المثقف - قراءات نقدية

مجموعة اصابع المطر للشاعر حبيب السامر بين وقع الذاكرة وايقاع الرؤيا

shalan aldarajiحبيب السامر من شعراء البصرة الذي يتشح بوشاح طبية اهلها وبرائحة ترابها وبحفيف نخيل شط العرب .. يسير بنسق متصاعد في كتابة الشعر وباسلوب متجدد في كتابة القصيدة وخصوصا القصيدة النثرية التي في احيان عدة يتصف هذا الشاعر بكتابة المقاطع الشعرية القصيرة التي توحي للوهلة الاولى بانها قصة قصيرة جدا ومتكاملة من حيث السرد والاسلوب والصياغة المتقنة التي تجعل المتلقي يعيش اللحظة والحالة المرافقة لها

في اصابع المطر يستهل الشاعر مجموعتة بالاهداء الى كاتب هذه القراءة بالسطر التالي:

هذا هي اصابعنا

دائما ..

تعزف لحن المطر

اذن الشاعر يتلذذ برائحة المطر الذي يمتزج بتراب التنومة مسقط راسه وملعب صباه تلك المدينة التي تتصف بطيبة اهلها وجذورها التي تمتد موغلة بين ثنايا نهر شط العرب منذ ان وحد دجلة والفرات وانبثق شامخا بين نخيل البصرة وبساتينها.. وقبل ان ينقسم النهر بين دولتين .. ( ... )

شغفه بمدينته البصرة كونه جنوبي اصيل استوحى جميع قصائده من معالمها الشاخصة على مدى التاريخ كمقبرة الانكليز تلك المقبرة التي يرقد في ثناياها جنود الاحتلال ابان الحرب العالمية ومدرسة الرباط التي لاتزال ماثلة الى يومنا هذا:

على سياج مقبرة الانكليز

تتعانق

اغصان الخرنوب

وفي الطريق الى مدرسة الرباط

يحشر التلاميذ

اجسادهم بين القبور

شوقة وشغفه واحساسة بعبق الماضي من خلال تلك الصور والرموز التشكيلية يعزف من خلالها بسيفونية ذات ايقاع يشعر المتلقي باستذكار تلك الشواخص التي يختزنها الشاعر في ذاكرته ووجدانه .. الليل المخيف في المقبرة .. المعلم الذي يتوعد التلاميذ الغائبون .. مراقب الصف الذي يكتب حروف الغائبين بحروف كبيرة .. يصف معاناة التلاميذ بين اشواك شجر الخرنوب في مقبرة الانكليز .. وعصا المعلم الغليضة التي يلوح فيها على تلاميذه الغائبين

هل كان دعاء المقبرة

علينا ..

لنطلب المغفرة؟

وحينما يعود من عالم الذاكرة الى واقعة المعاش يجد المقبرة لابرد فيها ولا احساس .. حتى الموتى لا ورد يؤنس وحشتهم في غياهب تلك القبور التي مر عليها زمن طويل .. حيث السياج الذي كان يحمي في داخله التلاميذ بجانب القبور .. شجر الخرنوب ظل شاخصا يعانق المقبرة

انعكس هذا النسق من رحم المعاناة التي يمر بها ابناء جيلة والاجيال التي جاءت بعده كصورة رمزية معبرة باحساس شاعر ولد لدية فكرة لرفض الواقع الحالي والعودة مجددا الى احلامة وعبثة اثناء طفولته البريئة كي يعمل على صياغة الواقع من جديد بسبب التحولات التي طرأت على خريطة الوطن الاجتماعية والثقافية والنفسية بسبب الحوادث والتقلبات التي رافقت هذه الحقبة:

حين كبرنا

في كل صباح نمر

لاورد في المقبرة

ولا حارس في المقبرة

حتى الموتى لاورد يؤنس وحشتهم

ولا حارس يسقي صبارات نمت على قبورهم

تلاشى السياج وتهدمت القبور

وظل الخرنوب يعانق خلال المقبرة

رسم الشاعر لوحة تسجيلية متكاملة لوقائع مادية وحسية ووجدانية تشكل حالة من الترابط والتماسك بين حاضرة المؤلم والماضي الذي تغنى به بنشوة وشوق وحب

***

وهكذا يحاول الشاعرحبيب السامر ان يوظف حبه وشغفه لمدن وحكايات اختلف مع الاخرين في رسم صورتها وملامحها التي تهمن على مخيلته التشكيلية ليكون لوحة فنية فيها من التفاصيل والايحاءات التي تجعل المتلقي يقف ساكنا امام شواخصها واهدافها المعلنه وغير المعلنه من خلال السرد اللغوي المفعم بالدقة والاتزان .. ليؤسس حالة من الانسجام لتحقيق حلمة الذي يبغي:

نحن نغرق بغزل المدن وحكايات لا ننساها

كم اختلفت معكم على رسم ملامحها

وضع الشاعر نصب عينه .. حلمه الذي يؤسس من خلاله مدينته الفاضلة التي رسم ملامحها في مخيلته الفكرية واللغويه التي يطمح للوصول الى عالم من الخيال .. الى مدن لم يدخلها بعد ولم يعلم عدد اسوارها .. شوارعها الضيقة .. فهو يبحث عنها في الحلم .. في الخيال .. في غفلة انهمار المطر عندما تهدأ الشوارع والازقة من شاغليها .. كي يسرح في بناء عالمه الذي يحلم به اوالذي قد يراه في المرآة:

ياسيدة مدني الموغلة في القدم

رغم اني لم ادخلها بعد

ولم احصي اسوارها بعد

وشوارعها الضيقة

..............

فانا ابحث عنك في الحلم

ربما اجدك في غفلة المطر

لقد تميز الشاعر في اسلوب متماسك من الناحية اللغوية بمهنية عالية تلك المضامين والصور التي تتدفق كالبركان الى مخيلة المتلقي كي يضعة امام قصص وحكايات بمقاطع صغيرة جدا لكنها تتسع وتاخذ حيز كبير في تلك المخيلة ولا يدع طريقا ينفذ من خلالة المشاهد كي يهرب بعيدا عما يروم الشاعر من وصفه في مقاطع اشبة ما تكون كالصور المعلقة على جدار الذاكرة والوجدان التي تعصف بالشاعر فيضعها في بودقة المتلقي:

اليد التي تعبث باللون

على سطح اللوحة

تمسح التعب

عن وجه يألفها

اما عالمه الذي يطمح ان يجده مجسدا في تلك المرأة التي يحلم بلقاءها في حلمة والذي يراوده والمسكون في عقله الذي يتغنى به .. مجرد وهم من الخيال استطاع اعادته الى الواقع الذي يريد .. وان وجد فانه يفترش الرصيف كمتشرد في عالم من التطور والانبهار والمتعة والتقدم .. تلك لوحة رسمها الشاعر باصابعة لتتجسد بلوحة شعرية جميلة:

تتكئ امرأة الحلم

على وسائد وثيرة

وحين يجن الليل

تغادر اللوحة

لتفترش الرصيف

***

حينما يتعرى الفضاء ويفصح عن شكله وتكوينه وتجلياته من حوله .. يكون الشاعر قد استوعب التجربة وطمح لتحقيقها .. وعندما استفاق من حلمه الذي يحاصره في كل مرة .. انزوى الشاعر تحت سقف العتمة مستوحدا بعيدا عن عالم يعج بالحركة والصخب والمتعة والخيال:

منذ ان تعرى الفضاء

وانا جالس

تحت سقف العتمة

هكذا بقي الشاعر حبيب السامر مسكون بوجعه كباقي ابناء جيله الذي عانى من ويلات وحروب ومأسي وخرائب واحزان لم يستطيع ان يالفها .. وحشرجة دمعة مقلته التي لاتجد طريقا للهروب من داخل جسدة المتعب .. ويظل حلمة سرمديا مستديما كي يبني مملكتة التي يحلم .. على وقع الماضي المسكون في عالمه الحاضر رغم توالي السنون على تلك الحقبة من حياته .. طفولته .. بيئته التي يسكن .. الماضي الذي يشاطر حلمة في بناء غد مشرق وان كان في العالم الطوباوي .. ان يشبع فضوله ويضمد جرحه النازف طوال تلك الحقبة التي رسمت في خياله حالة من الاحباط والياس الذي دفعه ليؤسس مملكته على انقاض الحاضر:

أسجل مدونتي

والملم حلما شاردا

وانهض

.....

دمعي الساخن لايجد مسربا للهطول

ساشيد مملكتي على خرائبي المتكررة

***

في ليل التنومة .. مدينته الغافية على الضفة الشرقية من شط العرب التي عانت كثيرا من ويلات وكوارث طيلة عقود وبالاخص حرب الثمان سنوات في عقد الثمانينيات والتي يستذكر بساتين النخيل التي تحف المنازل وتظلل شطأن تلك المدينة الحالمة .. فالقمر فيها محزوز بنافورات النخيل .. واليمامات تغرد من بين السعفات ورائحة البيوت الطينية لاتزال تعبق في مخيلة الشاعر ووجدانه والبواخر والزوارق الراسية على على كتف نهر (الحوامد) .. و(عادل) زميل طفولته الذي يداعب سيجارته الاخيرة في الظلام .. وكراسة رسم (علي شويل) التي تحتضن نظرات المتلقين من ابناء التنومة .. وحرقة العشق التي تفتق صدر صديقة (شاكر)

تلك المفردات وغيرها التي جسدها الشاعر في قصيدة .. ليل التنومة .. التي تجعل القاريء .. المتلقي يعيش حالة من الانبهار والتعايش في عالم مليء بالمحبة والعشق .. عالم يتسع في عقل ومخيلة وذاكرة الشاعر .. التي دونها باصابع من مطر .. وحين يجف المطر تتلاشى تلك الذاكريات وتصبح محفورة في الذاكرة:

ليل التنومة

محزوز قمرها بنافورات النخيل

واليمامات بين السعفات

(عادل) يذاعب سيجاته الاخيرة

في الظلام

نطيل النظر فيما يرسمه (علي شويل)

نحن ضيوف كراسة الرسم

الشاعر مسكون في تراتيل عشقة الابدي .. مدينته التي حفرت في ذاكرته صور وخيالات لايمكن محو تفاصيلها في سرائر ذاته وشخصيته المرحة التي تحب الدعابة في واقع الحال .. لكن داخلة يعج بصخب السنين ومرارة الايام التي عاشها مع جيله والتي لازالت اثارها ماثلة في جدار الذكريات والتي تحاصرنا في زوايا متعددة من الواقع الذي يحيط        

                                

بقلم الاعلامي شعلان الدراجي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2709 المصادف: 2014-02-03 23:30:39