المثقف - قراءات نقدية

سيرة الأب والأم في روايات أمير تاج السر

saleh alrazukباستثناء (أرض السودان) والتي أرى أنها رواية إشكالية عن حضارة مغدور بها وعن عالم مجهول ، تتألف أعمال أمير تاج السر من قطاعين لا يوجد بينهما قسمة عادلة. وهما قطاع الرجولة (الذي يحتل واجهة كل شيء وقسطا من التفاصيل)، والقطاع النسوي (وهو لا يعمل بالواجهة. ويختص بالكواليس. وأحيانا يندثر ولا يبقى منه غير أثر بسيط).

وعليه إن المذكر في هذه الروايات يشبه النميمة أو الفضيحة. إنه إله مكشوف. يلعب بمصير الرواية والأحداث ولكنه لا يؤتمن على سر واحد. بينما الأنثى لا تغادر خدرها. وتنطوي على حمولة أو شحنة عالية من الغموض.

و لمزيد من التحديد نحن نعرف تقريبا كل شيء عن الصفات المعنوية وعن مظهر طرفي الصراع في (زحف النمل)، المغني بعلاماته الفارقة - وجهه العابس والمتأزم (ص 7)، وصوته الجنوبي الرخيم (ص15)، وفوق ذلك أحلامه التي ينقطع إيحاؤها قبل أن تكتمل (ص 41). وزيتون ببدنه الهزيل وشاربيه الطفيفين وعينيه المصابتين بالتراكوما (ص71). ناهيك عن نهمه وجشعه (ص 76).

بالمقابل لا تجد سوى النذر اليسير من الصفات (الدلائل على حد تعبير رولان بارت) عن الزوجات والأمهات أمثال عريفة الصحراوية وحياة الحسن ابنة السابعة عشرة.

ولا تختلف الصورة في رواية (366). فللمرحوم بطل الرواية إضبارة لا تنقص منها شاردة ولا واردة. حتى خلجات أفكاره تكون معلنة وبالتفاصيل. بينما معشوقته أسماء لا تترك وراءها غير علامات وإشارات قليلة.

لقد كانت روايات أمير تاج السر أساسا إعادة إنتاج لسيرة الأب. إنها تصوير مفصل لعالم ذكوري يتحكم الرجال بمقاديره. وهم رجال يحملون في مورثاتهم كل صفات الفحولة والإخصاب. ولذلك كانوا من بين العسكر أو الرحالة والمغامرين. أو ممن عركتهم طاحونة الحياة حتى تصلب عودهم.

**

ولكن إذا كان للرجل في هذه الروايات نصيب الأسد فقد كان للمرأة نشاط وحراك مؤثر ولو من خلف الكواليس. لقد وقفت هذه الأعمال بين مرحلتين من تاريخ الرواية. سرد العائلة (نموذج نجيب محفوظ) وسرد المدينة (نموذج بلزاك). وهذا يمكن أن نفهمه على ضوء الفرق بين الحياة النفسية للمجتمع الشرقي والحياة الاجتماعية في الغرب. فالعائلة التي يديرها شخص واحد يقف على رأسها مثل إله كلي القدرة هي اختراع شرقي لم ينجح أحد في تحديه. بينما اندمجت العائلة في الغرب بالدولة والمجتمع (وبالتالي أخذت المدينة دورها).

و قد كان هذا الإندماج في الوعي المتحول والإنتقالي بين المرحلتين واضحا في (زحف النمل) و(صائد اليرقات). فالأولى تختص بحديث مسهب عن هجرة أبناء الريف إلى المدينة. ثم صعود الذات الريفية البسيطة على سلم التطور النفسي وتركيب شخصية هجينة لا تتأثر بقوانين الإنتاج. بمعنى أنها شخصية متكسبة وانتهازية وصيادة للفرص، وتحاول أن تستفيد من كل الفرص المتاحة لتوسيع رقعة وجودها ولامتلاك مزيد من المكاسب.

والثانية هي دخول في أدق تفاصيل الشخصية الضائعة والتي أنتجت ما يسمى بالهوية الثالثة في مجتمعاتنا، وهي هوية طبقة الموظف البيروقراطي. أو الرجل الهزيل والضعيف الذي يتنمر ويستأسد على من ليست له حياة اجتماعية.

ولئن اختار بطل (زحف النمل) أسلوب التصعيد الفني بالطرب والموسيقا للاستحواذ على الثروة والشهرة، فقد اختار بطل (صائد اليرقات) التصعيد الفني بالخيال (كتابة روايات من وحي خبراته في دائرة الأمن الوطني) لتحقيق نفس الغرض.

وإن اختلاف الرسائل لم يترتب عليه اختلاف مماثل في الأهداف. وهذا يدل أن استراتيجية أمير تاج السر مفروضة من خلف الأحداث وتتحكم بها الطبيعة العدوانية والعنفية لرمز الرجل - الأب وبدائله.

و لكن هذا لا يمنع أن هؤلاء الرجال يعانون من نقاط ضعف. إنهم أولا نماذج جريحة وتحمل عقدة نفسية مركبة: منشؤها اجتماعي (فهم من منبت طبقي وضيع) وحضاري (إنهم من بلدان تعيش مرحلة من الجمود والتخلف). وعليه لا توجد شخصيات نخبوية ولا أرستقراطية في عالم أمير تاج السر.

و هذا أول فرق بينه وبين الروائيين الذين سبقوه. لقد تخصصوا جميعا في إعادة تركيب ملحمة النخبة التي اندحرت منذ الاستقلال وحتى حرب حزيران. وملحمة الطبقات المتوسطة وحلفائها من العسكر الذين وقعوا في أزمة ميثاق مع تعهداتهم بعد الحرب نفسها.

لقد لعب أمير تاج السر بل راهن بكل أوراقه على الأرض غير المحروثة وهي عامة الناس وقاع المجتمع. ولهذا السبب لجأ إلى اللغة الشعبية الساخرة والصور الكاريكاتيرية المبالغ بهزليتها. وهكذا يكون قد ضرب هدفين بحجر واحد.. لقد عمل على تدجين الإله (الطبقات الحاكمة والطبقات المهزومة) ولم يعدمه بطريقة نيتشة المعروفة. واكتفى بتحويله من إله ميتافيزيقي شديد التعالي (حارس للإنضباط والأخلاق) إلى إله مرئي (له مؤسسات نراها ونتحايل عليها. لا نرجمها ولكن لا نبالي بها).

وقد سجل أوضح مثال على ذلك في (زحف النمل). إن البطل فيها مضروب بإثنين: هناك بطل إيجابي (هو أحمد ذهب - رمز الإله العادل). وبطل سلبي هو (أبو زيد زيتون - رمز إبليس). وكلنا نعلم ما لإبليس من معنى أوديبي في فلسفة فرويد.

وقد دعمت اللغة الساخرة هذه الميثولوجيا الروائية لاستبدال صورة الأب القديم المترفع والمحجوب عن الأنظار بصورة الإله المتعاطف القريب من الطبقات المتوسطة. ولا أجد غير هذا التفسير لتأويل استعمال اللغة المبسطة (اعتدنا أن نقول عنها اللغة الثالثة) وما ترافق مع ذلك من سقوط للبلاغة والتراكيب ذات الوزن الثقيل.

**

أما بالنسبة للمرأة، التي ولا شك تعاني في كل الروايات من اختناق، فقد جاءت بسياق إعادة إنتاج لسيرة الأم المتواطئة مع إبنها ضد قانون الأب.

لقد اقترفت المرأة عدة مخالفات ضد منطق الرجل. إنها تسببت في دخول حكايات فرعية لم ترفد المحور الأساسي للأحداث، ولكن ضاعفته. بمعنى أن التسلسل اغتنى بالتوازي.

ثم إنها كانت تتحين الفرص لتخرج من تحت مظلة الشخصية - البطل، أو الشخصية الرئيسية، وتدخل في تحالف مع من هم تحت وصايته وبمقام أبنائه. ويتراءى لي أن هذا مجرد إعادة تعريف لعقدة أوديب الأصلية: الأم تتكاتف مع الابن لإزاحة الأب. وإذا كانت الأسطورة الأصلية جاءت بالصدفة، ولتؤكد أن العبد في التفكير والله في التدبير وأن لا مهرب من القدر، فإن الصيغة النفسية لهذه الروايات تبدو جريمة مدبرة سلفا. بل وأحكم تدبيرها. هذا إذا نظرنا لحياة المجتمع النفسية الواعية على أنها تفسير وترجمة لنشاطنا الحضاري والمعرفي الواعي.

وأستشهد برواية (تعاطف) كمثال على ذلك. فهي تجمع في خطابها المشكلة الفنية (تفريع الحدث المركزي لحكايات صغيرة مستقلة)، والمشكلة المعرفية (صراع الأجيال وتآمر الطبقات الصاعدة على من سبقها في مركز السلطة).

لقد كان المحور الأساسي للحكاية هو الحياة العاطفية للبواب قسم السيد محارب. وهي حياة رومنسية وحزينة وتمد جسور المحبة لجميع الضعفاء والمعوزين وأصحاب الحاجات. لقد كان يقول عنهم " أبنائي الصغار" (ص141). وكان يعلن عن تعاطفه الشديد مع كل " أخبار البؤس " كما ورد في افتتاحية الرواية (ص 7). ومع ذلك ومع أنه أيقونة متبقية من صورة الأب - الإله الذي تتسع رحمته لكل شيء، فقد تمردت نساؤه وتواطأن ضده. وفي هذا السياق يمكن قراءة مصير سميتا الغانيّة (نسبة للبلد الإفريقي غانا) التي تنازلت عنه ولجأت إلى دار المزاين. وكذلك السارة فقد خذلته في لحظة ضعف وانكشاف واقترنت بسقراط الصحافي. هذا غير المغنية سنابل التي استغلت حياته الروحية ورواقيته أبشع استغلال وانحازت لعازف الإيقاع سفيان كروكرو (ص 117) وهكذا دواليك.

وقد ترتب على ذلك اختراع شخصيات نسائية مستعدة لارتكاب الجرائم أو أنها متحالفة مع قوة غريبة تنتمي لعالم مسحور كالشياطين والجن والعفاريت (انظر حالة سميتا الغانية التي تتقاسم كل لحظة من حياتها مع الجني المارد الذي يسكنها) ، وغير ذلك مما يسميه فن إنتروبولوجيا الأدب بالوسائل المساعدة التي تتغلب بها شخصيات الرواية على مكامن ضعفها الموروثة ومنها ضعف المؤنث.

و تلازم ذلك مع بناء روائي غير مركزي. وفيه تتفرع، من محور الأحداث، حكايات ثانوية يكون لكل منها هدف خاص.

وأرى أن رواية العالم الثالث بشكل إجمالي تروّج لهذا النوع من الخيال. ليس لأنها مرتبطة بحكم ضرورة ظرف التخلف بالخيال الشعبي نصف المثقف الذي يعاني من تدهور في مستوى الانضباط ومن سوء تطبيق للقوانين ولكن لأن النخب الواعية تريد أن تفكك المرحلة الإمبريالية ومفاهيمها ومصطلحاتها وتستبدلها بقانون غير مركزي، بعيدا عن السياسة المحورية التي تطمع بالسيادة على العالم.

لقد قدم لنا أمير تاج السر في هذه الروايات وعلى رأسها (تعاطف وبعدها بدرجة أضعف 366) حكاية محورية كانت تغتني بحكايات فرعية. وهذا حول صورة المدينة لأحياء متفرقة ومتنازعة. وصورة شخصية البطل لأفراد يعانون من خصوصيات في معالجة الشرط الوجودي العام. ولذلك كان النشاط النفسي لدائرة اللغة ولأفكار الشخصيات المتخيلة بعيدا عن عالم اللاشعور. قريبا من الإحساس بغرابة الذات وابتعادها عن مقوماتها الأصلية. وبعبارة مختصرة لتسلسل حكائي سردي في متوازيات ترسم ما تراه العين وليس ما يشعر به الوجدان.

لقد كان المنظور عجائبيا ولكنه لا يفاجئ الشخصيات. وتستطيع أن تقول إنه منفصل عن الحياة الداخلية للشخصيات، ومفروض من منطق الحكاية وليس من منطق أبطالها.

إن مسيرة أمير تاج السر مع الرواية أغنى من غيرها بالأخيلة والتطورات. وهي تتألف من منعطفات لكل منها مستوى شعوري وآخر لاشعوري. أو نشاط ظاهري تدعمه مفاجآت تتفاعل في الداخل النفسي. ويبدو أن منابع الإتجاهين لم تجف.. سيرة الأب الأوديبي الذي يمسك بزمام عالمه لا تزال تتطور على شكل روايات واقعية ترفدها قافلة من الأبطال الأساسيين الذين لا يتركون شيئا للصدفة ولا للتأويل والرموز. وسيرة الأم المتواطئة مع الإبن التي فككت الإطار الواحد للرواية وحولت الأحداث لدوائر متتالية تتداخل فيما بينها. وفي مساحات التقاطع ومسافات الفراغ يتوجب على القارئ أن يستعمل عقله ليفهم الرسالة وليصالح ما بين الشخصيات الخيالية والواقع...

آذار 2014

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2737 المصادف: 2014-03-04 12:35:17