هذا، فالصورة الروائية أو السردية التي قد تحضر في الرواية أو القصة القصيرة أو القصة القصيرة جدا أو الحكاية أو النادرة .. ليست صورة حسية فقط، بل هي صورة تخييلية إبداعية إنسانية، تتجاوز الواقع إلى عوالم خارقة محتملة وممكنة، تتشكل عبر التصوير والنسيج اللغوي والفني والجمالي والمتخيل الإنساني.

وعلى الرغم من ذلك، يمتلك محمد أنقار معرفة خلفية واسعة في مجال الصورة، حيث يحيل عليها مرات ومرات في دراساته النظرية وأبحاثه التطبيقية متنا وهامشا. ومن ثم،  فقد استوعب، بشكل جيد، ما كتب عن  الصورة في مجال الأدب والسينما والمسرح والتشكيل والفوتوغرافيا والأدب المقارن. وفي هذا النطاق، يقول محمد أنقار:" من الواضح أن «الصورة» منذ العهود البشرية الأولى إلى يومنا هذا كانت ولا تزال بمنزلة الأداة أو المبدأ أو المفهوم أو الوسيلة أو المعيار النقدي أو البلاغي أو حتى التواصلي، وأن هذا التاريخ الطويل الحافل يقتضي منطقيا أن يكون هناك تجديد على مستويات التصور والفهم والتناول. لذلك يمكننا أن نتحدث اليوم عن صيغ جمالية جديدة نتعامل بها مع مختلف أنماط الصور بما فيها الصور الأدبية. بيد أن هذه الجدة لا تعني على الإطلاق أية قطيعة مع طرائق التناول السالفة ومع الحساسيات الجمالية مختلف العصور. وفي بعض الأحيان، يخطر لي خاطر يقول لي إن الصورة ليست مجرد حلية بلاغية، وإنما هي وسيلة تواصلية إنسانية نسخرها يوميا في حياتنا المعيشة، ونستغلها في شؤون تفكيرنا،وكتاباتنا، وأحلامنا، وكوابسنا. وفي ضوء هذا الخاطر التداولي أحدس أن الصورة قد تنوب عن البلاغة برمتها، أو عن مجموع ألوان التوشية التعبيرية، أو أن تغدو بابا من أبواب البلاغة الرئيسية. إلا أنني سرعان ما أعود إلى تلك البديهية التي ترى أن التفكير الجمالي يجب أن ينصب أساسا ليس على التسميات والفروق (النقد، البلاغة، التحليل، الصورة...)، وإنما على ماهيات كل تلك المداخل. ومن هنا، يمكن أن نقف على بعض مظاهر الجدة.

إذن، من المحتمل أن تكون هناك حساسية جمالية جديدة في مجال معالجة الصور، إلا أن هذه الحساسية ليست جديدة بالمفهوم القطعي أو أنها مؤسسة على فراغ.3 "

هذا، ويستند تحليل الصورة السردية بصفة عامة، والصورة الروائية بصفة خاصة، إلى مجموعة من العناصر المنهجية التي تتمثل في السياق النصي، والمستوى الذهني، وقواعد الجنس، والطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية. ويستوجب هذا ربط الصورة السردية بسياقها النصي والذهني. فقد كانت البلاغة التقليدية تدرس الصور الشعرية بمعزل عن سياقها النصي والتداولي، فكانت تتعامل معها على أنها جمل وعبارات وأمثلة وأبيات شعرية لاتمت بصلة إلى إطارها النصي والإبداعي. بيد أن بلاغة الصورة السردية تتعامل مع الصور الروائية أو القصصية في سياقها النصي والذهني والكلي. علاوة على ذلك، فحضور المتلقي ضروري في تأويل الصورة والتفاعل معها؛ لأن الصورة تحتاج إلى من يملأ فراغاتها وبياضاتها. بله عن ربط الصورة بالجنس أو النوع الذي تنتمي إليه، واستجلاء طاقتها اللغوية والبلاغية. وفي هذا الصدد، يقول أستاذي محمد أنقار:" من الممكن مقاربة أبرز حدود الصورة الروائية ضمن ما يصطلح على تسميته بالتصوير اللغوي.والحقيقة أن كل تعبير لغوي هو في جوهره تصوير باللغة. والأديب إذ يعبر بالكتابة فإنه يخضع هذا الإطلاق العريض إلى قوانين تداولية يقتضيها الفن الأدبي.وحتى في هذه الوضعية لايختفي الإطلاق نهائيا، لأن الأدب، بحكم طبيعته الإنسانية ليس كتلا مشكلة في صيغ ثابتة.

وللتخفيف من غلواء هذا الإطلاق يصبح من اللازم إخراج الصورة اللغوية من مستواها النحوي إلى سياقها النصي. ولايمكن لهذه الخطوة أن تتحقق إلا بفعل القراءة، أو بوجود متلق قادر على الارتقاء بالصورة من خطها اللغوي إلى الحقل الذهني، بحيث يغدو من غير المنطق بتاتا قبول ادعاء "أولمان" (Ulmann) القائل بضرورة تجاوز الصورة الذهنية في مقام بلاغة التصوير.

ومتى تحققت هذه الخطوة، لزم النزول، نقديا درجة أخرى للتموضع في مستوى جنس أدبي بعينه، بهدف استنباط الشروط التقريبية المتحكمة في صيغ التعبير اللغوي. أي: الصيغ التصويرية. وفي حالة الرواية مثلا، تذعن العبارة اللغوية أولا لماهية الحكي أو السرد من حيث الانطلاق والتوالي والتسلسل والترابط والامتداد، ثم للمكونات النصية. ثانيا، بما فيها من توتر وإيقاع وتكثيف ودينامية، على أساس أن تدخل في وشيج مندغم- في مرحلة ثالثة – مع باقي مكونات الحكي من شخصيات ومشاهد ووقائع وفضاء وتشويق وحوافز.

والحقيقة أن الكشف عن هذا التآصر لايكفي وحده لتحديد ماهية التصوير اللغوي في الرواية، بل يستلزم في مرتبة رابعة استحضار جميع الوظائف التي يمكن أن تقوم بها اللغة من حيث هي لغة، من تنظيم وتجسيم وتشخيص وتلوين وتنغيم وتمثيل، قبل استدعاء الطاقات البلاغية التداولية، أو ما يعرف بالصور البلاغية.".4

ومنهجيا، تتميز البلاغة السردية عن الأسلوبية التي تدرس الصورة في ضوء بلاغة الشعر أو في ضوء معطيات اللسانيات والإحصاء وعلم النفس وعلم الاجتماع، فهي لا تدرس الصور السردية في ارتباطها بالنوع الأدبي أو ضمن سياقها النصي والذهني والجنسي، بل تدرس الصور، مهما كانت طبيعتها، بمقاييس الشعر، وهذا ما كانت تفعله الشعرية (Poétique) أيضا في دراستها للخطابات الأدبية والإبداعية مع رومان جاكبسون(R.Jakobson)، وميشال ريفاتير(M.Rifaterre)، وهنري ميشونيك (H.Meshonic)،  وجماعة مو )  µ  Groupe ) ....

ومن المعلوم، أن الاهتمام بالصورة الشعرية قد بدأ مع أرسطو، وامتد زمنيا عبر دراسات الفلاسفة والبلاغيين العرب والغربيين، ونشطت كذلك مع الأسلوبية في مختلف اتجاهاتها وتياراتها. بيد أن الصورة الشعرية مافتئت تحظى بمكانة كبرى في دراسة النصوص. في حين، أغفل النقد الأدبي والأسلوبية معا دراسة الصور في النصوص السردية، حتى وإن كانت تهتم بها، بشكل من الأشكال، فإنها تدرسها في ضوء مقاييس البلاغة الشعرية، ولم تتمثل في ذلك معايير البلاغة النوعية، من خلال استنطاق النصوص السردية داخليا، واستكشاف صورها التخييلية والجمالية، ورصد متخيلاتها الإنسانية. وهذا ما قام به - فعلا- الدكتور محمد أنقار في مشروعه النقدي الجديد. 

وثمة صعوبة ملحوظة في تعريف الصورة الروائية، إذ يمكن تعريفها على أنها نقيض لكل من الصورة الشعرية والصورة التشكيلية والصورة الفنية الدرامية والسينمائية. ومن ثم، فالصورة الروائية هي صورة لغوية تخييلية وإبداعية وإنسانية، تتشكل في رحم السرد، وتتفاعل مع مجموعة من المكونات التي تشكل الحبكة السردية. ومن ثم، يمكن الحديث عن صورة الموضوع، وصورة اللغة، وصورة الفضاء، وصورة الشخصية، وصورة الراوي، وصورة الإيقاع، وصورة الامتداد، وصورة التوتر، وغيرها من الصور السردية التي تستنبط من داخل النص السردي. وفي هذا السياق، يقول أنقار:" في الحقيقة، ليست الصورة تكوينا متحققا خارج بنية النص ومكوناته، بما فيه البنية الذهنية، بل هي وجود ممتزج عضويا بالفقرة والمشهد والمقطوعة والحوار والحوادث والفضاء والشخصية والموضوع، وكذا بالانطباعين الذهني والنفسي اللذين يثيرهما ذلك المجموع في المتلقي.

والصورة دينامية بطبعها، ومساهمة في ضمان دينامية النص الروائي.كما أنها توتر وامتداد وتفاعل بين مختلف أنماط الصور الكثيفة والمباشرة والجزئية والكلية. وهذا الطابع التكويني الداخلي لا يلغي قيام جدل وتعارض بين الصورة وماهو خارجي عنها، عندما تنخرط في لعبة تداولية غير متكافئة مع الخير والواقع والتاريخ.

كل هذه المعطيات تثبت أن الصورة الروائية ليست اعتباطية، بل خاضعة لمنطق يتحكم بدقة في مظاهر ترابط المكونات.وبذلك، تتشكل، مثلما تتشكل أية صورة فنية، في نسق يصبح هو كونها ونسغ وجودها، ويغدو أي نقل أو تحوير أو فحص للصورة، بعيدا عن نسق التشكل، هدرا لكنهها."5 

ومن ثم، تتحدد وظائف الصورة الروائية من خلال جنسها ونوعها الأدبي. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى ترابط الصورة الروائية بسياقها الجنسي والنوعي والذهني. ولايمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الصورة الشعرية أفضل من الصورة الروائية، بدليل أن الصورة السردية جافة وتقريرية ومباشرة، فكل صورة لها جماليتها الخاصة، ولايمكن أن نفضل واحدة على الأخرى . وفي هذا النطاق، يقول أنقار:" توهم البعض أن "المباشرة" هي صفة سلبية ملازمة لطبيعة السرد. وأن اللفظة في التصوير السردي باردة جافة حائلة اللون لا تشدنا على غير المتوقع ولا تخطف الأبصار.ونرى أنه من المشكوك فيه احتمال صفة المباشرة في الأدب برمته مهما تباينت أجناسه.لأن كل مرتبة أدبية تقتضي تسخير درجة بلاغية ما. ونعتقد أن توهم دونية السرد وإسفافه التعبيري وواقعيته السطحية في مقابل فيض الشعر، هو الذي ساهم في عرقلة بروز الصورة الروائية من حيث هي إشكال نقدي.6 "

وبعد ذلك، ينتقل محمد أنقار إلى استعراض مجموعة من الصور الروائية، مثل: صورة الموضوع التي تتداخل، في كثير من الأحيان، مع الصورة الروائية. ويعني هذا أن الموضوع الدلالي قد يتخذ شكل صورة، كأن نقول صورة الشرقي في الرواية الغربية، أو صورة الإنسان العربي في الأدب الصهيوني، أو صورة المغربي في الرواية الإسبانية. وغالبا ما تتحول هذه الموضوعات إلى صور سردية، سيما في كتابات الأدب المقارن أو دراسات(الصورلوجيا).

ويمكن الحديث أيضا عن صورة التوتر  الناتجة عن الدرامية وشدة شحنة الصراع، وقد تترتب على الارتباطات السلبية بين الظواهر الأدبية والفنية والجمالية داخل النص التخييلي الإبداعي. كما يمكن الإشارة  إلى صورة الإيقاع التي تتشكل في النصوص السردية الشاعرية التي يتقاطع فيها السردي والشعري، وصورة التكثيف التي تحضر في السرود الشعرية أو النفسية الخالية من التتابع الزمني والترابط السببي والمنطقي. وهناك أيضا صورة الفضاء التي تتشكل من الزمان والمكان معا ضمن ما يسمى بالكرونوطوب (Chronotope) حسب ميخائيل باختين (M.Bakhtine)  .

 ومن جهة أخرى، يمكن استجلاء صورة الشخصية الإنسانية في ضوء سياقها النصي، بعيدا عن الإسقاطات المرجعية والإيديولوجية،  وترتبط هذه الصورة - جدليا- بصورة الفضاء والحدث. ويعني هذا ضرورة ربط الشخصية بصورة الإنسان.

علاوة على ذلك، تعرف الصورة الروائية امتدادا على مستوى الأحداث والتحبيك والتخطيب. وبالتالي، لا تتحقق جمالية الصورة الجزئية إلا في تفاعلها مع الصورة الكلية. وبذلك، قد تكون الرواية كلها استعارة أو كناية سردية كبرى. كما تخضع الصورة الروائية للتقويم، فقد تكون صورة متوازنة أو صورة مختلة،  والآتي، أن المتلقي هو الذي يمارس هذا التقويم حين تفاعله القرائي مع النص تلقيا وتقبلا وتأويلا. وغالبا ما تعج الروايات الاستعمارية بصور مختلة، حينما  تقدم الإنسان العربي في وضعيات مشينة وممقوتة، وتستعرضه في مشاهد كاريكاتورية ساخرة، كما هو شأن صورة الإنسان المغربي في الروايات الإسبانية في فترة الحماية على المغرب (1912-1956م). وفي هذا السياق، يقول محمد أنقار:" إن «الاختلال» الذي عالجته يخص بالدرجة الأولى النوع الروائي المعروف بـ "الرواية الاستعمارية". ففي هذا النوع يكون «الاختلال» سمة تكوينية في معظم نصوصه الروائية حيث يأبى الروائي إلا أن يضحي بأصول الفن، وجلال الحقيقة الإنسانية في سبيل تلبية نداء الأطروحة الاستعمارية. وبذلك يتجلى "الاختلال» لكل ناقد أو بلاغي محايد، ويغدو من الممكن إثبات ذلك «الاختلال" بالحجج الأسلوبية المتناقضة، أو الزائفة، أو المرتبكة جماليا.

أما فيما يخص الأنواع الروائية الأخرى غير الاستعمارية، فلا أرى أن «الاختلال» يجب أن يكون مقوما من مقوماتها. وبهذا المفهوم لا أظن أن معظم روايات بروست وتولستوي وكونديرا تتسم باختلال من هذا القبيل. صحيح أنه من الممكن أن نعثر لدى هؤلاء ولدى غيرهم من الروائيين على أخطاء أو هفوات جمالية، وعلى الرغم من ذلك يبقى الإقناع الجمالي حاضرا في إبداعهم بقوة مهيمنة. كل ذلك يعنى أن "الاختلال» الجمالي أو الأسلوبي هو حالة ملازمة لكل إبداع روائي، تتيح للروايات الاستعمارية (ويمكن أن نضيف إليها كثيرا من الروايات التاريخية والجنسية) فرصا عدة لمعاينة الاختلال بصورة ملموسة.

ثم لا تنس أني عنونت الباب الأخير [من الكتاب] بـ «نحو صورة متوازنة» من غير أن أقول «صورة متوازنة» مراعيا بذلك «طغيان «الخلل الجمالي» على معظم الروايات الاستعمارية المكتوبة عن المغرب. في حين، يظل «التوازن» أملا جماليا لم يتحقق للأسف في تلك الروايات المكتوبة باللغة الإسبانية7. "

وعلى العموم، يندرج عمل الباحث ضمن الأدب المقارن؛ لأنه يدرس صورة المغربي في الروايات الإسبانية في ضوء معيار الصورة الروائية الأدبية، ولا يدرس الصور المقارنة في ضوء الأبعاد السياسية والمرجعية والفلسفية والإيديولوجية، كما كان سائدا بكثرة في الأدب المقارن الكلاسيكي والحديث. ومن ثم، فهذا الكتاب فتح جديد في حقل الأدب المقارن؛ لأنه يزود الدارسين بمنهجية جديدة في دراسة الصورة، من خلال استبدال الصور المرجعية المقارنة بصور سردية  فنية وجمالية .

 

تأسيس حلقـــة تطــــوان:

أسس محمد أنقار حلقة أدبية ونقدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة عبد الملك السعدي بمدينة تطوان، تسمى بحلقة الصورة الروائية. بمعنى أن هذه الصورة قد حلت محل البلاغة بالمفهوم التقليدي. كما وسع الباحث الصورة السردية لتشمل الصور الشعرية وغير الشعرية التي تحضر في النصوص الأدبية، خاصة الروائية والقصصية منها. ومن ثم، فالهدف من هذه البلاغة النوعية هو رصد مكونات النص التخييلي، وتحديد سماته الفنية والجمالية، وتقييم الصور من حيث توازنها واختلالها، وتصنيف الصور وتنميطها وتجنسيها حسب ثوابتها ومتغيراتها التجنيسية، مع تحليل الصور السردية أجناسيا ولغويا وبلاغيا وسياقيا وتلقيا.

هذا،  وقد أشرف محمد أنقار على عدة رسائل وأطروحات جامعية تصب جلها في مبحث الصورة السردية أو الصورة الروائية، كما هو حال (الصورة الروائية) لمصطفى الورياغلي، و(استبداد الصورة - شاعرية الرواية العربية) لعبد الرحيم الإدريسي، و(صورة المثقف في الرواية المغربية بين السبعينيات والتسعينيات) لإكرام بن يعيش، و(سمة التصوف في القصة المغربية القصيرة)  لخالد أقلعي، و(سمات التصوير الصوفي في كتاب (الإشارات الإلهية) لأبي حيان التوحيدي) لمحمد المسعودي، و(المناقب المغربية بين التصنيف والتجنيس) لمحمد العمري، و(تشغيل مصطلح الصورة في كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ) لمحمد العناز...

كما خلف محمد أنقار وراءه مجموعة من المريدين تتلمذوا على يديه مباشرة  أو غير مباشرة، وهم مازالوا يتمثلون معيار الصورة الروائية في أعمالهم النقدية ودراساتهم الأدبية، مثل: محمد مشبال، وشرف الدين ماجدولين، وجميل حمداوي، وشعيب حليفي، والبشير البقالي،...

 

جدة المشروع النقـدي:

بكل صراحة، يعد تنظير الدكتور محمد أنقار للصورة الروائية مشروعا نقديا جديدا في الوطن العربي، فقد ظهر هذا التصور المتميز في سنوات التسعين من القرن الماضي إن تنظيرا وإن تطبيقا. ومازالت شعلة هذا المشروع تتوهج تطورا ونموا ورقيا واستكمالا مع مجموعة من طلبة حلقة تطوان النابهين.

وتتمثل جدة هذا المشروع في تأسيس بلاغة جديدة تسمى بالصورة الروائية أو بلاغة الصورة السردية أو البلاغة النوعية، وقلما انتبه الدارسون العرب إلى هذه الصورة، حتى في الثقافة الغربية؛ لأن السائد في دراسة الصور في النصوص الإبداعية الشعرية أو السردية أو القصصية أو الروائية  هو تطبيق مقاييس الصورة الشعرية، كما يتبين لنا ذلك بوضوح في الدراسات البلاغية الكلاسيكية والدراسات الأسلوبية أو الدراسات الشعرية أو الدراسات السيميائية.

ومن جهة أخرى، فقد نبه محمد أنقار النقاد والدارسين، في مجال النقد الأدبي، إلى أهمية الصورة السردية في تحليل النصوص والخطابات الإبداعية والتخييلية، بعد أن قيد هؤلاء أنفسهم بمناهج مرجعية وإيديولوجية أو بمقاييس نقدية صارمة في إطار البنيوية أو السيميائيات. ويعني هذا أنه من الضروري أن ينصت النقاد إلى الصور السردية الثاوية في أعماق الكتابة السردية، فيحللونها في ضوء منهجية بلاغية متكاملة الأوصال، تعتمد على قراءة الصور الكلية والجزئية في تفاعل تام أفقيا وعموديا، اعتمادا على مجموعة من المفاهيم، مثل: قواعد الجنس، والطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية، والسياق النصي، والسياق الذهني، بحثا عن مكونات النص الثابتة من جهة، وتبيان سماته المتغيرة التي تحضر وتغيب من جهة أخرى.

كما يعد مشروع محمد أنقار فتحا جديدا في الأدب المقارن الذي طغت عليه الدراسات التاريخية والنفسية والاجتماعية والفلسفية أثناء مقارنة صور المثاقفة أو صور علاقة الأنا بالآخر. بمعنى أن دراسة الصور في مجال الأدب المقارن كانت ذات طبيعة مرجعية وإيديولوجية، ولم تكن دراسة فنية وجمالية وأدبية بمعناها الحقيقي، تستقري الصور السردية في سياقها النصي والذهني والتداولي، بل كانت ترصد الصور في أبعادها الصورلوجية (imagologie)) ليس إلا.

 

الخاتمـــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن محمد أنقار رائد الصورة الروائية ومنظرها في الوطن العربي بلا منازع. كما يعد المؤسس الحقيقي لحلقة تطوان في مجال الصورة الروائية وبلاغة الصورة السردية. وما يزال مشروعه النقدي المتميز، على الصعيد العربي، يشع توهجا وانتشارا وامتدادا لافتا للانتباه، من خلال مجموعة من الدراسات والمقالات والندوات والرسائل والأطروحات الجامعية التي تتكاثر من سنة إلى أخرى.

ويكفي الدكتور محمد أنقار فخرا أنه جدد النقد العربي المعاصر على مستوى الآليات والمفاهيم والتصورات من جهة، وجدد منهجية الأدب المقارن في تعامله مع الصور من جهة أخرى، حينما أرسى دعائم مشروع نقدي جديد ومتميز هو مشروع الصورة الروائية، أو ما يسمى كذلك بنظرية البلاغة السردية التي أصبحت لها منهجيتها التطبيقية الخاصة بها، وتتفرد كذلك بأدواتها التحليلية والاصطلاحية التي تميزها عن باقي البلاغات المعروفة الأخرى.

 

...............

1 - د. محمد أنقار: صورة المغرب في الرواية الإسبانية، مكتبة الإدرسي بتطوان، الطبعة الأولى سنة 1994م.

2 - د. محمد أنقار: ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية(نقطة النور) لبهاء طاهر، منشورات مرايا بطنجة، الطبعة الأولى سنة 2007م.

3-   (الأديب المغربي محمد أنقار)، حوار، جريدة بيان اليوم، المغرب، العدد، السنة

http://bayanealyaoume.press.ma

4 - د. محمد أنقار: صورة المغرب في الرواية الإسبانية، ص:16.

5 - د. محمد أنقار: نفسه، ص:16.

6- د. محمد أنقار: نفسه، ص:23.

7 - انظر: (الأديب المغربي محمد أنقار)، حوار، جريدة بيان اليوم، المغرب،  http://bayanealyaoume.press.ma

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2649 المصادف: 2013-12-05 23:45:13