المثقف - قراءات نقدية

مسارات السرد في نص (ذلك اليوم) للقاص أمين يوسف عودة

majida saadمقدمة: قدم القاص مجموعتين قصصيتين، الأولى بعنوان (تحولات مصطفى جابر) 1987، والثانية بعنوان (الرنين) 1991 ومثل أي مجموعة قصصية تتراوح القيمة الفنية بين قصة وأخرى، بيد أنه لا يهبط إلى مستوى دون المتوسط ويرتفع أحياناً إلى درجة تجعل تجاوزه تقصيراً نقدياً، إذ يكتب قصصاً حديثة غير تجريبية حيناً وأخرى حديثة تجريبية حينا آخر، وتنتظم القصص جميعاً هموم المثقف العربي والمواطن الفلسطيني، وتستدعي الآجواء والهموم التي تتخلل قصصه تلك الأجواء والهموم التي تخللت قصص الراحل غسان كنفاني، ولا يبدو الأمر عفوياً فالقاص يهدي مجموعته الأولى (إلى روح معلمي الأول غسان كنفاني) .

2- إن قراءة قصص أمين عودة تنفي من أذهاننا شبهة التقليد وعلى النقيض من ذلك: إن إعتماده على ثيمات سادت طوال عقود في كتابات عدد كبير جداً من الكتاب الفلسطينيين لأجيال أدبية متعاقبة ومتفاوتت المواهب، والخروج منها بما لا يشبه كتابات الآخرين تجعل نصوصه جديرة بالإنتباه . لو تساءلنا مالذي يمكن أن يقال عن عذابات المخيم بعد أن ظلت الكتابة شائعة عنه نصف قرن ؟! وبلغت به حداً أعلى من التأثير في قصص فنية مثل (مخيم العروب) ليوسف الخطيب وقصة (نصف الرجل الميت) لمحمود الخطيب . وقد آثرنا التوقف عند قصة (ذلك اليوم) من مجموعته الأولى (تحولات مصطفى جابر) إذ أنها تجاوزت الأبنية التقليدية التي تناولت هذا الموضوع إلى آفاق اخترقت المحظور .

 

تحليل النص

3- يخرج المتخيل السردي لهذا النص عن مفردات الثيمة الشائعة في الأدب الفلسطيني من قبيل الشباب الفلسطيني النابت لا في المخيمات، المتعلم، المقاوم، الممنوع عن العمل .. إلخ، وتخصيصاً في هذه القصة : رياض عبد الرحيم شاب فلسطيني نبت في المخيمات لأم رؤوم ومكافحة، وصلت به، أو معه، إلى إنهاء دراسته الجامعية في قسم الفلسفة، يعتقل بسبب انضمامه إلى تنظيم سياسي، وفي المعتقل لا يعاني من التعذيب وحسب بل تمتهن كرامته ويتم إذلاله إلى الحد الذي يتكون لديه كف عصابي عن المواجهة بعد خروجه من سجن مدته ثلاث سنوات، وكلما وجد عملاً يفصل لماضيه السياسي، إلى أن يوفق في الحصول على عمل في شركة ما، يكاد حرصه على الحفاظ على عمله فيها أن يبلغ حداً مَرَضياً (فوبيا) . يعرض عليه مدير الشركة عملاً غامضاً يخص زوجة المدير سرعان ما يتكشف الغموض عن ستخدام الشاب أداة متعة لها، يحاول رياض عبد الرحيم التوافق مع ما طلب منه، بيد أن ذاته لم تكن قد دمرت بالكامل فينتفض متقيئاً ويعود إلى قبوه .

علينا، قبل التوغل في البناء القصصي، توكيد ذلك الدور المهم الذي لعبه فضاء القصة زماناً ومكاناً، والذي يكاد من فرط تمثله للشخصيات وتمثيله لطبيعة الصراع، أن يشكل مع الشخصيات (شخصيماً) بمعنى التجانس الوظيفي بين المكان وقاطنيه الذي يصل حد الإدغام مضمراً طبيعة الصراع غير المعلن .

4- يضمر العنوان تناقضاً ينتمي إلى فضاء القصة : فــ (ذلك) إسم إشارة ليس للقريب أو الوسط، بل إلى البعيد . و (اليوم) وهو معرف يشير إلى الحاضر ولو نكر إلى (يوماً ما) لتحول إلأى ماض . والجمع بينهما يخلق تناقضاً خفياً بين زمنين أحدهما بعيد ماض، والآخر حاضر ومعرف . وقد يفيد اسم الإشارة توكيد اليوم وعزله . ويكمن في لفظ اليوم دلالات متعددة : إنه أولاً الزمن القصصي المناسب والأمثل لجنس القصة القصيرة كما ترى سوزان لوهافر (1) . وهو دورة طبيعية تشمل بداية تصل إلى نهايتها والدائرة قد تعني سجناً لشخصية تحتويها وقد تعني الإنغلاق واللاجدوى . يظل البدء والإنتهاء افتراضياً فيها ويغلب عليها انعدام النقاط الدالة، التيه . وقد تعني الإحتواء الجنسي الذي ترمز له الدوائر . واحتمال لا يبعد عن المنطق إذا احتسبنا الدورة الزمنية دورة تدشين، تعرّف، رحلة تبدأ بالجهل وتنتهي بالمعرفة، الكشف (بداية ونهاية) أو نهاية تصل إلى تخوم دورة جديدة (2) ؟ وتظل الإحتمالات – حتى أكثرها تناقضاً – حاضرة في النص، علينا تغليب بعضها حسب ما نرى، أو إذا تحرينا الدقة، حسب الوجهة الأولى التي يشر إليها النص : فهو نص سياسي مبدئياً، يشير إلى صراع مرير وغير متكافيء بين السلطة ورموزها، وكل الآخرين الذين يمثلهم خير تمثيل الشباب الواعي المثقف . ويكافح الراوي في معظم أجزاء القصة للتغاضي عن طبيعة الصراع، بل وإجراء مهادنة غير مهينة إن أمكن بين طرفيه .

5- تتعقب أول فقرة في القصة الراوي رياض عبد الرحيم عقب استيقاظه داخلاً المرحاض حيث يجد فيه الراحة (أنا في الحمام، أدخن أدرك ذلك وأدرك أيضاً أنني بدأت أمارس طقوس الإنعتاق من قيود الأشياء ورقابتها، أنا أجلس في منتهى الحرية، وأفكر في منتهى الحرية) قد يستدعي ذلك النص الشهير لجيمس جويس (يوليسيس) وما تبعه من أدب سمي سخرية (أدب التواليتات) في إرهاصات الحداثة العربية . إن نص عودة نص جريء ينتمي إلى تلك النصوص التي تخترق المحظورات، فالمرحاض في (ذلك اليوم) مرحاض عربي حرفياً بما يستدعيه من إقعاء وليس الجلوس . وتمتد – أسوة برواية جويس – على مدى أربع وعشرين ساعة، وتنتهي خلافاً ونقيضاً للإيرلندي في المرحاض : إن الفتى العربي المثقف بعد أن ينهي دورته لا يجد – في ظل نظام قمعي – الأمان والإسترخاء والحرية إلا في المرحاض . مما يثير التأمل ملاحظة أن الأمكنة التي كانت مسرحاً للأحداث والتحولات الجذرية في هذه القصة، وإن لم تكن مستديرة بيد أنها جميعاً مغلقة مطابقة بذلك انغلاق الدورة الزمنية . كما أنها تمثل غياب الحوار، لأنها نقيضة للأمكنة التي أطلق عليها باختين اسم العتبة الصالحة للقاء والحوار والتغيير المترتب على التفاعل .

6- أول هذه الأمكنة غرفة الراوي الكائنة تحت الأرض مما يجعل منها قبواً على نحو ما . ويثير ذلك زوبعة من الإحتمالات المتعددة والمتجانسة مع احتمالات الدورة الزمنية : اللبيدو أو الغرائز اللاواعية إذا اخترنا مقترباً نفسياً، وقد تعني الطبقة السفلى من المجتمع بمعنى اقتصادي – سياسي، أو تعني مخبأً عازلاً عن الآخرين، مخبأً كافكاوياً وجودياً . ومن ضمن الإحتمالات أن تمثل غرفة الراوي دلالة سياسية : السجن الإختياري، الدفن .

سنغلب المقترب الإقتصادي – السياسي إقتضاءً للدلالات الأولى المباشرة للقصة . ولخرق مفهوم القبو بوجود نافذة مرتفعة تتساوى مع الشارع ، بيد أن الراوي رياض لا يتمكن من رؤية سطح الشارع إلا حين يصعد على كرسي . وهو فعل ينتهك فكرة القبو المغلق منفتحاً على احتمالات دلالية تتضمن التوق إلى التواصل مع العالم العقلاني مقابل اللاوعي . أو التوق بالمعنى الوجودي إلى التواصل مع الآخر وخرق العزلة، وبالمعنى السياسي الطبقي ربما تشير إلى الرغبة والإصرار على الإتصال، والتواصل مع الشارع . وأخيراً إحتمالية التطلع نحو أفق مفتوح يتضمن خياراتٍ أفضل . ونرجح أن النافذة – الرؤية تسمح بالتعرف على الذات من خلال الآخر، أو حتى الكشف إذ لا يبدو المشهد الذي رآه الراوي متميزاً أو مثيراً للفضول حسب، وإنما يحتوي في الآن نفسه موقف الراوي : (ونظرت من خلف الزجاج المغبر. كانت طفلة صغيرة على الرصيف المقابل، ما زالت في ملابس نومها، مقرفصة، وتنظر بطريقة حادة ومركزة إلى شيء ما على الأرض يبدو أنه حشرة، وكانت بين الفينة والأخرى تمد يدها الصغيرة بخوف وتحاول أن تمسك ذلك الشيء بإصبعها، ولكنها لا تلبث أن تسحب يدها وتخبئها خلف ظهرها وهي تصرخ بفرح وخوف في آن واحد، وتعيد الكرة من جديد . إبتسمت من خلف الزجاج وأن أراقب المشهد) يتراءى هذا المشهد هامشياً يكاد يفتقد القيمة الوظيفية في القصة ولا تتكشف لنا علاقته العضوية بالراوي إلا بعد اكتمال قراءة القصة والتمعن في وظيفة هذا المشهد : يسبق المشهد صعود الراوي على الكرسي لــِ (يرى) سطح الشارح (من خلف الزجاج المغبر) مما يعني محاولة الإرتفاع - لكن من غير مشاركة فعلية (عبر زجاج) - ورؤية المجازفة المكبوحة بالحذر التي تمثلها الطفلة الواقعة بين لذة الإكتشاف وردع العواقب وذلك بالضبط ما يمثل موقف الراوي المستمر وغير المعلن .

7- إن المكان السفلي بما يمثله من دونية طبقية، أو نفسية، من ضيق وعزلة ودفن، والشباك على الشارع، والطفلة، والراوي الذي أزيح من دور الفاعل إلى دور يحاول جاهداً أن لا يندرج تحت المفعول به، والزمان صباحاً : كل هؤلاء يشكلون قطب الصراع الأول، منظومة متجانسة متظافرة هي القمة الطبيعية لامتداد الشارع من مطعم شعبي، ومقهى، ومحلات صغيرة، يغلب على الراوي فيها الطمأنينة والإبتسام والأمان (يبتسم لنفسه في غرفته، يبتسم للطفلة، يبتسم لصاحب المطعم الشعبي ويحييه، يبتسم لعامل البار)، وحتى المقهى يبدو أليفاً وغير مهدد للراوي . وعلى اتساع هذا القطب وغزارته يبدو أفقياً مفتوحاً ومكشوفاً (غير معتم) ونقيضاً لمبنى الشركة العمودي : مكون من طوابق عليا وسفلى قادرة على الإنغلاق، والحقيقة أنه مبنى يفتقر، أو لا يستسيغ، أي مكان مفتوحٍ لأنه لا يتلاءم مع وظيفته : فهو غرف وسطى للعمل، طابق أعلى للمدير، طابق أسفل سري لزوجة المدير . مصعد مغلق . وطوابق زمنية وظيفية : في الليل، وفي النهار . وأدق من ذلك أن النهار يوظف لخدمة الليل في هذه الشركة . وينتمي إلى الشركة وظيفياً المحقق – السلطة . وعدم وجود علاقة ظاهرة في النصبين الطرفين يتداعى أمام الدور الوظيفي المتطابق لكل منهما . وسيأتي في ما بعد كشف كنه هذه العلاقة .

8- رياض عبد الرحيم الراوي المثقف، والمناهض السابق للسلطة، يبدي حرصاً مرضياً على مصالحة زائفة، حالة سلام، بينه وبين السلطة بعد صراع غير متكافيء سحقت فيه كرامته، وأمنه، ووضعه الإقتصادي، بيد أن ذلك لم يطل عقله ومبادئه . إنه يبدي الحرص على المصالحة لعجزه عن نزال السلطة وليس لقناعته بمبدأ المصالحة .

9- لنعد إلى تسلسل المبنى القصصي : يبدأ رياض يومه آمناً مرتاحاً في المرحاض، ثم في الغرفة – القبو، ثم يصعد إلى الشارع، متجهاً إلى الشركة، ماراً بأماكن شعبية يتجانس معها على كونه يمثل نقطة عليا لها بذكائه وثقافته ووعيه، يبدأ سلوكه بالإضطراب في الفضاء الذي ينتمي إى الشركة : لا يعود ابتسامه طبيعياً، ويغدو محكوماً بالخوف والتحسب، تختفي التلقائية ويحل محلها سلوك محسوب ومضغوط برغبة في المهادنة . يتزامن وصوله إلى المبنى (الشركة الرابضة في نهاية الشارع .. مظلمة وساكنة) مروق (سيارة أنيقة بلون السماء)، مكان مغلق ينتمي بأناقته وإضفاء لون السماء عليه إلى الطبقة العليا .

10- تنزل من السيارة سيدة لا يرى الراوي وجهها لأنها كانت تسير أمامه، وبدت له مثيرة من بعيد، جمعهما مصعد الشركة (مكان مغلق) تفحصتهُ وتمعنت فيه إلى درجة أثارت فيها قلقه، ولقد وجدها عن قرب بشعة (كان وجهها بشعاً، مليئاً بالخطوط الرفيعة المغطاة بالمساحيق) . نعلم هنا أن ثمة ما يقلقه في ماضيه وأن هذا الماضي يهدد أي عمل يقدم عليه . وتصاعد قلقه إثر استدعاء المدير له، حيث يجد أن تلك السيدة هي زوجة المدير، والتي تظل ساكنة فيما يقوم الزوج بمقايضة غامضة يبهم معناها عليه على نحو يبطِن رغبته الدفينة في عدم الفهم . إذ يقوم المدير بقراءة ورقة أمامه تحتوي على الماضي السياسي لرياض وسجنه وفصله من أعمال سابقة وكونه ما زال تحت المراقبة . وبدلاً من أن يقوم بفصله يلوِّح له أنه بنفوذه قادر على رفع الرقابة عنه، طالباً منه أن يعمل سائقاً للمدام مساءً على أن يظل الأمر سراً بينهم، ثم يصب ثلاثة كؤوس من الخمر . إن الحيرة الشديدة لتفسير هذا الحدث تبدو لنا آلية نفسية يحمي بها الراوي نفسه من فهم العرض وهو لا ينقصه الذكاء، ويظل يجتر حتى المساء تساؤلاته ممتزجة بذكرياته عن الإذلال في السجن التي انبقثت فجأة، وربما كان في تشابك الأمرين معاً ما يجعلنا نستشف أنه غيرُ راغب في صراع غير متكافيء لن يؤولَ إلا إلى إذلال مروع . وكان عليه مساءً أن يجد الإجابة حول طبيعة الصفقة، وبدلاً من إقامة المصالحة ينفجر الوضع على الرغم من استماتته في أن يحول دون انفجاره .

11- إن تحديد الفضاء القصصي للَّقاء أفضى إلى اندغام عضوي مع الوحدات السردية والإتجاه إلى تعميق منظومتي الصراع بين قطبين ؛ إنها امرأة ثرية، وتفعل هذا الأمر بعلم زوجها . وكانت البدائل كثيرة وشائعة ؛ أن تستقبله في بيتها، أن تذهب معه إلى فندق فخم، أن يكون لها شقة خاصة تستقبل فيها من تصطاد من الرجال . بيد أن متانة هذه القصة ناتجة عن التظافر والتفاعل بين الفعل والفاعل وفضائهما : تم اللقاء مساءً في مقر الشركة (كانت الأضواء مطفأة والظلمة ساكنة وباردة في الداخل، ضغطت ُ على زر الكهرباء، وأضاءت ردهة الطابق الأرضي الرخامية) وبعد صفحات (وباغتتني فكرة مفاجئة .. هذا المكان .. أراه للمرة الأولى كما لو أنه غير تابع للشركة في الطوابق العليا) ثم يلاحظ (أن الجدران بلا شبابيك) إنه قبو رخامي فاخر الأثاث، وهو يستدعي أو يضمر نقيضه غرفة الراوي، غير أن للقبو الأخير شباكاً مرتفعاً، وليس بصدفة أن يلاحظ أن المكان الرخامي بلا شبابيك . سنترك جانباً الصفات الجمالية التي لا تشير إلى غير الثراء المادي الذي يصل حد البذخ، ونتتبع صفات المكان : الأضواء مطفأة، الظلمة ساكنة وباردة في الداخل، بلا شبابيك، مُخفى (كما لو أنه غير تابع للشركة) ثم أنه من رخام وهو يشير في إحدى دلالاته إلى الثراء، لكنه يضمر البرودة أيضاً وقد يشير إلى القبر، ويعزز إنغلاقُه كونُهُ مكاناً فاقداً للحياة . وسيتكامل ويتظافر هذا المكان مع شخصية مالكته، التي ظل الراوي يلقبها بالسيدة أو المدام منذ بدء القصة حتى اللقاء المسائي، وهو دليل طبقي – جنسي . بيد أن دلالته الطبقية أكثر كثافة وعمقاً من دلالته الجنسية . وينطوي على مسافة نفسية أيضاً بين الطرفين . إن كل ما صدر عنها بعد حضورها كان يعزز بالفعل والقول والتقرير تحويلها رياض من إنسان إلى أداةٍ مُسْتَغَلَّةٍ ؛ بدأ الأمر بتعيينه سائقاً عند المدام بمقايضة قام بها الزوج، كانت أثناءها تراقب الأمر بصمت، وحين تدخلت للمرة الأولى والأخيرة لم تقل سوى (سيد رياض، بالنسبة للراتب الجديد، سنتفق عليه معاً وأعتقد أنك ستكون راضياً.) وحين التقت به مساءً كانت جملتها الأولى (أنت منذ الآن خاصتي.) !

12- وهي تبدو للراوي (إمرأة قوية وصلبة ولها قدرة على فعل ماتريد ببساطة ودون عناء) ويلمحها الراوي وهي (تصب في عينيَّ تلك النظرة الغريبة الغامضة .. القاسية الخشنة .. والتي لمعت تحت مرور ضوء سريع آتٍ من مكان ما) ويشبه ذلك موقفها حين التقت برياض في المصعد للمرة الأولى (وتركتُ عينيها تحبوان على وجهي وتلسعان فيه) و (قالت بصوت زجاجي آمر: ما اسمك) و (أشارت إلي كي أتبعها) ثم (قالت : هل أغلقت الباب ..؟ وفهمت من ذلك أنها تريدني أن أغلق الباب، (..) قالت بنبرة توكيدية: بالمفتاح) وحتى لحظة اللقاء لم تبدر منها أية كلمة أو حركة للتقارب مع الشاب، ولم تبادر، أو تدفعه إلى المبادرة، بأية ملاطفات تمهيدية قد تقوم بها حتى بعض الحيوانات . لقد تركته واقفاً في القبو الرخامي، ودخلت غرفة ما ثم خرجت منها عارية تماماً مصيبة الراوي بصدمة، وحتى أنها لم تقترب منه (تقدمت بخطى وئيدة وواثقة، (...) جلست على الأريكة ووضعت ساقاً على ساق ومدت يدها وأشارت إليَّ بإصبعها) لن يفوتنا ما في إشارة (إصبعها يستحثني) من دلالة على السطوة، وتأكيد على المسافة وطلب فعل مجرد من محتواه الإنساني . في تلك اللحظة بالذات يتساءل الراوي (هل هذه امراة ..؟! هذه المدام ..) وكانت هذه العبارة كشفاً ومفتاحاً : ففي اللحظة التي يفترض فيها أن تكون امرأة، لم تكن سوى طبقة – سلطة . و"أنا .. رياض عبد الرحيم ماذا أفعل هنا؟! سؤال سخيف تافه " لأن إجابته بسيطة، إنه ليس غير أداة متعة، مومس ذكر . ويقر: (في هذه اللحظة يعرف كل منا مطلب الآخر) وللأهمية القصوى التي سنكشف عنها فيما بعد سنثبت هذا النص (إقتربت منها وصرت أمامها تماماً، دهمتني رائحة عطرية ممزوجة برائحة أنثوية كريهة بعض الشيء، كان العطر الكثيف يطغى عليها .. كانت عيناها تنغرسان في وجهي وتتغلغلان فيه .. عجوز .. وعاهرة .. وصلبة .. وقوية .. تتصرف ببرودة واطمئنان، متأكدة من كل خطوة تخطوها، كما لو كنت دمية بين يديها . ماذا لو بصقت عليها ؟! ماذا لو صفعتها ؟! أنا رياض عبد الرحيم .. أنا إنسان صلب وأرفض أن أكون ضعيفاً ومبتذلاً إلى هذا الحد .. كانت تباعد بين ساقيها وتحتوي رأسي بين كفيها وتسحبني إلى أسفل، جثوت على ركبتيَّ وأسندت كفي على فخذيها .. كيف يبدو رياض عبد الرحيم الآن .. هل صار مسخاً .. ؟ هل سقط وجهه .. هل تحول إلى دودة طين أسود .. ليتني أرى وجهي في المرآة .. كدت أبكي .. رأيت جسدها عن قرب . كان ثدياها يستلقيان برخاوة وعجز على صدرها وجلدها المترهل يشبه جلد جنين ميت، لم أتمكن من رؤية وجهها، كانت تضغط على رأسي بكفيها المعروقتين لتقرب وجهي من ذلك الشق المحموم .. لم أعد أطيق الرائحة الأنثوية الكريهة التي تصدر من ذلك المكان الملعون .. طغت على كل شيء وبدأ رأسي يقاوم دفع يديها القويتين .. تصلبت رقبتي .. لم أعد أحتمل كانت أمعائي تصعد وتقترب من فمي .. لا أطيق .. صرخت دون وعي وانفلتُ من بين يديها المتشنجتين .. إنتفضت أمعائي .. وصعدت إلى أعلى مثل السهم، وانفجر فمي بالقيء وتناثر على السجاد . ندت عنها صرخة مكبوتة، بصقتُ وأنا ألهث (...) وفجأة تفجرت عيناي بالدموع وأجهشت بالبكاء) .

13- تكمن أهمية هذا النص المجتزأ كونه تنويعاً وتوكيداً لصراع أساس يتغلغل في النص وكونه أيضاً امتداداً لاصطفاف طرفي الصراع : قبل أن يلتقي الراوي " السيدة " وحين يقصي حقيقة المقايضة بتصنع الجهل انبثقت في ذاكرته تلك الأحداث المريرة في السجن لم يكن المحقق إلا وجهاً مباشراً للصراع يضمر في قطبه المدير والزوجة والشركة مقابل الفئة التي يمثلها الشاب المثقف الثوري : "هل سأحبو على أربع وأعوي مثل الكلاب ؟ (...) ولكنك فعلتها قبل هذه المرة وحبوت، أليس كذلك .. ؟! تلك لا أحسبها، لم يكن لدي خيار، جسدي هو الذي حبا على أربع ولست أنا، رياض عبد الرحيم لم يحبُ على أربع .. أطرافي هي التي انهارت .. أطرافي التي تشبعت بالرطوبة والضرب والوقوف ليال بكاملها في ساحة السجن مع الريح والبرد والمطر .. (...) وعندما حبوت على أربع لم يكن لدي خيار .. كنت أستجمع قواي وأحاول النهوض، وكلما ارتفعت برأسي إلى أعلى .. كان الحذاء الثقيل يضغط ." ويعد المحقق الراوي أن يكف عن تعذيبه بشرط " أن تحبو على أربع وتنهق حتى تصل إلى زنزانتك " يقول الراوي " وعندما جررت جسدي المحطم، وحبوت نحو الباب، سمعته يصرخ إنهق يا حيوان ... لم أصغِ له وتابعت الحبو ... كنت أملك صوتي ولم أكن أملك جسدي .. كان جسدي ملكاً للمرض والتعب والإنهيار، لم أصغِ له، وعندئذ أصابه مس من الجنون والغضب، وراح يهوي بقدمه على رأسي ووجهي ويصرخ إنهق ياحيوان ... إنهق ياحيوان ... وبعدها استسلمت لإغماءة أنقذتني من الشعور بالألم والإذلال " .

 

14- الأفعال التي قام بها المحقق:

1- مساومة الراوي على الإدلاء بأسماء رفاقه .

2- تعذيبه وامتهان كرامته وخفض رأسه التي ظلت تحاول الإرتفاع بيد أن حذاء المحقق – السلطة كان يحول دون ذلك .

 

الأفعال التي قام بها المدير – المدام (وهما وحدة اجتماعية جنسية إقتصادية) :

1- المساومة قام بها المدير

2- الإذلال القائم على مومسة الراوي واستخدام الرأس حصراً أداة (على الرغم من أن الجنس يقوم على علاقة بين جسدين فضلاً عن كونهما إنسانين، وقيام المدام بخفض رأس رياض عنوة بيدين قويتين معروقتين .

إن وحدة الأفعال وتكاملها في هؤلاء تجعل منهم وحدة وظيفية تمثل وجهي السلطة – الإقتصاد مقابل رياض وما يمثله : رفاقه في التنظيم، وجماهير الشارع الأفقي .

رد فعل رياض على المحقق :

1- رفض الإدلاء بأسماء رفاقه دافعاً ثلاث سنوات من عمره سجناً .

2- إنهيار مالابد من انهياره تحت التعذيب ألا وهو الجسد .

3- مداومة على محاولة رفع رأسه التي يخفضها الحذاء .

4- رفض أن ينهق – يتحيون متخلياً عن إنسانيته – وتحمل العواقب .

15-لن يفوت القاريء أبداً الجناس القائم بين فعلي المحقق والمدام في خفض الرأس بدلالته على الإذلال من جهة، وبدلالة أخرى هي سحق العقل الإنساني ومومسة الفكر .

ردود فعل رياض على المدير – المدام :

إن التغيير الذي حدث في سلوك الراوي عقب السجن والإذلال والتشرد بغير عمل نأى بالقصة عن الشعارات، حتى بدا ميله للمسالمة طبيعياً ومفهوماً، ثم يساعد تغير الشكل الخارجي لرموز الصراع (إختفى المحقق بهيئته العسكرية وبرز المدير والمدام بهيئة مدنية – إقتصادية) ساعد على تحقيق رغبته المستميتة في عدم خوض صراع غير متكافيء . وقد ظل على مدى صفحات يتساءل بقلق عصابي عما هو مطلوب منه، بيد أنه كان يدرك ما هو مطلوب، وما أحاسيس الشبق التي اجتاحته تجاه المدام إلا آلية دفاعية تسوغ قبوله الأمر وتخفف من وطأة الصفقة القذرة . ولقد تعمدنا نقل نص المواجهة بينه وبين المدام . نلاحظ أنه بدأ يتململ منذ البدء – ولم يعد بوسعه أن لا يرى – أولاً بتكرار اسمه كاملاً مع ضمير المتكلم (أنا رياض عبد الرحيم) ثلاث مرات، كأنها تعويذة يستدعي بها ذاته ويستنهضها، وتبدأ ردود الفعل على العدوان على شكل هواجس وتساؤلات أبسطها الرغبة في ترك السيدة والهرب، ثم التفكير في البصق في وجهها، ثم التفكير في صفعها، ووصفها في عقله (عاهرة عجوز) وتنهض ذاته بما يوازي ضغطها عليه حتى يصل القمة والكمال حين يقول : " صرخت دون وعي وانفلت من بين يديها (...) وانفجر فمي بالقيء وتناثر على السجاد " لم يبصق عليها حسب بل تقيأها ولوث السجاد (رمز ثرائها ومكانتها) بالقيء . لقد اتفق أسلوب الرفض مع طبيعة الحدث . ثم عاد فجأة رياض عبد الرحيم الذي يرى، والذي لا يخاتل الحقيقة " وفجأة تفجرت عيناي بالدموع وأجهشت بالبكاء، تراجعت إلى الوراء وأنا أنظر إلى المرأة المسخ .. كانت منكمشة وفي عينيها نظرة لزجة .. كان كل جسدها رخواً .. كان يسيح فوق بعضه .. الرأس تميع وتبدأ تسيل على الأكتاف وتختلط بهما وتنزلقان معاً إلى الصدر، فيصيران كتلة لحمية واحدة تشبه الطين الرخو، تتابع سيلانها ببطءٍ فوق البطن ثم تنزلق إلى ذلك الشق وتختفي فيه " .

16- بنوع من رؤية كاشفة حيث كف عن اغماض عينيه، يرى تحلل الطبقة . وبكشف مفاجيء تتكامل أمامه منظومة لم تكن ثمة علاقة واضحة تربط بين عناصرها " الدم ينبع من جوف الأرض والأجساد .. الأرض جسد .. والجسد إنسان والإنسان كلمة . أنت رياض عبد الرحيم .. إنهق ياحيوان .. والمدام تصير كتلة من الطين والسبخ، وتسيل بين فخذيها وتدفن رأسها في ذلك الشق .

17- يتبدى في هذا المقطع اكتشاف الراوي للعلاقة العضوية بين المحقق والمدير – المدام . مقابل شخصه وما يمثله، سقطت الأقنعة، ومغالطة الذات . وفي تلك اللحظة اختار ذاته التي ردد اسمها مراراً، إختار الإبقاء على ذاته (ومنظومته) وانطلق الرفض منطقياً ومقنعاً ومتظافراً مع طبيعة الشخصيات والحدث، ولم يكن أمامه أية فرصة لتجنب الصراع: إن سحق المثقف العربي لا يكفي حيونته (إنهق كما أمر المحقق) وتدمير مكتسباته الحضارية، بل إذلاله (إركع وأخيراً مومسته .

علينا هنا الإشادة بهذا المتن القصصي غير المألوف، وإذا لم يفتنا الإطلاع؛ غير المسبوق في القصة الفلسطينية – بمومسة الذكر : لقد كان الراوي يأمل تجنب الصراع مختاراً أن يكون رأس غنم – ملغياً رأسه – بيد أنه اكتشف في (ذلك اليوم) أن الحياد مستحيل، وأن الصمت لم يلغ الصراع، لكنه يعني انتصار القطب المضاد .

تلك قراءة أولى للقصة تكشف عن البعد الدلالي الأول المقصود والمرصود غير أنها قصة ثرية وتضخ إشارات أخرى لا ينبغي فيها إغفال طبقة ثانية للمعنى تفرض نفسها وهي القراءة النفسية التي تفسر أحداث وشخصيات وفضاء (ذلك اليوم) على أنه يوم التحرر من عقدة أوديب وتدشين مرحلة النضج النفسي، أو الرجولة غير المَرَضِيَّة : إذا نظرنا إلى وظيفة المدير على أنها الأب يرفع حظره، وإذا رأينا في المدام الجزء الخلفي والنقيض من شخصية أم الراوي . وكل ذلك يستدعي قراءة أخرى موسعة لا يحتملها البحث وإن كانت من البروز إلى الدرجة التي استدعت الإيماء إليها .

 

.......................

(1) الإعتراف بالقصة القصيرة

(2) يؤكد يونغ أن الدائرة تعبير لاشعوري عن الرغبة في الكلية، بل أنها " الشعار الكامل للكلية والوحدة في الديانات الشرقية والغربية " ؛ نظريات الشخصية – هول 137    

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

بحث يدفع القاريء لإعادة قراءة النص بمستوى آخر يزيد من جمالية التلقي .
تقديري واحترامي أستاذتي الحبيبة .

د. سعد الصالحي
This comment was minimized by the moderator on the site

مرورك يزيد بهاء الكتابة ألقاً .

د. ماجدة السعد
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية مودة وتقدير دكتورة ماجدة... كلما قرأت ما كتبت أكتشف شيئا جديدا في مكنونات اللاشعور الذي يكتبنا قبل أن نكتبه. تزدادين تألقا كما كتابتك كذلك. شكرا لك على هذه القراءة البارعة.

أمين يوسف عودة
This comment was minimized by the moderator on the site

د.امين:اشكر نصك الجميل أولا ,ويشرفني مرورك الراقي.تحياتي.

د. ماجدة السعد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2738 المصادف: 2014-03-04 23:08:23