المثقف - قراءات نقدية

الأسلوب في رواية "الريح الشتوية" لمبارك ربيع

alhasan alkyriيبدو أن أول ما يمكن ملاحظته بصدد البنية الأسلوبية لهذه الرواية هو بساطة لغتها، وسلامة تراكيبها وفصاحتها، مع توجيه طرق التعبير نحو خطاب جديد أكثر واقعية ومباشرة. وعلى العموم، فإن هذا النص يتميز بجملة من الخصائص الأسلوبية يمكن رصد بعضها كالآتي:

— استخدام الألفاظ المألوفة مع الابتعاد عن الغريب والمهجور من اللفظ.

— اعتماد المبدع على الجمل البسيطة في التعبير: رغم توظيفه بعض الجمل الطويلة التي تظل، تركيبيا، بسيطة وبعيدة عن التعقيد التأليفي.

— استخدام بعض النماذج التعبيرية من الزجل الشعبي.

— استخدام بعض العبارات العامية.

— اقتحام بعض الألفاظ الأجنبية الفرنسية في التعبير.

— اعتماد الأسلوب الأدبي الروائي الذي يتداخل فيه السرد بالوصف.

وفي هذا الإطار يلاحظ تركيز المبدع على الوصف وتصوير المشاهد، وينصب هذا الوصف على الفضاءات والشخوص .

نتيجة لذلك، يتضح أن هذه الخصائص جعلت هذه الرواية، من الناحية الأسلوبية، تتمازج فيها لغة التخاطب اليومي باللغة الأجنبية، بالإضافة إلى لغة ثابتة تتأرجح بين المستويين السابقين.

أما إذا نظرنا إلى هذا النص، باعتباره نصا روائيا، فإننا يمكن أن نسجل بأنه يشتمل على جملة من المعايير والمميزات التي ترسخت من خلال تجارب روائية غربية وعربية: ومنها:

- عرض تجارب مجموعة من الشخوص في أزمنة وأمكنة مختلفة، مع تتبع ما يلحقهم من تغيرات وتطورات . مثلا [ شخصية كبور – شخصية العربي الحمدوني...]

- تحديد الأزمنة والأمكنة التي تتحرك فيها هذه الشخوص، وتنجز فيها الأحداث.

- الاعتماد على عنصر السرد، وإسناد هذه المهمة إلى سارد يلم بتفاصيل الحكاية، من أجل تقديم تجارب الشخوص، ووصف حالاتها وتحولاتها.

- عرض الأحداث من مستوى منظور سردي محدد هو "الرؤية من خلف" الشيء، الذي يبرز تحكم المبدع في جميع عناصر روايته.

- تنويع طرائق العرض ما بين السرد والوصف، والحوار بنوعيه الخارجي والداخلي.

- توظيف اللغة النثرية الفنية جنبا إلى جنب مع مستويات لغوية أخرى (عامية + أجنبية + وسطى...).

- توظيف وسائل فنية روائية مهمة تدل على الاسترجاع + الاستباق + الحذف والاختزال + التعطيل والكسر + التعليق والتوضيح، و غيرها.

- توظيف الرمز مثلا في الحُلم.

عنصر الإيحاء ممثلا في بعض التعابير مثل:

— "شجرة التين التي غرسها (كبور) في باحة الدار، والتي بدأت ثمارها الأولى تعد بعطاء سخي».

— « الشمس والريح الشتوية الصادقة المجهولة المصدر...».

هذه التعابير وغيرها، الرمزية و الإيحائية، جسدت الموضوع الروائي بشكل رفيع، بحيث تكشف عن حقيقة تاريخية، بشكل فني، هي المجابهة بين "سكان الكاريان" والاستعمار الفرنسي. ومن ثمة يظهر جليا بأن إشكال هذا النص يكمن في: كيف تتسرب المادة التاريخية إلى شرايين الرواية، ويتهيكل العمل الفني رواية وليس تاريخا؟ وكيف يكون السرد الروائي المستلهم للتاريخ، لوقائع حدثت في الزمن العام أحداث فنية تخضع لمعمارية النص الروائي ولوحداته الكتابية؟...».[عن كتاب "في الأدب المغربي المعاصر" لأحمد المديني ص 44].

وخلاصة القول هي أن رواية "الريح الشتوية" للكاتب المغربي مبارك ربيع تستجيب لهذه المعايير الفنية من حيث أحداثها، ولغتها وتقنيات العرض فيها، ومن حيث التنظيم البنائي .. ومع ذلك تبقى رهينة الكتابة الروائية التقليدية على الرغم من ظهورها في مرحلة شهدت فيها التجربة الفنية للمبدع بعض التوسع والتطور. وبناء على ذلك، يتضح بأن هذا النص يطرح من حيث محتواه، إشكالية نقدية هي علاقة الروائي بالتاريخ.

 

كاتب و باحث في الترجمة والتواصل/ المغرب.

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب والناقد القدير
عيد سعيد وكل عام وانتم بخير
لم اقرأ الروية رغم اني بحثت عنها كثيرا دون ان افلح , لانها من الروايات العربية المهمة وضمن تسلسل افضل الروايات العربية ل 105 . لكني قرأت عنها من كثير من النقاد والكتاب , وزادني تشوقا لها , لانها تعتبر من الروايات المهمة للكاتب القدير مبارك ربيع , وتعتبر من ادب المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي ونضالات الشعب بكل صنوفه برفض الاستعمار , وتلهفت الى شخوصها الاساسيين , مثلا دور العالم ورجل الدين السي عبدالفتاح , ودور المرأة فيها صفية زوجة العربي , وعائشة العرجاء . وغيرهم , ان رواية الريح الشتوية رغم سمعتها الواسعة , ولكن لايوجد لها رابط التحميل . مع تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم
شكرا جزيلا لك سيدي الفاضل على كريم مرورك. صحيح، هذه واحدة من الروايات المغربية المتميزة رغم ما قيل و يقال ضدها. أنا شخصيا يطيب لي أن أسميها ب: "رواية الأرض". متخيلها و فضاءاتها و شخوصها متشابهة إلى حد بعيد مع روايتين من أمريكا اللاتينيةهما: LOS DE ABAJO للكاتب المكسيكي ماريانو أثويلا و Huasipongo للكاتب الإكوادوري خورخي إيكاثا. دام لك بهاء الدنيا كلها، و سنة جديدة سعيدة.

لحسن الكيري
This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت الريح الشتوية منذ مدة وقرأتها بشكل جيد اليوم تحيتي لك

هند الركيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والناقد

السلام عليكم

ان اسلوب هذه الرواية الريح الشتوية انها تشمل اللغتين اللغة استعمال اليومي و اللغة الاجنبية .مما يبدو انها الرواية الادبية ترتكز على غرضين مهمين الوصف والسرد لماذا.هل ضروري.

.مريمة الصنهاجي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2676 المصادف: 2014-01-02 01:08:31