المثقف - قراءات نقدية

مرائي الصحراء المسفوحة في مخيّلة القاص حامد فاضل

fadil abodaltamimiعن دار تمّوز في سوريّة صدر للقاص حامد فاضل كتابه الجديد: (ثقافة الأمكنة مرائي الصحراء المسفوحة) 2012، وهو بدلالة عنوانه ينفتح على الصحراء بوصفها مكانا متعيّنا في المنطقة الممتدة من جنوب غرب مدينة السماوة العراقيّة حتى شرقها، لافتا النظر إلى حيّز مكانيّ كان ولمّا يزل يشغل الذاكرة اليقظة بما فيها من أرث، وتحولات حضاريّة بطلها الإنسان، والطبيعة القاسية.

والصحراء التي تتبع أثرها (القاص: المؤلف) ليست مكانا خاليا من الحياة كما يتصوّر من كان بعيدا عن فضائها، وإنما هي حيّز ينضح بالحياة، والإشكالات، والإنجازات، وطرائق تقبّل الآخر، أو رفضه سواء أكان إنسانا، أم حيوانا، أم محض حكاية، أم سراب حلم مرّ عابرا في ذاكرة عطشى في سماء صيف قائض، فالصحراء في (الكتاب) مكان ضاجّ بالطبيعة، وكتب الجغرافية، والتاريخ، والمذكرات، والحكايات، والقصص التي تشكّل العمود الفقري لثقافة الإنسان الذي ينتسب إلى المكان أكثر من انتسابه إلى عالم البشريّة.

استهلّ المؤلف كتابه بـالجملة الآتية: (ليس عليك الذهاب بعيدا إذا أردت أن ترى الله فتعال إلى الصحراء) للتدليل على نقاء المكان، واقترابه من الطبيعة الإنسانيّة المنفتحة على البراءة الأولى التي صيغت منها فلسفة الحياة، واقترانه بالحيّز الجغرافي المكتسي أبدا بالرمل، والآبار، والألفة الحميمة التي تجمع بين الإنسان والحيوان، والموجودات الأخرى.

هذا الاستهلال يذكرني بمقولة بلزاك المهمّة: (الصحراء هي الله بلا بشر)، التي سبق للقاص محمد خضيّر أن استعارها في كتابه المكاني: (بصرياثا) (1)، فالمؤلف باعتمادها اقترب دلاليّا، ونفسيّا من مقولة الروائي الفرنسي مؤكّدا انتماءه الإنساني المنظّم إلى جغرافية المكان، وتهجّده عامدا قبالة مرآة الصحراء المسفوحة بالوله الإنساني المعمّد بالحكايات التي لا تفقد دلالاتها مهما رويت، فهو في طريقه إلى مكمن الفطرة التي أودعها الخالق في سرّ المخلوق لعلّه ينفذ من لحظة بوح العاشق، والمعشوق في مرآة الصحراء التي لا تعكس مرأى البصر الذي هو على حدّ تعبيره يزدحم برؤى البصيرة، وإنما تعكس أشياء تغور في النفس الإنسانيّة أيضا.

لا يبالغ المؤلف- وهو في قمّة اندماجه الروحي مع الصحراء- حين يؤكد أنّه يرى الله يتجلى في الأفق الفاصل بين زرقة السماء، وغبرة الأرض، ويحسّه في قشعريرة الخشوع التي تدبّ في أوصاله، وفي فيض النور الذي يغمر الآماد المفتوحة في الصحراء، في إشارات مغنية دالّة على انتمائه الروحي الذي تتوحد في مجسّاته الطبيعة الخلاقة للكون منظومة في قدرة الله الذي وهب الصحراء لتكون سجّادة صلاة متّصلة بأفق السماء لا تكشف أسرارها إلا لأنفاس روح مقدّسة، لها ما يمنح المكان سلطة التحوّل الجغرافيّ، والتأريخي معا.

والصحراء التي يعرفها المؤلف عن قرب لها رواتها، وحفظتها الذين يتلون متنها، ولها حكاتها الذين يمتلكون أسرار خزائنها وهي تضجّ بحكايات السمر المطعّمة بأفانين القول السابر لنزعات الحياة، والموت الراصدة لوجود الإنسان، ومشكلاته، والحيوان، ومتعه، ولها رجالاتها الذين ينتمون إلى زمكانها، فهي-الصحراء- كتاب لا يقرؤه من يجهل لغتها المنظومة في كلمات الريح، والليل، ولا يعرفه من لا يدري كيف تقلّب أصابع الريح أوراق الرمل، ولا يبصره من لا يبصر ما خطّ يراع الله على جبين الصحراء من وهدان، ووديان، وحجر وإنسان، فهي مكمن الصيرورة الأولى، متن مكتظّ بالمرئي واللامرئي، والغامض والمفتوح الذي يمارس حضوره اليومي في الذاكرة الجمعيّة لمجتمع الصحراء .

يتألف الكتاب من عشرة (مرائي)، كلّ مرأى بمنزلة الفصل للكتاب، وهي على التوالي: (آخر المستحمات في حمام زبيدة)، و(دلو في بئر بصيّة)، و(نقرة السلمان مرآة رمل مقعّرة)، و(لويحظ وادي الخوف والطمع)، و(الرحاب ماء العيون ونار القصور)، و(الوركاء دويلة الملوك والمعابد والآلهة)، و(أبقاربحيرة ساوة)، و(العفايف مملكة الذئاب)، و(الجذعاء عاصمة الضب)، و(ساعة الله مواقيت الصحراء) .

والمرأى في اللغة ما يظهر للإنسان فيراه بعينه فهو المشاهد، أوالرائي، وهو في الكتاب المؤلف الذي يصوّر بقلمه ما يتمرأى له من تشكيلات الصحراء تلك التي وجّهت له نداءات علنيّة للدخول إلى فضائها، والعيش مع إنسانها، وكائناتها الأخرى التي لا تقل أهميّة عن الإنسان المتباهي بحضارات ما بعد الحداثة، فالمرأى نافذة المؤلف التي يطل عبرها إلى المكان، وجمعه (مرائي) مجموعة من المشاهدات التي تتمظهر في عين (الرائي: السارد) لتشكّل مشهد الصحراء النابض بالحياة، وفيه يتفنّن (الرائي) في تشكيل نصوصه التي تأخذ من أبنية السرد جلّ معالمها، فالحوار يحضر، والشخصيّات تتجلى، والزمن ينبض بالحركة، والمكان يتّسع، والحدث يأخذ سمته من الأفق الممتد حتى مغيب الشمس، والحكاية تأخذ برقبة المتلقي إلى تخيّل الرائي السعيد.

تولى تقديم مادة الكتاب (سارد) عليم بالمكان الذي جاب تضاريسه، وقد حدّد مفاصل تاريخه، وجغرافيّته، وعلاقاته أيضا، فهو-السارد- كما تخبرنا أدبيّات السرد الجديد، ليس المؤلف نفسه، إنما هو شخصيّة مفترضة يصنعها المؤلف من ورق كتابته، وأحبار أقلامه لتكون مهمّته تقديم المتن مؤطّرا بهوامشهه، وإحالاته، وذيوله التي تتوخى الإخبار، والوصف، والتوضيح، والدقة التوثيقية التي تلمّ شمل بقعة من الأرض ليس من السهولة لمّها، أو جمع حكاياتها، والتغني بجمالياتها التي لا تظهر للعيان دفعة واحدة.

والسارد في الكتاب يهيمن عبر ضمير المتكلم-نا-على أجواء السرد، وتفاصيل صياغاته، وقد حدّد هويته الثقافيّة بوضوح: (هل يمكن لحضري مثلي عشق الصحراء أن يتلفّع دثارا مغزولا من ضوء قمر صحراوي ليتخفى بستار الزهد الفطري، ويكمن لاقتناص لحظة المرأى التي ربما تكون قريبة من عين المخيال؟) ص28، سؤال السارد بصيغته الصريحة يقود الى فكّ مغاليق النافذة المتّصلة بفضاء الصحراء، فهو ليس من أبنائها، بل من مدينة مجاورة لها تتماس مع مخيّلتها، وتنام على ترنيماتها، وتنظر إليها من ثقب المسافة الواصلة بين مكانين مختلفين: المدينة والصحراء، لكنّه-السارد- ظل طوال حياته يحلم بالكتابة عنها، فالصحراء حلمه الأثيرالذي ما غادر يوما مخيّلته النابضة بالسرد، والشعر، والعجائب المنمّقة التي كان قد ورثها عن أسلافه الحكّائين العظام.

وسارد مرائي (الكتاب) يقترب من شخصيّة المؤلف الحقيقي الذي كتب (المرائي)، وهو يخبر بضمير يُعدّ من أكثر الضمائر هيمنة في السرود الذاتية، ومن يقرأ الكتاب يجد ثمّة تطابقا تاما بين (أنا السارد)، و(أنا المؤلف)، بمعنى أنّ الذي جاب الصحراء على وجه الحقيقة هو (حامد) الرجل المتحضّر الذي يعمل مدرّسا في مدينة السماوة، وأنّ الذي سرد الأحداث هو (أنا حامد) بوصفه ساردا عليما بكلّ ما في الصحراء، وهذا ما ظهر واضحا في النصّ الذي ينادي فيه (المؤلف:السارد) حارس آثار أوروك: (أيها السومري الحارس للألواح، والرموز المقدّسة .. أنا حامد فاضل، كاتب عراقي مهتم بأمر دويلات المدن، أعكف الآن على كتابة مرأى عن الوركاء) ص178، وهو فضلا عن ذلك كما تخبرنا سيرته:كاتب، وراو، ورائيٌ، وحكّاءٌ، وشاعرٌ أيضا.

والسارد في كتاب (المرائي) في تقديمه للمادة المسرودة ينطلق من منهج اختطّه بدقة لكي يكون سرده متوافقا مع رغبته الدقيقة في إقامة علاقة تتناظر فيها المادة المسرودة، والمروي له، فقد نذر نفسه للصحراء، فهو عاشقها الذي يدسّ يراعه في بؤرة تاريخها وجغرافيتها، يدخل فضاءها غير المتناهي ليلا ليهتدي بالنجوم، وبالنهار يتّبع الأثر ص48، بمعنى أنّ نصف ملاحظاته التي سجلها في الكتاب مشاهدات عيانيّة، تتغذى بالبصر، وتستانس بملاحظات البدو، والطبيعة، والقراءة الدقيقة في المتون المعنيّة بالمكان، أمّا النصف الآخر فهو من بنات تخيّله.

والسارد كما يؤكد لمتلقيه لا يفهم في التضاريس المثبتة على الخرائط كفهمه لها وهو يعاين أحضان أمّه الأرض وهي تتمرأى للناظر والمتخيّل، فهزّة الوجد التي تنتابه نحو البراري تفعل فيه ماشاء لها من فعل نفسيّ يستجيب لنداء البساطة، والبراءة، والنقاء؛ولهذا فهو يدركها وهي مسفوحة أمام بصره الضارب في مرايا الرمل الممتدّة على مساحات تبدو متّصلة مع بعضها إلى ما لا نهاية لها.

وعلى الرغم من اعتماد السارد على المشاهدات المكانيّة إلا أنّ رغبته في التوثيق تدفعه لأن يلجأ إلى تدوين ملاحظات النظر في قراطيس اعدّها سلفا مع علمه أنّ أسرار الصحراء لا يمكن البوح بها، أو فضّ بكارة تنصيصاتها، والتوثيق نفسه يدفعه لأن يتّصل بمؤرخ عارف يترك له زمام ناقة الحكي، وهو يصغي اليه مستئنسا بمتونه الشفاهيّة التي لا يدانيها شكّ، ليمضي كالسائر في نومه مسحورا بما ينسج المؤرخ من قصص تتحدّث عن الإنسان في سالف أحواله.

وقد يستأذن السارد من الحكّاء العليم الذي يعلو برتبته السرديّة على قامة سرده لأن يسمح له بأن يدلي بدلوه في بئر الحكاية، أيّ حكاية تدخل في فضاء الصحراء، وهو المأخوذ بتراثها الثر فتراه لا يحمل جرابا كجراب ابن الصحراء المملوءة بسحر الخرافة، إنّما يحمل في رأسه قلما وقراطيس مخفيّة تحت لسان سلطة القول، يتّخذ منها مادّة تتشكّل تشكّلا سرديّا ينبئ عن معرفة تامّة بأجواء المكان، وهو الأعزل من أيّ سلاح سوى سلاح الحكاية ومتعها التي يوثق بها ثقافة البداة المهدّدة بالإنقراض في عالم يتجه بقوة نحو اقتصاد الموت .

والسارد على الرغم من اعتماده على مئات الحكايات المتوارثة، والمعلومات التي تفيض بها كتب التاريخ والجغرافية، وكتب المذكرات، والآثار إلا أنّه يلجأ إلى مخيّلته الخصبة ليشيد من آجرّها نصوصه الصحراويّة المطعّمة بنكهة التخيّل الذي هو عند كلّ فنان سلطة إبداعيّة منظّمة من دونها لا يمكن للنصّ أن يرتقي إلى فضاءات الإبداع المفارق لما هو اعتياديّ، وغارق في المباشرة، والسكون.

فالتخيّل في إجراءاته النسقيّة يعمل على كشف وظيفة (الخيال) في إنتاج الأدب بوساطة استرجاع المعاني، وإعادة تركيبها، وإنتاجها على وفق رؤية متقدّمة تتولى الجمع بين ما هو حسيّ، وعقليّ في مهمّة لا يقوى على توصيفها الأديب نفسه، فهو مرهون بحالة الأديب، واستعداده النفسيّ لأن ينتج أدباً عابراً حدود ما هو مألوف وساذج، بمعنى أنّه مجموعة من المهارات التي يستعملها المبدع بعيدا عن إرادته الإعتياديّة لغرض إنتاج نصّ أدبيّ ملوّن بحدود التجربة الحياتيّة، لكنّه خارج عن إطار قالبها الحقيقي في جملة من التفصيلات، والتشكيلات التي تتّخذ من السياقات اللغويّة حيّزا لها (2) .

مخيّلة السارد في: (ثقافة الأمكنة: مرائي الصحراء المسفوحة) تخفي وراء تضاريسها عمقا تشكيليّا موّارا بالمكوّنات الصوتيّة والبانوراميّة التي تصنعها لحظة اتّقاد الجمرات المبثوثة في مجسّات التذكّر المتّصلة دائما بعنصري الزمان والمكان: (أتخيل وأنا في محاولتي للكتابة...)، ماذا يتخيل؟، أنّ سيّدة بني العباس تفكّر بحمّامها في لحظة توجب الإغتسال، ص18، وأنّ قافلة من قاصدي الحجّ في درب زبيدة غبشا يبدؤون المسير من الكوفة ص 19.

فالمخيّلة مشبعة برائحة الماضي، فهي لا تخذله عند كتابة مرآى ص20، أو تصوّر حال، وهو لا يدري كيف، ومتى، وأين تكمن تلك المخيّلة لكي تقتنص لحظة الرؤيا ص38، لكنه يدري أنّ لحظة اعتلاء صهوة المخيال تجمح به بعيدا ثم تنقاد له وتمضي تخبّ نحو بئر، أو خيط أحمر على رأس عصى، فيسمع وقع حوافرالصحراء بكلّ مكوّناتها تدبّ على سطح مكتبه ص98، آخذة إيّاه إلى صحراء روحه المسفوحة تحت سماء التخيّل ص106، وحين تجيئ طيور الكتابة تنقر نافذته فيفرد جناحيه تخيّلا ليحلّق خلف أسرابها يطاردها حتى إذا ما تكلّ أجنحتها تتساقط كالغيث على مكتبه فيصطاد منها أدقّ العبارات ص 106، في إشارة إلى أنّ فعل التخيّل الإبداعي يأخذ به من مكان التخيّل إلى التخيّل نفسه لكي يكتب مرائيه التي تسفح حبرا على ورق الكتابة.

ويبدو فعل التخيّل واضحا في لغة (المرائي) التي تكشف عن انغمار المؤلف بفضاءات اللغة الشعريّة التي فرضت حضورها النصيّ على متن الكتاب ممثّلة في ظاهرتين بارزتين:

الأولى:وجود الاستعارة بشكلها الفنيّ القائم على تجسيد الطبيعة:

تأخذ الاستعارات حيّزا واضحا في متن: (ثقافة الأمكنة: مرائي الصحراء المسفوحة)، وهي كما هو معلوم مظهر بلاغي متّقد بالانزياح المولّد للشعريّة قائم على فكرة تناسي التشبيه نفسه التي تكشف عن قدرة إيحائيّة (تجسّد) (3) بإيقاع شعريّ جوهر الاستبدال بين المستعار له، والمستعار منه، فهي صورة، أو مجموعة من الصور التي ينتجها التخيّل الذي يقوم على استدعاء المعاني غير النمطيّة التي ترتبط مع غيرها في النصّ الأدبيّ لتشكّل منها نسقا شعريّا موّارا بالجمال والمفارقة.

لقد لاحظ النقاد قدرة الاستعارة على محاورة الأشياء الجامدة، وغير العاقلة، والمعاني التي لا تدرك إلا بالذهن عن طريق (الأنسنة) التي تلبس الأشياء صفات الكائن الحيّ، وسلوكه، بأجواء استعاريّة (لا تقوم على التشبيه، وإنّما تقوم على بثّ الحياة، والحركة في المشبه لغرض المبالغة ..) (4)، وإيجاد وسائل تعبيريّة تعمل على شدّ انتباه المتلقي لما فيها من مغايرة أسلوبيّة غير معهودة.

إنّ التجسيد تشكيلٌ جماليٌ، وفكريٌ يقود الصورة الأدبيّة إلى مزيد من الإبداع اللغوي- الجمالي في أطرٍ أسلوبيّة مغايرة موسومة بالإدهاش، والطرافة وبثّ الحياة في الجماد، والمعاني، والحيوات غير العاقلة، فضلا عن ذلك فهو مظهر من مظاهر شحذ العقل، وتأكيد إبداعه؛ولهذا شاع في الآداب العالميّة، أيضا، وعاد إلينا محمولا بعبارات النظريّة الجشتاليّة عند الناقدين الغربيين:لاكوف، وجونسون، اللذين تحدثا عن الاستعارة الاتفاقيّة في قسمها الثالث المسمى بـ (الاستعارة الإنطلوجيّة) التي تنحو منحى بلاغيّا يهدف إلى تجسيد المعاني المجردة وتعينها (5) .

استعارات (المرائي) قدّمت صورا حسيّة في نثر يكاد بسببها يقترب من الشعر، بمعنى أنّ الإستعارات كانت لها أنساقها الواصفة بمزايا بثّ الحياة في ما هو جامد، أو غير عاقل نحو: (الليل يمٌّ مليم يلقي عباءة أمواجه على جسدين ملتحمين، وهما يبحران في قارب تأرجحه يد العاصفة) ص17، الذي تجاور فيه التشبيه البليغ متجرّدا عن أداته ووجه شبهه مع الإستعارة في تشكيلة (نثريّة) تنبئ عن قدرة النثر، وهو يتخطى حدود مهمّته المعتادة إلى مهمّة شعريّة تتألّق فيها السياقات الواصفة، فالليل في العبارات السابقة يتجسّد في هيأة مؤنسنة لها ما يؤكّد فاعليتها.

وقد يتجاور التشبيه، والكناية، والاستعارة في نصّ من نصوص الكتاب ليحيل اللغة النثريّة إلى سياق تتفاعل فيه أكثر الأنساق البلاغيّة المشحونة بجوهر الشعريّة وهي تتسامى على مظاهر الطبيعة الجرداء: (صحراء السماوة سجادة منسوجة من الرمل/ الحصى/ الحجارة / الزواحف مفروشة في خيمة الله التي لا يعتلي أسكفها إلا جناح براق) ص45، فـ (صحراء السماوة سجّادة) ...تركيب ينتمي إلى حقل التشبيه البليغ، أمّا (خيمة الله) فكناية تريد أن تقف أمام جلال الخالق لتشير إلى نسق الكون المطبق على الأرض والمخلوق، فضلا عن أنّ: (جناح براق) تعبير يزخر ببعد استعاري واضح.

وتكاد أغلب الاستعارات في الكتاب تأخذ منحى يسعى إلى تجسيد الطبيعة، وإضفاء ملامح الإنسان على تشكّلات تضاريسها نحو: (الربيع ينشر ثيابه التي بلّلها ندى الصباح تحت شمس الظهيرة) ص19، فالربيع يظهر مجسّدا في صورة إنسان يمارس حياته الاعتياديّة، و(الصحراء تتنفس مع الصبح، وتعسعس مع الليل) ص36، فهي كائن حيّ يتنفس، ويمارس فعل العسس، و(يختزن [بئر لوذان] في داخله حزن غيوم البادية التي تجهش بالبكاء طيلة فصل الشتاء) ص54، فالبئر يختزن في داخله حزن غيوم البادية التي تبكي كما الإنسان، و(كان فصل الربيع قد خلع على الصحراء حلّة سندسيّة خضراء، وطرّزها بألوان الأزهار البريّة) ص61، فالربيع يخلع، ويطرّز، وكأنه إنسان، و(رفعت السماء نقاب السحاب، أسفرت عن وجهها الصافي المشعّ بضياء شامتها الشقراء) ص68، فالسماء ترفع نقاب السحاب، وتسفر عن وجهها وكأنها امرأة فاتنة، و(النهر الدائم الجريان الذي يرضع من أثداء سماء محمّلة بالسحاب الثقال) ص78، فالنهر يرضع مثل طفل، والسماء لها أثداء أمّ رؤوم حانية، و(السراب يضحك ملء شدقيه قدّامها، وهي ماضية) ص103، أي أنّ السراب يضحك كأنّه انسان، و(أناخت الشمس ناقتها، واستراحت وراء التلال) ص114، فالشمس تنوخ، وتستريح كأنّها ناقة، و(الوقت يركض مثل ذئب جائع ليفترس النهار) ص145.

إنّ تجسيد الطبيعة، والطبيعة الصحراويّة استعاريّا ما كان إلا بسبب هيمنة الطبيعة على وعي المؤلف نفسه بوصفها بطلا مؤنسنا لا مفرّ من الإندماج في أنساق أقانيمه، فهي-الصحراء- معادل المؤلف الموضوعي الذي تكفّل راضيا أن يدافع عنه، لكي يكون ثيمته الأثيرة في عالم بدأ يبتعد كثيرا عن مُثل الصحراء، وفضاء إنسانيّتها.

الأخرى: التناص مع لغة القرآن الكريم:

التناص مصطلحٌ نقديٌّ حديثٌ مؤدى دلالته يتمثل في : (أنّه ترحال للنصوص، وتداخل نصي، ففي فضاء نص معين تتقاطع، وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى) (6)، وقد بدت تلويناته النصيّة واضحة على مساحة غير قليلة من متن كتاب: (ثقافة الأمكنة مرائي الصحراء المسفوحة)، متعلقة بنصوص القرآن الكريم أكثر من غيره، فالتناص -هنا- همّه الإرتقاء بالأسلوب السردي، والإحالة على مرجعيّة النصّ الخارجيّ التي تتعلق بلغة القرآن الكريم، وهو-التناص- في الكتاب يمكن دراسته على وفق آليات التناص المستتر الذي يعمد فيه المؤلف إلى إذابة الأنساق القرآنيّة في سياقات (المرائي) بعد أن يضيف إليها شيئاً من لغته لتبدو الصورة السرديّة مزيجاً من لغتين مختلفتين تشتركان في إقامة نمط من التشكيل الحواري في مرائي الكتاب كما في قول المؤلف: (حتى إذا فاجأها المخاض انتبذت تحت سماء الجنوب الغربي خيمة اسيويّة) ص70، ففي هذا النص استدعى الشاعر من الآيتين: (16)، و(23) من سورة مريم استدعاءً جزئيّا ليشير إلى سلطة النص القرآني الذي مارس توجيها واضحا على مساحة الشكل التعبيري للمرأى، وجاء في مرأى آخر: (تظل عيون المضايف مفتوحة لعلّ الطريق تجود بسار آنس نارا) ص74، فنهاية الجملة فيه جاء بناؤها النصيّ قريباً من قوله تعالى في الآية (10) من سورة (طه)، أّمّا قوله: (وصلت إلى خيام البدو بياتا وهم نائمون) ص81 فيشير إلى ما في الآية (97) من سورة الأعراف، وكذا الحال في: (قطعان الغزلان المرعوبة التي ضاقت عليها الصحراء بما رحبت) ص85 الذي يحيل المتلقي على قوله تعالى في الآية (25) من سورة (التوبة)، وللمتلقي أن يعدّ قول المؤلف: (فراح يلهث خلف الأثر، وما هي إلا كلمح البصر فكان قريبا وخلف الجليب) ص89 تناصّا مستترا مع قوله تعالى في سورة (النحل) الآية (77)، أمّا: (والأرض تخطر في ثياب سندس خضر) ص فله جذره النصي الذي يتماس مع قوله تعالى في الآية (31) من سورة (الكهف)، وكان نصّ المؤلف: (وألقت الآلهة بالمفاتيح في غيابة جبّ المعبد) ص157يشير من بعيد إلى الدلالة القرآنيّة في الآية (10) من سورة يوسف، ويمكن أن نعدّ: (الكلاب الباسطة الاذرع بالوصيد) ص221 تناصّا خفيّا مع قوله تعالى في الآية (18) من سورة (الكهف)، ولعلّ قول المؤلف: (وكما زين السماء بنجم إذا ما ساروا بليل به يهتدون) ص242يشير نسقيّا إلى قوله تعالى في الآية (6) من سورة (الصافات) .

التناصّات السابقة التي أظهرتها لغة الكتاب قريبة من النص القرآني، بل تأخذ بمقدار من لغته الكريمة، لتعطي دليلا واضحا على فكرة استدعاء النصّ الخارجيّ الذي يحيل على خاصيّة الحضور النصيّ المستتر الذي يعمل على بلورة أسلوب نثريّ غنيّ الدلالة، فهو في تراكيبه، وأنساقه يقتبس من سياقات النصّ الأوّل ليشيع دلالاته.

وبعد: فهذا كتابٌ انهمّ في المكان فضاء، ورؤية، وتخيّلا، وقد استطاع مؤلفه القاص، والروائي حامد فاضل أن يلمّ موضوعاته بطريقة تنمّ عن معرفة دقيقة بالمكان الصحراوي الذي كان حيّزا للمشاهدة، والكتابة، فصارمهادا لقراءة دخلت بامتياز عالما مسوّرا بالحكايات، والقصص لتكشف عن مكنوناته، ودواخله التي ظلت بعيدة عن وعي المتلقي المعاصر.

 

د.فاضل عبود التميمي

 

....................

الهوامش:

1- نقلا عن بصرياثا:صورة مدينة: محمد خضير:102 : منشورات الأمد:ط1 بغداد 1939.

2- ينظر: قراءة أولى في قصص العدد الثاني: د. فاضل عبود التميمي: مجلة (امضاء) فصليّة تعنى بفن القص: ع2: تموز 2012:78.

3- للمزيد عن التجسيد ينظر: حضور النص: قراءات في الخطاب البلاغي النقدي عند العرب: د.فاضل عبود التميمي: 125: دار مجدلاوي.

4- البلاغة العربية تطوّر وتاريخ: د.شوقي ضيف:164 .

5- ينظر: تحليل الخطاب الشعري:استراتيجيّة التناص: د.محمد مفتاح:102 وما بعدها.

6- علم النص: جوليا كرستيفا: 21:ترجمة فريدة الزاهي: ط1.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2655 المصادف: 2013-12-12 03:04:25