المثقف - قراءات نقدية

مقدّمة مجموعة "نوافذ " الشعرية لرياض الشرايطي

hyam qabalanيطلّ علينا الشاعر رياض الشرايطي بمجموعته الشعرية "نوافذ" حيث يبدأها بنوافذ الملح التي يزرعها في عرين دمه القادم .

من سبع نوافذ كل نافذة تحمل أنّة وحلما يتشظّى، ملتحفا بمناديل الذاكرة، ومحاصرا بالقصيدة عسى الوطن يطرّز كلماته، تحتلّه الفوضى ويرنو من جرح الإناث الموشّح بالعويل .

رياض الشرايطي في القصيدة الحديثة يعيش العالم المتكامل فيها، والحداثة بحدّ ذاتها هي رؤيا قبل أن تكون شكلا فنيا، وهنا نحن أمام قصائد حديثة رحلتها من الذاكرة في الماضي الى الحاضر بكشف عن هذا العالم الذي نعيشه بلغة خلق وإبداع .. !

أمنيته نابعة من رئتين مخرومتين هو كل ما يملكه الشاعر، ويتساءل أين الهواء ؟؟؟؟

ومن هنا تبدأ المتاهة .

من ملامح الحداثة في شعره أقف عند أبرزها:

*المتنافرات والجمع بينها: يرى بودلير، أن قصيدة النثر أكثر حريّة وانفتاحا من القصيدة الشعرية لأن تنافر الأصوات فيها مسموح، فالصورة فيها هي عبارة عن أخيّلة وهي إحدى العلامات البارزة في الأدب الحداثي (1) . بالنسبة للجمع بينها، في النص نشهد التضاد والتناقض بمعنى حلول عالم جديد بدل العالم القديم إذ أن العنصر الذي ليس له علاقة اختلاف بعنصر آخر يبقى خفيا لأنه لا يجد نقيضا يحرّضه ويستفزه، بذلك يخرج من مساحة الكلام العادي فبتلاقي الأضداد تكتسب القصيدة الزخم وترتفع عن الكلام العادي (2) . قصيدة النثر مبنية على اتحاد المتناقضات ليس في الشكل فحسب، إنما في المضمون وهذا بدوره يخلق الإدهاش، وصياغة الجمال الفني في الشعر الحديث.لغياب الدلالي في اللغة: وراء كل لغة تربض طبقة من الرموز الأسطورية حيث تجسد مشاعر الشاعر وإحساس حياته من كون وإنسان، هذه الوحدة تجعله خالدا مع الكيان الخالد (3) وتجعله يقبض على زمام الأسطورة وابتكارها. والأسطورة هي رؤية للحقيقة كما تراءت للعقول البدائية، وهي لا تستغل الاّ إذا أتيح لها الأديب الذي يفهم مغزاها لتعليق حالته بها. (4) ولأن الشعر رؤيا فهو يجب أن يكون خارجا عن المألوف ومتحررا من الصعوبة لينسلخ من التأليف ويرنو نحو الحاضر، فالكلمة الخلاّقة هي الخارقة التي تؤثر على الشعر ثم تركّز على أثر الشعر وهذا ما نعني فيه بالغياب الدلالي، فالشاعر الحديث لديه القدرة على خلق الواقع فاللغة والعبارة متحررة من المعنى فيصل أحيانا الى الغموض وهو شعر صاف لأنه خلق نفسه أو صفّاها من الطابع العقلي فوظيفته فقط الإبداع من أجل الإبداع (5) .

* التأويل: الشعر تأويل وتساؤل، وليس قراءة عابرة، إنما نحن ننشرها ونأولها وذلك لكثرة معانيه وغموضه الذي لا ينضب، فيه من غرابة المعنى عن القيم السائدة وتحويلها الى قيم جديدة وبتأويل جديد، هذا هو تفسير الفنون المبهمة بجعل الفهم واحدا من أغراضها ليس فهم النص كما فهمه المؤلف بل أحسن من ذلك (6) .

أما الفراغ وما يسميه البعض البياض فهو جزء من النص الحديث في إبهام العلاقات اللغوية والفراغات في مهامة قصائد مالا رميه مليئة بالتجارب المعقدة لكنها لم تكن كذلك لأنه أراد توظيفها دلاليا وهذا ما يقوله رامبو / القصيدة تصنع بما تبقّى من الزرق أي البياض، والنقط (7) . وهذا هو ما نعني به دهشة المفاجأة مع عدم تجاهل الشفرات، والإشارات، والعلامات ومن هنا اعتمدت اقتحامي لموطن الشاعر رياض الشرايطي، بكل متناقضاته وغرابة ألفاظه، وجماليات صوره .(1) – خليل إبراهيم حسونة / موقد الشعر وسؤال القصيدة (2) – د. عبد الرحمن محمد القعود / الإبهام في شعر الحداثة

(3) – د. أنس داوود / الأسطورة في الشعر العربي الحديث

(4) – مراد وهبة / قصة علم الجمال

(5) – شكري عيّاد / الأدب في عالم متغير

(6) – محمد فتاح / التلقي والتأويل

(7) – محمد بنيس / ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب

في نوافذ الملح يشعر القارئ بلهجة الاستياء النابتة في جنائز اللهب المشتاقة لضوء شمس يأتيه من صراخ سيدة الغفوة ومن رائحة الحرمل .

هو الوهج الباقي من الريح، المبتهج في مدائح من الصمت . الأنا فيه تضاجع صوت الرحيل وألياف الفجيعة، قتل الطفولة البريئة في جيفة الصدى: " جيفة الصدى تسكن خراب المدن، تصادف سحاب مترهل منسي عند أضلاع الجليد،،، تسأله ارتجاج الطّحلب في عمق خرير الألوان الفاترة، تسأله الانفلات من أحراش رئتي الريح، تسأله بياض الضوء الغائبة في عروق خمر ذاكرة مقطوفة من جنان محافل بيوت المطر المؤجل، جيفة الصدى تسكن خراب المدن . هذا ما يبقى من الماضي المسكوب في دلاء الخرافة، يبقى الزعيم، الغول " الثعبان بسبعة رؤوس " وهو القائم على الحزن / الشاعر هنا يوظف العدد سبعة ويلقي عليه صفة الثعبان، ففي الديانات القديمة اعتبروا العدد سبعة تعبيرا عن الذاكرة الجماعية وأيضا في التراث والحكايات الشعبية، وهنا توظيف لشخصية الغول وهي شخصية أسطورية مخيفة للتعبير عنها ونفس الشخصية الثعبان السام كدلالة على غياب اليقين والذي يغزو مسافات الخيبة، وحوض الغربة / ويتساءل: " من أيّ زوايا البلد ستبزغ شمس الغد ؟ لا أحد يسمع قرع حلمه فيفضّل أن يدعه ويمشي لأنه منشغل بأطياف أضحت ذاكرة للنسيان، بعد أن بيعت مدينته للغرباء وللطامعين: " حلمك دعه وامض / أنت نسيت نعليك حين جاءك سعير النهار، فتهشّم على رخام مدينة معروضة للبيع لأجل شياطين العملة،،،" البكاء على مناديل الذاكرة بعد أن جفّت المنابع، وذبل الشيح و الزعتر والإكليل، وشجر السنديان / من أحشاء الذاكرة يحضّر ما تبقّى حتى يتذكّر .. وما زبد الدم في قصائده إلا ظهر جياد من شجر المنام / والأناه هي جثته المنسية التي سوف تحيك الدرب لعرائس الضوء / نراه بكل الأسى يعانق الضوء ليستمر: " لك الآن ساعدي، خذه،، واتبعني،،، إلى حيث نسيت جثتي تحيك دربا إلى مرقد عرائس الضوء" .

هذه الذاكرة الممزوجة لدى شاعرنا بلون الغياب مثقوبة / هي المجهول الماضي والحاضر والمستقبل، حيث لا يجد وجهه ويبقى رفيقه السهد يقشّر جلده ويلعب بكثبان الملح / مالحة أوراقه حدّ المضاجعة للأرق.. !

الوهم / وهو المتخيّل اللاواعي في الذاكرة أصبح مرهما للقلب، لذلك فالتيه لديه ونسج النسيان سيان، سواد غناء الحرب سيبقى فلا بداية إلا في حالة إجهاض لميلاد الخرافة .

صراع الأنا الداخلة مع الخارجة تستحثه الغياب ولو لحين وحصانه يكبو ويغلبه حجر المدافن في ترتيب لحتفه .

المفردات في شعر رياض، ليست منتقاة وإنما هي سيل عارم من نبوغة الكلمات وفلسفة الذات الغائبة الحاضرة التي تكبو كبوتها الأخيرة وفجأة نراها تنهض تلملم عريّ الوقت تمتشقه من بين الألواح , وألواح كبوة الشاعر في " اللوح الأول والأخير " الإغراب فيه يحتل وجه الحرف، فيمسكك من رمشك ليعلّق الجفن على المذاق المسائي الذي لم يعرف غير

الوحدة المحتاجة لأنيس:

حين رأيتك

تشرف على سيول عينيّ

عرفت أنك صديقي

عرفت أنّها وحدها الكؤوس تعرف

مذاق فحم السّواد. ….

التسكّع بين جمله يحتاج الى مرونة والى نفس طويل، تشدّ أزرقك لتستقطب

جماليات المعنى والصورة في آن، وعندها تصبح الكؤوس لوحدها هي التي تعرف " مذاق المساء" والمذاق هو فحم المساء، الانزياح في المعنى والاغتراب معا يضعان القارئ داخل خليّة نحل، لا مناص هناك غير المذاق الحلو الذي تتركه الصورة والحركة في ذهنه .. تغييب الشفاه وملامسة الكؤوس لها هي تعبير عن مذاقه المأساوي، فلقد اختار مذاق الفحم الأسود ليبلّغ أنّ لياليه مرّة سوداء قاتمة بمذاق ولون الفحم. قدرة مدهشة تلفت الأنظار وتدعو إلى امتداد الحركة، " والاغتراب" في أهمية اللغة هو امتداد المعنى والحدث في آن واحد .

وفي حشرجة الوجد وشقّ الرّدى للأرض، يعرف الشاعر أنّ على صديقه أن يستكين ويهيم في المدن الهرمة التي هوت تحت بطش الرّقاب المتقطّعة

وتنهر الأرض، حين يشقّها الرّدى في منحدر

يتسلّقه منحور الحقيقة أن تستكين

وتهيم في ترهّل مدن هرمت قوائمها

وهوت في مناسك عبّاد حشرجات رقاب

مصاغة للقطع ……

إنها المدن الباقية ذات القوائم الهرمة في ترهّل العمر والتي تهوي تحت مقاصل الظّلم. هنا يسمع حتى صوت وحشرجة الرقاب وهي تزاول ألم الخنق الأخير... !

لكن الصديق يأبى أن يكبو صاحبه بل جاء ليعيد لون الرّمان لمشرف على موته، يستنهض قيام الطفل فيه والأبواب مقفلة بخطاياها:

حين رأيتك عرفت أنك تنسج الرّمان

لأفواج الخمر الأبديّ

حين رأيتك تشرف على موتي

عرفت أنك تحت جلدي

تنظر قيام الطفل منّي ..

ولادة أخرى ربما ينتظرها الشاعر في بقاء اللون الرّماني في أفواه الخمر بيقين أنّ المشرف على موته يقطن تحت جلده وينتظر معه قيامه من جديد قبس من نور نراه في رفضه الموت والرحيل إلى مثواه الأخير داخل لوح يرى من خلاله خطاياه السابقة، حين تقفل عليه الأبواب.

مفارقة ودهشة / فالصديق هو الإنسان الآخر داخله المزروع تحت جلده، يمارس معه الاحتفاء برمقه الأخير.المعنى واللغة الشعرية يظهران في اللوح الخير: يمجّد الهاوية، وانتظار اسم القتيل..للهزيمة دم الهباء، هي الخارجة من دمه تلك الروح المتوثبة الشاهدة على سقوط المجد ومنتظرة القتيل القادم / قوس العرب معقوف لا يعرف إلا الهزيمة، من هذه الروح المتوثبة إلى أمّه المرتطمة بالضياع وبطفل منذ حزيران، (حرب حزيران). أمّه تلك الروح المبثوثة فيه يرى فيها القيامة " فوضى جميلة كالفراشات تؤججها خطايا الأبواب المقفلة"ملمح حداثي في هذه الفوضى الجميلة، ما يدعو إلى التقارب بعد التنافر في جماليات المعنى واللغة الشعرية .

حتى في ومضاته الشعرية صوره مبنية على الرموز: انتظار / البوصلة/

الوجه / الومضات الثلاث تدور كلها حول موضوع الرحيل والسفر والبحث

عن الآخر:

حين مررت بمرآتي

وجدت وجهي

مغلولا هناك

مكفّنا بدمي، مغبّرا. …

وجهه الحقيقي المتعب المكفّن بدمه يدثره الغبار

نبتت في تجاعيد مدن أعرفها

وأخرى لم يزرها بعد حمامي..

ترحال من بلد الى بلد ومن مأوى إلى مأوى وهناك مدن لم يرتحل إليها بعد ويخص الشرايطي بواحد من اهداءاته / الحمام كرمز لمستقبل أفضل، الحمام الزاجل الخارج عن سكون الوقت وثقله، الحمام كالشمس رمزان يضيئان قصائده في مناف العتمة .. !

وفي " إفرازات حصار الحمام" وهنا الحصار هو وأد عملية السلام في فترة تواجد الشاعر في العراق فهو يتضامن معه كوطن يلجأ إليه، يشطر قلبه نصفين / موطنه الأصلي تونس والآخر العراق / إفرازات حصاره عبارة عن مسك بغداد، القذائف المعرّشة فوق السقوف الطفل الذي يشكّل

فراشات حريته من طين، كل شيء يرتعد، الرمل والجدائل المضمّخة بالحنّاء في بابل، تنزّ وردا وترسم عراقا سامقا يراقصه الخجل .

الوجه الآخر المضيء كامل البهاء يريد القمر بدرا كاملا، يحلم بعراق يعود إلى مجده، لكن صدى أصوات الباعة ( بكسرى) هذا الحي الشعبي في بغداد يشم فيه جمر الصبر وعمبر الخليج / تناقض وتضاد بين / العمبر وجمر الصبر/ يرسمه لنا الشاعر بقامة عراق لا تنحني ـ يستحضر " لعاب دجلة" من بين شفتي بغداد فيعود إليها المطر:

يسيل لعاب دجلة بين شفتيها

ومن جبينها المطر يصعد

مطر،، مطر،،……..

أسلوب حداثي آخر يوظفه هنا الشاعر ألا وهو " التناص" من أنشودة السيّاب بنفس الملامح قصيدة: مطر،، مطر / السيّاب بوجهه الذي يتصدّى

النفاق والظلم والفجيعة، من بصرة المقاومة الى " مقهى الزهاوي" الذي كان يرتاده في بغداد والى حمام الرشيد / ذاك الشارع الذي يفيق فيه الحمام

وينهمر ريش البجع ككلام الله نقيا صافيا .. ! ويستمر الى الرصافي الشاعر

العراقي الكبير الواقف هناك على ضفة الفرات ويحوم حوله الحمام ويحطّ

رحاله ويقصف على كتفه:

مطر على ظهر عقيقه

يطالعني وجه السيّاب الصخري

من بصرة التصدّي الى مقهى الزهاوي ……..

يطير الحمام يقصف على كتف الرصافي

الواقف على نعنع ماء فرات يحط ………

كل الخيول الجامحة تختبئ " بعرين كاوا" ذلك الحداد الكرديّ البطل تطوف هناك / ويطير الحمام ليعانق وادي" بيّاش" في قفصة حتى " الثرثار" السّد في العراق، هي أسراب الحمام، جنود كاوا في ذاكرة الشاعر تبقى بين وطنه تونس ومأواه العراق، الحمام الشاهد على رحلة المقاومة من أجل تحرير العراق .

يوظّف الشرايطي " الأسطورة" في نصه عن الإله " أوتو" الاه الشمس عند العراقيين القدامى والذي كان بغضبه يشعل الماء ويعلمهم إذا ما لفّ الحصار البلاد سوف تنفجر / أوتو، رمز لتحرير العراق وفلسطين،صورة متقنة لأحداث الخليج، في فترة تاريخية هامة عندما كان وزير الإعلام في حينها " الصّحافي" الذي خرج من حداده على العراق كي ينبت في أحواض مدينة سمرّاء ضوءا، يفديها بنفسه فتورق النجوم ويطير الحمام إلى أعالي السماء بتراتيل ووشاح كان يهدهد عشقه لتراب الوطن .

وعن الصحّاف قوله:

الصحّاف قي صوته المهدور ينتفض

وبعباءة العامرية يتعمّد

بغداد عروسي، هذا صوتي خذيه

وفي صوتك ينصهر دعيه

أخرج من أنفاق حدادي عليّ

أرتّب تجاعيدي ………

يترك المقاوم محمد الأزهر الشرايطي والد الشاعر وصية لولده هي نزف وقشور ملح، يأتيه من خلف ستار الروح:

أن قع يا ولدي في برك الحنّاء

ولوّث ببدنك الملطّخ نخلا ومناف

أن قع يا ولدي في وشم أمّك

وكحل أمّك، وعلك أمّك …….

كي يحافظ على وصية والده كان لا بدّ له من تلطيخ نفسه في برك الحنّاء/ كرمز لعرسه كشهيد من أجل الوطن، أن ينغمس في كحل أمّه / وهنا الأم أيضا هي الوطن أن يترك عليها بصمة ووشم كما ترك والده في نضاله من قبل، يوصيه البقاء كي يعلّه الغد قرنفلا وصبايا وماء/ يريده أن يحمل على الأكتاف شهيد الوطن .

يذكرّه أنّ في بلاد الأرق على شباكه شاهدات لأحبة ماتوا , قتلوا تشرّدوا لكن يا للعار لم يدوّن أسماءهم أحد، يستجديه أن يعود به إلى صخور * عرباطة (وهو الجبل المشهور بقفصة بتونس) أن يعود بزوادة الرصاص، وصيته حماية وتقديس الوطن، عشقه لبلاده بإزالة الزيف والبهتان، أن يرى والده ويذكره في كلّ شيء حتى في طفل يبيع لعبه في الحانات / في قصيدة الوصية المهداة لوالده محمد الأزهر الشرايطي، تظهر صورة التهجير والتشرّد من جهة وبملمح آخر التمسّك بالوطن كقوله:

قل تونس عروسة دمي

تونس قلادة ربّي

أهداني إياها ربّي لأبين

وأسكن أريج القمم

تونس نبيذي، تونس عطري ………

وفي نشيج الدار بلا جدار والتهجير لآخر سكارى بلاده:

قل يا ولدي: سمعتك يا أبي

في وشوشة سنابل الحنطة

الشحيحة في جنوبي

في شؤون عابرات الليل

في شارات المرور المملّة

في نشيج دار بلا جدار

وطفل يبيع لعبته في الحانات الضّاجة

ألمه يخترق صوت الفقر …….

هذا هو والد الشاعر الذي عشق البراري واحتفى بموته ورياض في قصيدته هذه ما هو إلا امتداد البطولات حيث يدخّر فرحه إلى حين شيبه وشمسه القادمة .في صمت الماء في قصائده خوف وبحث عن شظايا رفاقه، التفتيش عن لوح محفوظ يحصى عليه عدد الشهداء والمحن ….

الأسلوب داخل لغة أكثر اكتمالا في شعره، اذ أنّ ماء الصمت هو بحث عن الفقدان، فقدان الرفاق فيه، لا يحتفي بوجعه وامتداده سوى الموت هو امتداد لبطولات الأب المناضل في زمن التشظّي / فالعلاقة عبر الرؤيا المغايرة عبر ذاته المتألّمة تبحث عن خلق جديد للخروج من الفقدان / هو الشاعر الذي يمدّ جذور أهله في " قفصة" وبلذة عارمة، بسقوط الشهداء في نزيف الدم / كي يوقظ بلغته حلمه الكبير من السبات، وعلى حدّ قول " رامبو": هو اختراع الذات لذاتها عبر تشكيل وخلق جديد لكنه مختلف لكن مهمة " بابلوف" هي البرهنة على أنّ النفس الإنسانية تخضع لمبدأ العليّة وأن الحياة العقلية وظيفة لمادة بها بنية عضوية منظمة دقيقة وهي المخ *: عن غراها هو:- مقالة في النقد ترجمة محي الدين صبحي المجلس الأعلى للرعاية والفنون دمشق (1973) ص(28) .

وماذا عن الريح في شعر رياض / يرى كفه / سحابة / أفواه / جسد/ أبواب معلّقة، ملامح لأعضاء في الريح والسحابة السابحة في " غياهب عيون عاقرة " هذا هو الموت، من دخان لذباب الجثث الخارجة من الأفواه والأبواب التي تذكر جيدا طرّاقها وسوادهم ...

قمة الإبداع في نص معلّق على أطراف سحابة لا تمطر انما تلمّح وترسم بؤرا هي امتزاج لدلالات للخيال والنحت ومنها ما هو قاتم بلون الموت، لغائب حاضر، لشاهد على تفتّت جسده هو:

أرى جسدي يتفتت على جغرافية السّبات

في فواصله المؤخرة / هزيمة،فقدان بوصلة الاتجاه، ونساء يحضرن لاستقبال قتيل المساء، الريح ليست عاتية بل الطقس جميل حتى لقلع البيوت من جذورها، عناصر الكون / كالريح، والمطر والبرق والنجوم والنار مستحضرة في شعره لتجسّد كينونة الطبيعة البشرية بأشكالها المختلفة، توظيفها ليس قدريا وانما يخرج من فوهة بركان الغضب / النار هي حريق الأسماء التي تجمّدت على شفاه الجليد / البرق صاعقة، صرخة في أرضه المستباحة / كرهه للنجوم مقيت ورهيب / بتزيين أكتاف قاتلة، أوسمة تعلّق لغدر " الأبطال" في وهج الهزيمة لأنها " زينت جدران نزل هزيمتنا صرت أكرهها " ..! هذا الكره به من الحب / انه التضاد في شعور يتأرجح بين ذاته التي تكره والأخرى التي تحب، حبه لوطنه ومقته على المتواطئين المغتصبين لفتات شعبه . نصوص الشاعر لا تخلو من السخرية الضاحكة لحدّ الغضب عندما يقرأ " عورته في الصحف " جامعة لكل العرب بدون عرب" والزعيم إلى الممات / عناوين تتصدّر نشرات الأخبار وشخصياتها غائبة تبقى الفواصل المؤخرة في النصوص ذاكرة مخرومة الأطراف وأحلام مهشّمة " لا وطن لك الآن، لا نسمة تجيء إلى حضنك من وراء الغربة لا هواء، لا حلم طالع في مساماتك لحدّ الثمالة، وحدك قبالة وحدك تجهش بالغياب " … .

ومن كأس الصحوة يعاند قابلته، يتمنى لو لم يولد / هدية ميلاده حزن شقي وكأس أيام سوداء / في شيبه الآن وبعد مرور العمر المتصدّع تكون الصحوة عندما وشحه الرب بالألم ويزرع في ما تبقّى من العمر جراحه . يعترف أن بنصوصه كان وجلا، كان يلزمه أن يتساءل:

" كم يلزمني من نوح حتى أهزم الطوفان " .

وفي آخر الأبواب " نوافذ التيه": تيه وضياع، ليس غربة النفس عن نفسها فقط انما تيه وضياع في عالم " الأنثى" ولحضورها في قصائده كحل وحنّاء، حزن وياسمين .. !

من حجاب امرأة أحبها تدثّرت بالسواد إلى الطيف الذي يزوره، الى أساطير وخرافة منذ الطفولة، قصص من ابتهالات أمّه عند الغروب حيث كل النوارس مرّت ولم يبق سواها، طيفها بقايا شعرها / ومحاولة لاستعادة الطيف الغائب فيه لكن مواعيد محطاته لم تستطع اعادتها:

ولم تأت ...

زفوها أنّ التعب غزاني،

وأنّ الليل افترش وجهي،

وفراقها أدماني،،

سكنت صناديق البريد،

دمّرتني كلّ حروف القصيد،

وتمدّدت أنت،

كاللهب، من الوريد إلى الوريد، …. .

فقدانه للمرأة التي بحث عنها في الرماد، في رقصها فوق أعصابه تبقى محفورة على جبينه / المرأة في شعر الشرايطي مختلفة / فهي الحبيبة ولا الأم والوطن إنما أيضا " بائعات الهوى" الذي يهديهن جنونه وعشقه وابتهالات أمّه،لأنها حبيبته " بلاده" فيهن ولأنه أصبح فقّاعا على التلال ولم يطل من الغزالات إلا الحوافر يقرر شطب اسمه من سجل النساء الراحلات والآتيات، ويلجأ إلى " الخرافة" يهرب إلى طفولته إلى أمّه التي علّمته النفخ في الرماد:

الغول يسكننا واحدا واحدا

وأمّي علّمتني أن أنفخ في الرماد

للجن شتيمة

علّموني أن أكتب دمعي

وأن أجتهد، لأنال لأبي فوزا في دفتري ….. .

الغول كشخصية خرافية تخيف الأطفال في الحكايا الشعبية، الغول رمز للصمت " ولأنّ الضحك أعلى مراتب الغضب" يضحك الشاعر ويمر مرّ الكرام على السواقي والدوالي والأعشاش، ومن شفتيها يقطع تذكرته للحلم .

غثيان المسافات بينه وبين الأنثى، يتلوى فوق أوراقه كأفعى، يبتلع دخان سجائره ويغيب / لا مناص إذن من شبح الجبن / هو الموروث لعقلية قديمة توارثتها الأجيال، حتى تجاعيد الوجه / إسقاط لكل المعايير التراثية أنثى " شبيهة الحرباء" في مرجل الرجال، عشقه للمرأة ضحكة غريبة وصفها على أنها " أعلى مراتب الغضب"، موضوع الرفض في شعره نابع أيضا من معاناة الذات في ظل الصمت والهزيمة، وهذا ما يسمى " بتأدية المعنى" أو الدلالة بكل تبطينها وبعثرتها، يبقى لرياض الأسلوب الذي يؤدي أيضا إلى المعنى وقوته في رموز أضافت للمعنى جمالية لصورة والمشهد:

" ولأن الضحك أعلى مراتب الغضب"

أضحك وأمرّ

شبيهة الحرباء ما زالت هنا

قابعة في زاوية العهر

تؤثث ليلها بالشطح

في مرجل الرجال….. .

يحتاج لراحة، لكن " سيزيف" يأبى أن يغادره ترك له عنوانه استمرار لنقل صخرة سيزيف حسب الأسطورة هو رمز للكفاح والصبر النضال، يرى نفسه فيه ليستمر في رسالته ووصية والده / وأبو نواس الشاعر الذي أضاف لفضائه زخرفة الجنون / وقيس علّمه أن كل النساء لهن وجه " شهرزاد" وأمّه الوحيدة التي تعلّم منها أن الدواء الشافي لرحلته المفقودة يقطن في مرارة العسل .

ويبقى الشاعر في حالة انتظار وبحث عن المجهول، ومسالك يدركها تعب، وشغب، غضب، ومجهول يأتي لعدمه وبعثه، والبعث بالنسبة له، قتل من جديد كما ولادته الأولى... !

بتيهه يبحث عن وجهه الآخر، لكن الورق يضيق بما سيقول وهنا يقف القارئ في ذهول وفي اختزال للمسافات / حيث يطحن شوك الطريق ويعترف لأنثاه أخيرا أنه يحبها وحبها أوتاد الأوطان يقرر أن يوقّع على الورد باسم بلاده / يحيك لها من ضلوعه ضلالا:

الورق أضيق من حطام مجامر كون

حلّ ضفائره لهجير المسافة

كي يستريح على ناصية مدن غارقة

في حريق صباح يرقد في قطن الضوء

يوطّن في عيون العشاق

اشراقة موج وأصرخ، أحبك،،

فانتبهي قليلا لتعب الكلمات ……. .

مع بارقة الأمل التي نحسّها هنا تتغير لهجته في قصيدة: شريد" يخرج من حضن حبيبته شريدا، يعتلي طواحين الهواء / طواحين تذكرنا " بدون كيشوت " وطواحينه الهوائية، استمرار لمغامرة جديدة / ففي كل ممر حبّ، أنه بحاجة لألف رئة، الإحساس بالاختناق فالمساء الآن خال من النساء ورعب أوراقه، فناء الروح عودة إلى مدارج الغياب ومصادرة الحلم، والصراع بين الذات الداخلة والخارجة، فالفرح مصادر وقهوته الصباحية، وحلم الطفولة لا شيء في وحدته سوى:

جناح عصفورة مقدود بمسامير الوجع

الغارق في حرير الكلام،، وطيفك

لا شيء،،، حيطان البيت،

الحين تقترب مني / المكان يضيق

لا أجدني وأفر الى حيث .....

ولا يجدني أحد ... ! .

وفي هذا الشرود والتمزّق نراه يلجأ للكأس الذي أصبح نديمه ويشعر أن جلده يضيق عليه فيغدو كسجانه ,:

أسأل هذا الجلد، سجاني

هل خلفه ما رآني

أذوب بردا في كأسي

لماذا يا كأسي صرت نديمي؟

البار يفرّ من تحت خمري

وأبقى مصلوبا على عمود من غبار وذكرى …..

في رسائله الأخيرة التي يختم بها مجموعته: عودة إلى الطفولة، حيث يعود ليحن إلى الحمام على سطح بيتهم القديم / إلى صديق له / إلى ملعب /, الى سؤاله عن الوقت الذي يمرّ /

ورسالته الثالثة / إلى شقيقه الكاظم الثليجاني فيها من الوجع بقدر كل رسائله حيث لغته تتكوّر كالقطة الخائفة نتيجة حوار بينهما / فللوقت جثة / تتكون غبارا / تتشكل عنكبوتا / كلها مفردات تدلّ على وداع يرفضه، وصديقه يعرفه جيدا، يعيده إلى عبير نساء دامي، وحلم مغتال، ووجه يحمله خلفه، وزمن الصمت مرّ، وعناق لحجر باك .. ودخان.

ويظلّ الحزن مسيطرا على جو قصائده للنهاية / لا مكان لنوافذ يطلّ منها على فرح الأيام:

وحيدا أحتسي تعبي

والأحلام عارية برأسي

تفوح الريح من كأسي

أنسى جسدي وناسي

فأتوضأ بخشب الفوضى

وحكمة آخر جلاّسي.. !

خاتمة: الشاعر رياض الشرايطي، بكل ما حمل من لغة الجرح النازف، وغربة الذات والأوطان، ولعق الموت وقضم الوقت أراه حامل الرصاص والبندقية، جنديا مدافعا عن الحق والظلم والعدالة الإنسانية المفقودة في عالم من التيه والضياع، . يبقى الحلم المزروع في طين بلاده في وجه ابنه الباقي من براءة الطفولة الممزوجة بمذاق العسل المر، يبقى في ترقّب بجرحه المفزوع المعلّق بين أصابع الريح، استمرارا " لسيزيف" حامل الصخرة والبندقية، هذا السيزيف المولود في حشا المناضل محمد أزهر الشرايطي والد الشاعر، حامل الرصاص والوجع، كي تنام " قفصة" في حلمها الجميل، وتنبت على جبل " عرباطة" شقائق النعمان .!

ويبقى السؤال: هل كلام الشاعر يشبهه،أم الشاعر يشبه كلامه؟؟؟

 

بقلم: هيام مصطفى قبلان

جبل الكرمل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أشكر المثقف لنشر قراءتي في المجموعة الشعرية للشاعرالتونسي رياض الشرايطي
وأعتقد أن رياض قد تنبأ بما سيحدث في العالم العربي عامة وفي تونس خاصة ،،!
اختيار رياض لي لتناول مجموعته فتح أمامي نوافذ أخرى الى عالم غنيّ بالمعرفة خارج الواقع والعودة اليه . . سعدت بتقديمي للمجموعة وأتمنى للشاعر رياض الشرايطي التوفيق والنجاح والى ابداع جديد يزيّن مكتباتنا.

هيام مصطفى قبلان
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2715 المصادف: 2014-02-10 00:15:44